د, مهدي مبارك عبد الله
لم تعد الرؤية عبر المرآة مفهومًا بصريًا حكرًا على المبصرين فمع الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي بات بإمكان المكفوفين ايضا الحصول على تغذية راجعة تفصيلية عن ملامحهم وأجسادهم للمرة الأولى في حياتهم غير أن هذا التحول التقني العميق يفتح الباب أمام أسئلة نفسية معقدة لم تبدأ الأبحاث العلمية والعملية في العمل على تفكيكها بعد .
بحسب تقرير خاص لشبكة " بي بي سي" إن تطبيقات مثل Be My Eyes لم تعد تكتفي بوصف ما يوجد في الصورة بل باتت تقدم تحليلات نقدية ومقارنات ونصائح تتعلق بالمظهر الخارجي للشخص حيث يستخدم بعض المكفوفين هذه التطبيقات كما لو انها مرآة رقمية يلتقطون صورة من خلالها ثم يسألون الذكاء الاصطناعي كيف يبدو شعرهم أو بشرتهم أو ما إذا كانت ملابسهم انيقة ومتناسقة .
لوسي إدواردز صانعة محتوى بريطانية فقدت بصرها بعد سنوات من الإبصار تقول إن هذه التقنية منحتها شيئًا لم تمتلكه منذ 12 عامًا بشأن وجهها حيث تمكنت فجأة من ألتقاط صورة لنفسها ثم تسأل الذكاء الاصطناعي أن يعطينها تقييمًا من 10 بالمئة وربما صحيح أنه ليس كالرؤية الحقيقية لكنه أقرب ما يمكن الحصول عليه الآن وهذا التحول النوعي يعكس انتقال التكنولوجيا من مجرد أداة لمساعدة للقراءة أو التسوق إلى وسيط مباشر يعيد تشكيل علاقة الإنسان الكفيف بذاته
من بين أبرز الجهات المطورة لهذه الحلول شركة Envision، التي بدأت عام 2017 بتقديم أوصاف قصيرة للنصوص المطبوعة قبل أن تطور نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة مدمجة في نظارات ذكية ومساعدات رقمية قادرة على تحليل الصور وتقديم ملاحظات تفصيلية وبحسب الرئيس التنفيذي للشركة كارثيك ماهاديفان إن أكثر ما فاجأهم هو عدد المستخدمين الذين يلجأون للتطبيق من أجل تنسيق ملابسهم أو وضع المكياج والسؤال الأول غالبًا ما يكون كيف أبدو .
بعض التطبيقات المتخصصة والتي بات عددها لا يقل عن أربع تتيح للمستخدم عند الطلب تقييم مظهره وفق ما تعتبره الخوارزميات معايير جمال تقليدية بل ومقارنته بآخرين واقتراح تغييرات محتملة .
المهم ف الامر ان هذه المرآة النصية لا تعكس الواقع فحسب بل قد تعكس أيضًا تحيزات البيانات التي تدربت عليها النماذج حيث تشير أبحاث سابقة إلى أن نماذج توليد الصور بالذكاء الاصطناعي تميل اكثر إلى تفضيل الأجسام النحيفة والملامح الأوروبية ما يكرّس معايير جمالية مثالية قد لا تمثل التنوع البشري المختلف .
هيلينا لويس- سميث الباحثة في علم نفس صورة الجسد بجامعة بريستول تحذر من أن زيادة السعي وراء التغذية الراجعة حول المظهر ترتبط عادة بانخفاض الرضا عن صورة الجسد والذكاء الاصطناعي يفتح اليوم هذا الباب أمام المكفوفين لكن المقارنة المستمرة سواء مع صور الآخرين أو مع نسخ ة مثالية تقترحها الخوارزمية قد ترفع معدلات القلق والاكتئاب لدى الاشخاص المكفوفين بل وحتى التفكير في تدخلات تجميلية اوسعواعمق .
اما الباحثة ميريل ألبر من جامعة نورث إيسترن فهي ترى أن صورة الجسد يبقى مفهوم متعدد الأبعاد ويتأثر بالسياق والقدرات والعلاقات وهي مجموعة عوامل لا تستطيع الخوارزميات فهمها أو أخذها في الحسبان ولهذا فان الذكاء الاصطناعي المعمول به قد يخبرك أن ابتسامتك مائلة لكنه لا يستطيع أن يربطها بلحظة سعادة ما عشتها تحت الشمس .
إلى جانب التحيز تبرز مشكلة الهلوسة أي تقديم معلومات غير دقيقة أو مختلقة حيث افاد بعض المستخدمين بأن التطبيقات غيرت لون شعرهم في الوصف أو أخطأت في قراءة تعابير وجوههم وهو ما يزرع شكوكًا إضافية لدى المستخدمين الذين يُفترض أنهم يعتمدون على هذه الأدوات لبناء معرفة ذاتية وللتقليل من المخاطر خاصة وان بعض الخدمات تلجأ احيانا إلى إشراك وكلاء بشريين مدربين للتحقق من دقة الوصف عند الطلب إلا أن الغالبية ما تزال تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي كحل اوحد .
