في علم النفس، لا تُقاس صعوبة الخطوة دائمًا بحجمها الواقعي، بل بحجم التمثيل الذهني الذي صنعه العقل عنها. فقد يقف الإنسان أمام تصرّف بسيط يراه كمن يستعد لعبور محيط أو تسلّق جبل شاهق، لا لأن الفعل يحمل خطرًا حقيقيًا، بل لأن سنوات من التردد والتأجيل والتفكير الاجتراري ضخّمته حتى نشأ ما يمكن تسميته بالتضخيم الإدراكي؛ حيث تصبح الفكرة أثقل من حقيقتها، ويغدو المتوقع أشد وطأة من الواقع نفسه.
ومع مرور الزمن، قد يتحول هذا الوهم إلى ما يشبه القواعد النفسية الجامدة؛ أفكار بدأت كخشية عابرة، ثم كررها العقل حتى منحها صفة المبدأ والثابت: «لا ينبغي أن أفعل»، «لا أستطيع أن أبدأ»، «هذه الخطوة تعني التراجع أو التنازل». وهنا تحدث مفارقة نفسية دقيقة: فالإنسان لا يعود أسير الواقع، بل أسير تفسير قديم للواقع، حتى إن بعض القناعات التي يدافع عنها بوصفها مبادئ قد لا يكون لها سند من المنطق أو الدين أو القيم الإنسانية، وإنما اكتسبت سلطتها من طول بقائها في الذهن.
أما كسر الحاجز النفسي فلا يحتاج دائمًا إلى بطولة أو مخاطرة استثنائية؛ ففي كثير من مواقف الحياة يكفي أن يتوقف المرء عن التفاوض مع مخاوفه، يأخذ نفسًا عميقًا، وينظر إلى الحدث كما هو لا كما صوّرته له ذاكرته وتوقعاته. عندها يحدث نوع من إعادة التقييم المعرفي: يتراجع التهويل، وينفصل الاحتمال المتخيَّل عن الحقيقة، ويكتشف الإنسان أن الجبل الذي ظل يراه أمامه لم يكن سوى ظلّ تضخّم لأنه ظل واقفًا طويلًا أمامه.
والأجمل أن بعض الخطوات التي نخشى أن تكون تنازلًا ليست تنازلًا أصلًا، وبعض ما نعدّه ضعفًا ليس ضعفًا، وما نراه كسرًا لقاعدة قديمة قد يكون في الحقيقة استعادةً للتوازن النفسي. فالإنسان لا يخسر نفسه حين يصحح فكرةً استنزفته، ولا يهدم مبادئه حين يتحرر من وهمٍ تنكّر طويلًا في هيئة مبدأ؛ بل قد تكون تلك الخطوة الصغيرة هي اكتمال طبيعي تأخر كثيرًا: لا بطولة فيها ولا هزيمة، وإنما عودة هادئة من عالم صنعه الخوف إلى واقع كان أبسط مما تخيّل.
" عباس المعلم - إعلامي