✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لم يعد التصعيد السعودي تجاه اليمن مجرد تحشيدات عسكرية عابرة، فالمشهد يتجه نحو معادلة أكثر وضوحًا: وكلما حاولت الرياض الضغط على صنعاء، وجدت نفسها أمام أوراق يمنية أقوى وأوسع تأثيرًا.
واليوم دوّت صفارات الإنذار اليوم في جيزان عقب هجوم صاروخي من اليمن، كما أعلنت القوات المسلحة اليمنية استهداف تحشيدات ومخازن أسلحة مرتبطة بالسعودية في مأرب، وكذلك في المخا والساحل الغربي، لتؤكد أن مسرح المواجهة لم يعد محصورًا في جبهة واحدة.
والأهم أن الضغط لم يعد بريًا فقط؛ فقد امتد إلى المجال البحري والاقتصادي.
وتقارير ملاحية تؤكد أن الحظر اليمني على الشحن المرتبط بالسعودية بدأ يفرض واقعًا جديدًا على حركة الناقلات، مع لجوء سفن إلى إطفاء أجهزة التتبع وتغيير مساراتها.
وهنا تكمن أهمية باب المندب:
اليمن لا يحتاج إلى إغلاق البحر بالكامل حتى يفرض كلفة على السعودية؛ يكفي أن يجعل المرور المرتبط بالسفن السعودية ورقة ضغط لإجبارها على تنفيذ خارطة الطريق.
أما في الداخل اليمني، فتبدو الرياض أمام مأزق آخر؛ إذ تتحدث المعطيات عن تكليف السفير السعودي محمد آل جابر لللعميل العليمي ولوزير الإعلام في حكومة الفنادق، بالتواصل مع مشايخ قبائل موالين للرياض في الجوف ومأرب والبيضاء وغيرها من المحافظات الشمالية.
بهدف إعادة ترتيب القوى معتمدة على مشايخ القبائل الموالية لها، بعد تلقي تحشيدات الرياض وعدة اهداف بعقر دارها الى ضربات موجعة من صنعاء، ناهيكم عن فرض صنعاء للحصار البحري والجوي على الرياض، وتثبيت معادلة التصعيد بالتصعيد.
بالتالي تسعى السعودية لعقد اجتماع للمشايخ لإعادة توحيدهم تحت قيادة وإشراف مباشر من ضباطها، وربما ستضع المشايخ تحت الإقامة الجبرية خوفًا من عقد المشايخ والإصلاح إتفاقًا مع صنعاء لخفض التصعيد على مارب والمخا، فيما أعلنت شخصيات وقوى يمنية رفضها المشاركة في اللقاءات التي دعت إليها السعودية.
وهذا يكشف أن المشكلة لم تعد عسكرية فقط، إنما أصبحت أيضًا أزمة ثقة بين الرياض وأدواتها العسكرية المحلية، كما ان السعودية تود التنصل عن مطالب الشعب، فتصور للعالم ان الصراع في اليمن يمني يمني، بينما الواقع يؤكد أن السعودية هي من تقود العدوان وتفرض الحصار على اليمن.
وفي هذا السياق، جاءت رسالة عضو المجلس السياسي عبدالعزيز بن حبتور واضحة: استمرار التحشيدات وفرض معادلات عسكرية جديدة سيقابل بما يلزم لحماية اليمن وسيادته، مؤكدًا أن الطريق الأقصر لتجنب تصعيد الرياض هو وقف التحشيدات والإجراءات العدائية والانتقال إلى معالجة أسباب الأزمة وتنفيذ استحقاقات السلام.
معتبرًا الرهان على الدعم الصهيو امريكي، ونقل المواجهة إلى الداخل اليمني وإدارتها عبر قوى محلية عميلة للخارج، بما يسمح للطرف السعودي بالبقاء بعيدًا عن تبعات التصعيد، يعتبر رهانًا خاطئًا.
ولا شك ان المعادلة اليوم تبدو أكثر صراحة:
السعودية تحشد في البر، وصنعاء تضرب.
السعودية تحاول إعادة ترتيب أدواتها في الداخل، وصنعاء تراقب.
السعودية تبحث عن حماية مصالحها البحرية، بينما أصبحت تلك المصالح نفسها جزءاً من معادلة ردع صنعاء.
لقد أثبتت التطورات أن اليمن لم يعد ساحة يمكن إدارة الصراع فيها بالوكالة بسهولة،
وأن نقل المعركة إلى الداخل عبر أدوات محلية لا يلغي مسؤولية وقوف السعودية خلف التصعيد.
فالرسالة اليمنية باختصار: السلام ممكن،
لكن التحشيد له كلفة..
ومن يفتح باب التصعيد لا يستطيع أن يحدد وحده أين ستكون نهايته، وقد أعذر من أنذر.