من الميزات الاخرى لهذه المرايا الرقمية إمكانية التحكم في نوع الوصف عبر صياغة الطلب حيث يمكن للمستخدم أن يطلب وصفًا مختصرًا أو شاعريًا أو رومانسيًا وهذه المرونة عمليا تمنح إحساسًا بالسيطرة لكنها قد تتحول إلى سلاح ذي حدين إذ يمكن للطلب نفسه أن يستدعي نقدًا غير مرغوب فيه وقد لا يعجب الشخص متلقي الخدمة .
واقعيا التجربة بالنسبة لكثيرين تبدو مزدوجة وبينما يرى بعض المكفوفين في الذكاء الاصطناعي فرصة لاستعادة شيء ظنوا أنهم فقدوه إلى الأبد كالاطلاع على صورتهم في يوم زفافهم أو أثناء تنسيق ملابسهم يدرك آخرون أن هذه المرآة الجديدة لا تعكس فقط ملامحهم بل أيضًا معايير مجتمع وخوارزميات قد لا تكون محايدة لانه لأول مرة علميا بدوت بجانب زوجي في يوم زفافي"، تقول إدواردز. "سنأخذ الأمر كشيء إيجابي.
اخيرا بات بواسطة برنامج Voice Over المجاني المدموج داخل نظام التشغيل في أجهزة شركة ابل اصبح المكفوفون يستخدمون الهواتف الذكية ببراعة منذ يناير 2018 حيث سهّل التطبيق تعامل المكفوفين مع الهواتف الذكية بصورة افضل وهو عبارة عن قارئ للشاشة متوفر في أجهزة آي ماك التي تعمل بنظام أو أس إكس OSX إصدار تايغر Tiger وما بعده حيث يقوم بتحويل النص المكتوب إلى كلام مسموع لقراءة محتويات الشاشة وتأكيد الاختيارات والأحرف المطبوعة والأوامر ما يجعل المستخدم الكفيف يتمتع بالخدمات في الهواتف الذكية دون حاجة لأي نوع من المساعدة ويمكن للمستخدم مواءمة التطبيق وتعديل الخصائص الوفيرة التي يمكن تشغيلها وتعطيلها مثل التنبيهات الصوتية وإعدادات الصوت .
كما يمكن التطبيق المستخدم من إتمام المهام اليومية على أجهزة آبل مثل قراءة البريد الالكتروني ومعالجة النصوص وتصفح الإنترنت والمحادثة والاستماع إلى الموسيقى باستخدام التطبيقات المدمجة في كل جهاز ماك باستخدام التطبيقات المدمجة مثل بريد آبل Apple Mail ومحرر النصوص Text Edit والمتصفح Safari والرسائل Messages وآي تونز iTunes حيث تعمل جميع هذه التطبيقات مع تطبيق فويس أوفر بنفس السهولة الموجودة على جهاز بنظام ويندوز كما توجد مجموعة أخرى من
اما على المواقع الالكترونية يستطيع المستخدم لمس أي جزء من الصفحة لسماع ما هو المحتوى الموجود هناك ليحصل الكفيف على تقريب وتوجيه مثل الشخص المبصر وهذا يختلف عن أغلب قارئات الشاشة الموجودة والتي توفر تصفحًا خطيًا بين عناصر الصفحة ويقوم التطبيق ايضا بقراءة أسماء البرامج ومعلومات الجهاز مثل مقدار شحن البطارية وقوة إشارة الواي فاي والوقت كما يستخدم التطبيق المؤثرات الصوتية لتأكيد الأوامر مثل تنزيل التطبيقات وعند الانتقال إلى صفحة جديدة.
ويمكن للتطبيق إخبار المستخدم إذا كانت الشاشة في وضع عمودي أو أفقي وإذا كانت الشاشة مغلقة كما يمكن للتطبيق الارتباط مع لوحات المفاتيح التي تدعم بلوتوث مثل بريل بن حتى يستطيع المستخدم التحكم في الجهاز دون الحاجة إلى لمس الشاشة.
ختاما : بالفعل تثير الطفرات التكنولوجية الحديثة الدهشة والتأمل في قدرة العقل البشري وما أودعه الله فيه من علم فسبحان الله العظيم الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإن التطور التقني الهائل اليوم يفتح أبواباً واسعة لمعرفة قدرة الخالق في إبداع عقول البشر وجعلهم يبتكرون وسائل تغير وجه الحياة بكل تفاصيلها .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون التجارية