خلاف السلطة ومصطفى البرغوثي
مقالات
خلاف السلطة ومصطفى البرغوثي
زياد سمرين
10 آب 2026 , 17:54 م

في الخلاف الذي دار بين السلطة وخصوصا حركة فتح، ومصطفى البرغوثي، كان لافتا جدا أن النتيجة لم تكن لصالح السلطة. وليس ذلك لأن سلطة عصابة التنسيق الأمني كانت على حق، بل لأنه من المفروض أنها كسلطة تمتلك أدوات أكبر وأقوى وأكثر تأثيرا وفعالية مما يمتلكه شخص يقود منظمة غير حكومية، حتى لو كان تمويلها أوروبي وقطري. ما شاهدناه في الخلاف كان لافتا لأن السلطة اعتمدت أساسا في هجومها على شخصيات مكروهة شعبيا ويحتقرها الناس، مثل سيء السمعة وجليس الصهاينة محمود الهباش، وأساليب قديمة عفى عليها الزمن، فيما وظفت منظمة البرغوثي الممولة من الحكومات الأوروبية ومن قطر الذكاء الصناعي على مدى واسع. قد يبدو لمن تابع هذه المواجهة، بين طرفي معسكر واحد، أن السلطة قد شاخت وعفى على أساليبها الزمن، بينما تمتلك منظمة مصطفى البرغوثي أدوات جديدة وأكثر فعالية. إلا أن هذه المواجهة، بكل ما أُحيطت به من أساليب وأدوات، أسهمت في تضليل الشارع وصرف الأنظار عن الحقيقة الجوهرية للصراع القائم بين الطرفين. فلا تحتاج للكثير من الجدل لإثبات حقيقة عصابة سلطة التنسيق الأمني التي أصبح واضحا للجميع أن مؤسساتها وأجهزتها الأمنية تأسست أصلا ككتائب في الجيش الصهيوني والاستخبارات الصهيونية. لكن مصطفى البرغوثي، الذي كان أيضا جزءا أساسيا وأصيلا من هذه السلطة العميلة، نجح في توظيف الخلاف ليبدو وكأنه معارض جذري وخيار أفضل للفلسطينيين. ما هي الحقيقة؟

مصطفى البرغوثي هو محمود عباس النسخة الجديدة

لا يمكن فهم الخلاف بين مصطفى البرغوثي وسلطة محمود عباس على أساس أنه خلاف سياسي، أو حتى حول الموقف من السلطة والمقاومة على الإطلاق. بل هو امتداد لتنافس داخلي وبيني على السلطة والنفوذ ضمن بنية نظام اوسلو، الذي كان مصطفى البرغوثي من أهم مهندسيه ومنظريه الأوائل. فالبرغوثي لم يكن يوما معارضا لسلطة أوسلو، كما أن الخلاف الراهن بينهما ليس على أوسلو وتبعاتها أصلا، بل على قضة مختلقة أساسا وتافهة. فالبرغوثي كان من أقطاب ومهندسي مسار المفاوضات والمدافعين عنه منذ البداية، حتى قبل أوسلو، بل وشكّل جزءاً أساسيا من فضائها السياسي والانتخابي المطلوب. فحتى قبل أوسلو، لم يكن البرغوثي حتى مجرد عضو في الوفد المفاوض الذي شارك في مؤتمر مدريد ١٩٩١، بل كان أيضا عضوا في اللجنة القيادية لمفاوضات مدريد، كما كان أيضا عضوا في اللجنة التوجيهية للمفاوضات متعددة الأطراف. وطبعا، هذا كله كان قبل أن يصبح البرغوثي لاحقا وزيرا في حكومة السلطة وحتى الناطق الرسمي باسمها.

وليس هذا فقط ما يجمع صاحب المنظمة غير الحكومية المسماة "المبادرة" التي، كغيرها من المنظمات غير الحكومية، تحصل على تمويل مشروط سياسيا من الإتحاد الأوروبي ومن بعض الدول العربية كقطر، بل وانه حتى كان ولا يزال من منظري خطاب المقاومة الشعبية السلمية، التي يتغنى بها محمود عباس وعصابته. وخطاب "المقاومة الشعبية"، كما يعرف البرغوثي تماما، هو من أخطر الخطابات التي تعمل على نزع شرعية المقاومة الحقيقية، بل انه إحدى طرق الاعتراض على كل مشروع المقاومة من أساسه. فالمقاومة يجب ان تكون شاملة، وليست محدودة في مجال وأسلوب، كما تفترض فكرة المقاومة الشعبية التي يرفعها. أما حصر المقاومة في جانب واحد فهو يتناسب تماما مع شروط تمويل المنظمات غير الحكومية الممولة من الاتحاد الأوروبي، كمشروع "منظمة المبادرة" التي يرأسها البرغوثي. لكن البرغوثي يريد أن يعترض على مشروع المقاومة عبر طرح شعار غير واضح ويتفق مع شروط تمويل الاتحاد الأوروبي (ومؤخرا قطر) وفي نفس الوقت الاستمرار في لعب دور الفدائي على الشاشة، وحين يسمعه الناس يظنوا انهم يستمعون لقائد تشكيل عسكري، مع أنه التنظيم الفلسطيني الوحيد تقريبا الذي لم يقاوم يوما ولم ينشط خارج نطاق العمل السياسي. هل تعرفون شخصا واحدا يرفع شعار "المقاومة الشعبية" ويقوم فعلا بالمقاومة؟ هذا الشعار صمم أصلا للاعتراض على فكرة المقاومة أصلا.

