عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
في 3 آب 2010، كادت شجرة واحدة أن تشعل مواجهة واسعة بين لبنان وإسرائيل؛ عندما حاولت قوة إسرائيلية تنفيذ أعمال قطع أشجار قرب العديسة، في منطقة كان ترسيمها موضع اعتراض لبناني.
لم يتعامل الجيش اللبناني مع الأمر كحادث زراعي عابر. ووفق الوثائق التي أودعتها لبنان لدى الأمم المتحدة، كانت قيادة الجيش قد أُبلغت مسبقًا بأن الجانب الإسرائيلي يريد عبور السياج التقني لقطع شجرة، فأُبلغت اليونيفيل بالاعتراض، واستمر الجانب الإسرائيلي في العملية، قبل أن يتطور الأمر إلى تبادل إطلاق نار وقصف.
وكانت النتيجة إرتقاء شهيدين من الجيش اللبناني وصحافي لبناني ومقتل ضابط إسرائيلي برتبة مقدم، فيما أصيب آخرون.
ووصف الأمين العام للأمم المتحدة الحادث بأنه أخطر إشتباك بين الجيش اللبناني وقوات الإحتلال الإسرائيلي منذ اعتماد القرار 1701.
بل إن الأمم المتحدة تحركت فورًا، وبدأت اليونيفيل تحقيقًا ميدانيًا، وعُقد اجتماع ثلاثي عاجل بين كبار الضباط اللبنانيين والإسرائيليين والأمم المتحدة لمنع تكرار الحادث.
كانت محاولة شجرة واحدة،
واليوم نحن أمام إقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمّرة في زوطر الشرقية.
وبحسب شهادات الأهالي التي نقلتها قناة «الجديد»، اقتُلعت الأشجار بواسطة آليات ثقيلة عقب التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية، وتعود ملكيتها إلى عائلات من البلدة.
وقال الأهالي إنهم لا يعرفون مصير الأشجار أو الجهة التي نُقلت إليها.
ثم جاءت شهادات أكثر تفصيلًا.
فالمواطن أحمد شمس الدين قال إن عائلته تملك أرضها منذ نحو 250 عامًا، وإن قوات الإحتلال الإسرائيلية اقتلعت الأشجار وأخذتها، مشيرًا إلى أن بعض أشجار الزيتون يتجاوز عمرها 500 عام، وأن اقتلاع شجرة بهذا الحجم يحتاج إلى جرافات وخبرة وشاحنات، ولا يمكن اعتباره ضررًا عشوائيًا.
كما أكد أن المنطقة التي اقتُلعت منها الأشجار لم تكن تضم أسلحة أو مقاتلين أو وجودًا عسكريًا، بحسب شهادته.
وقال المواطن عدنان شعيتاني، صاحب أحد الحقول المستهدفة، إن كرمه يمتد لثمانية أجيال، وإنه كان ذاكرة عائلته ومصدر رزقه. أما ابنه إبراهيم فوصف الزيتون بأنه رمز للهوية والانتماء والصمود.
وهنا تصبح المقارنة مع 2010 صادمة؛ ففي آب 2010، شجرة واحدة حرّكت الجيش.
وفي 2026، اقتُلعت مئات الأشجار ولم نرَ المشهد نفسه.
ليس المقصود مقارنة حجم الضرر فقط، بل مقارنة سلوك الدولة تجاه إنتهاك الأرض اللبنانية.
آنذاك، كان القرار العسكري واضحًا: "منع فرض أمر واقع على الأرض، ولو كانت النتيجة مواجهة عسكرية إرتقى فيها شهداء" .
وأما اليوم، وبعد توقيع إتفاق الإطار، فإن الجنوب يشهد إستمرارًا للتوغلات والتجريف والإعتداءات، وصولًا إلى اقتلاع مئات الأشجار المعمّرة، بينما لا يظهر في البيانات الرسمية المفتوحة موقف رئاسي أو حكومي مخصص لهذه الواقعة يعلن إجراءات عملية لحماية الملكيات الزراعية أو محاسبة المعتدين أو إستعادة الأشجار.
فهذه ليست مسألة سياسية داخلية فقط؛
فالقانون الدولي الإنساني يحمي الممتلكات الخاصة في الأراضي المحتلة، وتنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة صراحة على حظر تدمير الممتلكات العقارية والمنقولة العائدة للأفراد أو الدولة، إلا إذا كان التدمير ضروريًا بصورة مطلقة للعمليات العسكرية.
والتفسير الحديث للجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر وضوحًا: "الضرورة العسكرية يجب أن تكون مادية وملحّة، ولا تكفي مجرد الملاءمة أو المنفعة الأمنية العامة، ولا يجوز إستخدام تدمير الممتلكات كعقوبة أو وسيلة ردع. كما أن الاستيلاء على الممتلكات يخضع بدوره لشرط الضرورة العسكرية المطلقة".
وهنا تبرز مسألة اقتلاع الأشجار ونقلها.
فالزيتونة ليست مجرد خشب؛ إنها ملكية خاصة، ومورد اقتصادي، وأصل زراعي، وذاكرة عائلية، وجزء من البيئة المحلية.
وعندما تُقتلع شجرة معمرة من أرض أصحابها وتُنقل بواسطة آليات ثقيلة، فإن الأمر يتجاوز خسارة محصول موسمي إلى التدخل المباشر في الملكية الزراعية وفي قدرة السكان على البقاء والعودة إلى أراضيهم.
والأخطر أن ذلك يحدث في منطقة شهدت توغلات وتجريفًا واسعًا، وبعد اتفاق يفترض أن يفتح طريقًا نحو تثبيت الهدوء والانسحاب واستعادة السيادة.
المفارقة لا تحتاج إلى شرح طويل:
في عام 2010 كادت شجرة أن تشعل حربًا.
في عام 2026 اقتُلعت 600 زيتونة، وكأن الأمر لا يستحق حتى موقفًا رسميًا بحجم الجريمة.
لقد تغيّر شيء جوهري في المعادلة.
لم تعد المشكلة في قدرة الاحتلال على انتهاك الأرض فقط، بل في مدى استعداد الدولة اللبنانية لاستخدام أدواتها السياسية والعسكرية والقانونية لمنع تحويل هذه الانتهاكات إلى أمر واقع.
ومن هنا يصبح الصمت الرسمي أكثر من مجرد غياب بيان.
إنه سؤال عن السيادة نفسها:
إذا كانت الدولة قد اعتبرت في الماضي محاولة التعامل مع شجرة واحدة كخرق يستوجب المواجهة، فما الذي يجعل اقتلاع مئات الأشجار المعمرة اليوم يمرّ بلا موقف معلن بحجم الحدث؟
وإذا كان اتفاق الإطار قد وُقّع لحماية لبنان وإنهاء الاحتلال والاعتداءات، فمن غير المقبول أن يتحول الاتفاق إلى مظلة زمنية تُستغل خلالها الأرض اللبنانية لإحداث وقائع جديدة.
السيادة لا تُقاس بما يُقال في واشنطن، بل بما تستطيع الدولة أن تمنعه على أرضها.
والزيتونة التي اقتُلعت اليوم ليست مجرد شجرة.
#إنها إختبار للدولة.
#وإختبار للإتفاق.
وإختبار للسيادة.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
22 آب/أغسطس 2026