الاشتياق لا يعني دائمًا أن ما مضى كان جميلًا؛ فالذاكرة لا تستعيد التجارب كما حدثت، بل تعيد بناءها وفق حالتنا النفسية الراهنة. ومع ابتعاد الإنسان عن زمن الألم، قد تخفت التفاصيل القاسية بينما تبقى لحظات الألفة والاعتياد والانتماء أكثر حضورًا. وهنا تحدث مفارقة دقيقة: العقل يعرف لماذا رحل، لكن الذاكرة الانفعالية تتذكر لماذا بقي طويلًا. لذلك قد يحن الإنسان إلى مرحلة يعرف، بمنتهى الوعي، أنه لو عاد إليها لتأذى من جديد.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين يتداخل الألم مع المكافأة؛ فالتجارب المتقلبة التي تمنح القرب مرة وتسحبه مرة أخرى قد تصنع نمطًا من التعزيز المتقطع، فتغدو لحظات الراحة النادرة شديدة القيمة لأنها تأتي بعد توتر وانتظار. عندها لا يتعلق الجهاز النفسي بالأذى نفسه، بل بالدورة التي كان الأذى جزءًا منها: توتر، فقد، ترقب، ثم انفراج. ومع التكرار قد يختلط في الذاكرة معنى الطمأنينة بمعنى انتهاء الألم، حتى يبدو مجرد زوال المعاناة لحظةً من السعادة.
كما أن الإنسان قد لا يشتاق إلى شخص أو مكان أو زمن بعينه، بل إلى نسخة قديمة من ذاته كانت موجودة هناك؛ إلى شعوره بالانتماء، أو إلى الأمل الذي كان يحمله قبل أن يعرف النهاية. لذلك يبدو الحنين أحيانًا موجّهًا نحو الخارج، بينما موضوعه الحقيقي في الداخل. نحن لا نفتقد دائمًا ما فقدناه؛ قد نفتقد من كنّا حين كان ذلك الشيء جزءًا من حياتنا.
ولهذا فالتعافي لا يُقاس بانعدام الاشتياق. قد يحن الإنسان إلى شيء تجاوزَه، من دون أن يعني ذلك أنه يريد استعادته. النضج يبدأ حين يستطيع الفصل بين الحنين والرغبة في العودة، ويفهم أن القلب قادر على تذكّر الدفء داخل مرحلة آلمته دون أن يمنحها البراءة من أذاها. فبعض الأبواب يمكن أن ننظر إليها بحنين، ونبتسم لما كان خلفها، ثم نمضي ونحن نعرف تمامًا لماذا كان إغلاقها ضرورة.
عباس المعلم - إعلامي لبناني