ليس الخلاف إذن خلاف بين مشروعين متعارضين، او حتى خلاف بين سلطة ومعارض لها. فمصطفى البرغوثي، ليس مجرد ابن لمشروع السلطة، بل هو من أهم مهندسي المشروع ومن منظري نهج التفاوض، كما تشهد الأدوار التي لعبها منذ مدريد ١٩٩١، ووصلت اوجهها في ترشحه للانتخابات الرئاسية في عام ٢٠٠٥. يبدو أن محمود عباس وعصابته لم يأخذوه حينها على محمل الجد كمنافس مدعوم من قوى خارجية (أوروبا ولاحقا قطر وعزمي بشارة)، ولم يروا فيه أكثر من مهرج سيوفر دوره شرعية ديمقراطية وتنافسية شكلية للانتخابات، ويخدم بالتالي نظام التنسيق الأمني السياسي. ربما ظنوا أنه فقط مثل المرشحين الذين اختارتهم الأنظمة العربية لإسباغ الشرعية على مسرحيات الانتخابات، كما حصل في مصر وغيرها. لكن المواجهة الأخيرة مع فتح كشفت ان البرغوثي يحظى بدعم قوي من مؤسسات وأجهزة دول إقليمية وظفت أدواتها في خدمته وهزمت محمود عباس وعصابته.

بناءً على ذلك، فإن الهجوم الحالي عليه من قبل أطراف في السلطة وفتح لا يعود إلى كونه معارضاً خارجياً يهدد أسس النظام، بل لأن طموحه السياسي ومحاولته تقديم نفسه كبديل مقبول دولياً وشعبياً يجعله منافساً مباشراً لمجموعة من الضباع التي تتنافس بشدة على "القيادة"، كما حصل بعد مؤتمر فتح الأخير (هل خدعت تصريحات أعضاء اللجنة المركزية الذين تم التخلص منهم كعزام الأحمد، أو ما يقوم به جبريل الرجوب راهنا، من انتقاد شرس لمحمود عباس واوسلو أحدا؟ كلا. لقد فهمها الناس على حقيقتها، كصراع على السلطة بين من تلوثت أيديهم بدماء شعبنا). هذا الخلاف مع مصطفى البرغوثي يشبه إلى حد كبير الصراعات الداخلية التنافسية التي تحدث بين أجنحة وقيادات حركة فتح نفسها على خلافة الرئاسة والسيطرة على مقاليد القرار. الفرق أن البرغوثي، أحد مهندسي مفاوضات مدريد واحد أعمدة نظام أوسلو، يستند الى قوى خارجية (التمويل الأوروبي ومؤخرا القطري والخبرات التي تمتلكها مؤسسات عزمي بشارة التي خاضت ما يسمى الرببيع العربي واسقطت حكومات وانظمة) استطاعت ان توظف الكثير من الأدوات (كالإعلام والذكاء الصناعي) في خدمته، فيما اعتمد الهباش وعزام الأحمد وجبريل الرجوب وحسين الشيخ على تسريبات صوتية غبية. صحيح أن الخلاف في المحصلة هو خلاف محكوم بسقف البيت الواحد، وأيضا صراع على الأدوار والأوزان السياسية داخل منظومة اوسلو، وليس انقلاباً عليها أو تقويضاً لمشروعها الأساسي، لكن البرغوثي ليس كغيره من المتنافسين في هذا المجال.

فالبرغوثي نجح في خداع الناس في قدرته على الحفاظ على مسافة أمان خطابية تمنحه صفة المعارض، وهو ليس كذلك، وحافظ في ذات الوقت على العلاقة مع المنظومة التي تمدّه بالشرعية السياسية والتمويلية عبر شبكات المنظمات غير الحكومية وعبر علاقته بقطر ومؤسسات عزمي بشارة. وهذه الازدواجية تظهر بوضوح في الخطاب المزدوج للبرغوثي. فتراه يتحدث باللغة الإنجليزية بلغة واسلوب يناسب الصالونات الفكرية والدبلوماسية الغربية (لغة التسوية، والمقاومة الشعبية السلمية، والشرعية الدولية، الخ)، بينما يوظف في نسخته العربية لغة تضليلية، خصوصا حين يتلفح الكوفية في الاحتجاجات امام عدسات الكاميرات وينتقد الكيان الصهيوني عسى أن ينجح في مغازلة غرائز الناس ومنافسة السلطة في ملعبها.

كتبت سابقا عن لقائه وعناقه الشهير مع وزير الخارجية الصهيوني الأسبق شلومو بن عامي في ندوة روما، وهو الموقف الذي يعتبر بلا أي جدال خطوة تطبيعية وقحة بالحد الأدنى، من رجل يدعي الدعوة لمقاطعة الكيان كجزء من المقاومة الشعبية السلمية التي ينظِّر لها. لكن البرغوثي استطاع عبر الأدوات التي يوفرها له مموليه (من إعلام ودعاية وشراء ذمم المدافعين عنه) أن يتجاوز هذه تبعات هذه الخطيئة التي كان يمكن أن يلوث أي إنسان آخر الى الأبد. وهذا يدفع لرؤية دور الماكينة الإعلامية والموظفين المناصرين له، الذين يمارسون دوما حالة من المزايدة السياسية وعمليات التحصين الأخلاقي لخطايا البرغوثي الوطنية. ولهذا يجري العمل على تصويره دائماً كقائد وطني عابر للانقسام، بل وحتى مستهدف من السلطة، في محاولة للتعمية على حقيقة أن الخلاف بينه وبين أجنحة حركة فتح ليس خلافاً على نهج التسوية والاستقطاب الدولي، بل هو صراع نخبوي مشروع داخل البيت الواحد. هذا ما لم تنتبه له عصابة محمود عباس واعتقدوا انه يمكنهم تحجيمه بأطلاق بعض ذبابهم خلفه، لكنهم اكتشفوا، متأخرا، أنه مدعوما من قوى وأجهزة لدول عديدة تفوق قدراتها وإمكانياتها ما لدى سلطة عباس.

مصطفى البرغوثي الذي لا يعارض أوسلو، حتى باعترافه، يريد فقط أن يأخذ مكان محمود عباس. لهذا تصادم مع الطامعين الآخرين. لكن فشل السلطة الأخير في مواجهته يستند الى تاريخ طويل من التأسيس والتجهيز الذي مر به البرغوثي تجعل منه أخطر بكثير مما اعتقدت عصابة أوسلو. لكن الخلفية التي أوصلت مصطفى البرغوثي الى مكانة المنافس لمحمود عباس تضمنت الكثير من القضايا شديدة الخطورة التي يتم التعمية عليها.

فمصطفى البرغوثي هو المسؤول عن تسييس العمل الإغاثي وانجزته. صحيح ان عصابة أوسلو ترتكب اعمالا خيانية يوميا، حتى قبل توقيعهم لاوسلو وتنازلهم عن أكثر من ٨٠٪ من فلسطين، إلا أن البرغوثي، الذي كان شريكا في كل ذلك منذ مفاوضات مدريد، هو المهندس الأول والأهم عن أنجزة العمل الوطني والكفاحي عبر تحويل العمل الوطني والكفاحي الى منظمات غير حكومية تعمل وفق شروط الممول الغربي. هكذا تحول الكادر الوطني، كما في الإغاثة الطبية مثلا، من مناضل الى موظف يعتمد على التمويل المشروط. هكذا تم التأسيس لتفريغ الحالة الشعبية من زخمها المقاوم وربطها بأجندات وممولين غربيين حتى طالت لاحقا أغلب تيارات اليسار ومؤسسات المجتمع المدني.

اما على مستوى الخطاب، بالبرغوثي هو محمود عباس بقناع. ففيما وصلت وقاحة محمود عباس وعصابته حد جعل الجميع يعرفهم على حقيقتهم، كما في عبارة "التنسيق الأمني مقدس"، يناور البرغوثي بلغته، ويحاول أن يبدو وكأنه يرفع سقف خطابه. إلا جوهر اطروحاته السياسية لا تغادر مسلمات محمود عباس (الدبلوماسية الدولية، حل الدولتين، المقاومة الشعبية السلمية، قرارات الأمم المتحدة، الخ).

كان مؤسفا ان ينحاز بعض الناس لأي طرف في الخلاف بين عصابة محمود عباس وعصابة مصطفى البرغوثي. وكان مؤسفا أكثر أن يعتقد البعض أن خيانة محمود عباس وعصابته تجعل من مصطفى البرغوثي نقيضا لهم. صحيح أن حل السلطة لوحده ليس كاف الآن بعد الأثمان الهائلة التي دفعها شعبنا، بل يجب محاكمتهم وعقابهم. لكن من يراجع تاريخ الحقبة التي نعيشها، منذ مفاوضات مدريد ١٩٩١ على الأقل، سيجد أن مصطفى البرغوثي كان أحد أهم مهندسي ومخططي هذه الحقبة

الأكثر قراءة محور أبي سفيان/ أبي لهب يعود إلى مكة
محور أبي سفيان/ أبي لهب يعود إلى مكة
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً