راسم عبيدات
سبعة وخمسين عاماً على الحريق الذي التهم القسم الشرقي من المسجد الأقصى ومنبر صلاح الدين الإيوبي التاريخي،هذا الحريق الذي التهم خشب منبر صلاح الدين،بفعل قيام متطرف صهيوني استرالي يدعى مايكل دينس روهان بإشعال النار فيه عمداً،الحريق كان يعبر ليس عن إحتراق خشب المنبر،بل عن احتراق هيبة الموقف العربي والإسلامي أمام القدس والأقصى.
ومنذ ذلك التاريخ،والذي كانت فيه رئيس وزراء اسرائيل أنذاك غولدا مائير،تبكي ولم تنم الليل خوفاً من أن تقدم الجيوش العربية والإسلامية على اجتياح "دولتها" وإنهاء وجودها،رداً على حرق الأقصى ومنبر صلاح الدين الأيوبي،ولكن مع بزوغ الفجر وعدم حدوث أي شيء،قالت الان نستطيع ان نفعل أي شيء بدون ردود فعل،فهذه الأمة ليست أكثر من ظاهرة صوتية،
نعم هي ليست أكثر من ظاهرة صوتية ،تجيد " الجعجعة" واللغو والكلام الفارغ،فواقع الحال الذي عليه الأقصى اليوم،يقول بأننا نشهد تقدم كبير للخطوات التهويدية فيه،والتي وصلت حد الصلوات والسجود والصلوات الجماعية في ساحاته ،وإدخال كتب الصلاة،حيث ادخالها شكل خطوة اضافية على طريق التهويد،فالإنتقال من أداء الطقس الى إدخال نص الطقس ومن ثم إدخال ادواته ومستلزماته قد حصل،وفي السابع والعشرين من الشهر الحالي،رؤوساء منظمات تلمودية وحاخامات واعضاء كنيست ووزراء،يدعون الى اعتصام من أجل السماح بالإقتحامات للأقصى يوم السبت.
منذ الحريق الذي التهم منبر صلاح الدين الأيوبي التاريخي،سقطت هيبة الموقف العربي والإسلامي أمام القدس والأقصى،وبقيت تلك الأمة عبارة عن ظاهرة صوتية، لا تمتلك غير لغة العجز، بيانات شجب واستنكار ومطالبات ومناشدات للمجتمع الدولي بالتدخل للجم ووقف الإنتهاكات الإسرائيلية،وكذلك قمم واجتماعات لا تساوي بياناتها الختامية،قيمة الحبر الذي تكتب به،وأثرها يختفي مع صدورها،وبما لا يتجاوز عتبات قاعات اجتماعاتها،فالتطبيق العملي يغيب عنها وعن مؤسساتها،جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي التي تشكلت بعد الحريق الذي التهم القسم الشرقي من الأقصى ومنبر صلاح الدين الأيوبي التاريخي.
الحريق والنار التي التهمت المنبر كانت واضحة ومرئية،وهبت الناس بإمكانياتها المتواضعة الى إطفائها،وجرى ترميم المنبر، أما النار التي تزحف إليه اليوم فهي أبطأ وأشد خطرا، لأنها تحاول تغيير هويته وواقعه حجرا حجرا، ويوما بعد يوم.
سبعة وخمسون عاما مرت، والسؤال الذي تركه الحريق ما زال معلقا فوق القدس:
كم مرة يجب أن يحترق الأقصى، فعليا أو سياسيا، حتى تتحول بيانات الغضب إلى مواقف تحميه؟.
علينا أن نعي وندرك بأن الشهرين القادمين،هناك العديد من الأعياد اليهودية،منها رأس السنة العبرية،وعيد العرش " السكوت"،وما يعرف بيوم الغفران،وهذه الأعياد تسبق الإنتخابات التشريعية العامة لدولة الإحتلال في السابع والعشرين من تشرين أول القادم،وستكون الإقتحامات للأقصى وقضية تهويده،وفرض وقائع تهويدية في داخله ،تخرجه من طابعه الإسلامي الخالص ،بالعبور به نحو الزمن اليهودي ،بفرض شراكة في قدسية المكان،إسلامية ويهودية،في المرحلة الأولى،عبر الشروع بإقامة كنيس يهودي في القسم الشرقي منه،أو انشاء مدرسة دينية، هدفها تعليم التوراة ودروس تلمودية وتوراتية،بدل مصلى باب الرحمة،واحدة من عناوين التهويد في المرحلة القادمة للعديد من جماعات الهيكل ومنظماتها.
القوى والأحزاب السياسية الإسرائيلية،وخاصة قوى اليمين والتطرف ومنظمات الهيكل،ستوظف قضية إقتحامات الأقصى،ورفع علم الهيكل واعلام دولة الإحتلال،وأداء الصلوات والطقوس التلمودية والتوراتية بشكل علني وجماعي، في قضية تركيم رصيدها الإنتخابي، بالحصول على أكبر عدد من الأصوات، تعزز من حضورها ووجودها في الكنيست وفي الحكومة الإسرائيلية التي ستتشكل.وسيعمل بن غفير والعديد من وزراء اليمين والحاخامات،بأن يكونوا على رأس المقتحمين من جماعات الهيكل ومنظماتها المختلفة.
الأقصى يمارس بحقه التفكيك الصامت، الذي يغيير من وضعه الديني والتاريخي والقانوني والدولي،عبر اعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه، بالإنتقال من إدارة الصراع الى حسمه بإستخدام الوسائل القانونية والأمنية.
عندما يصرح الحاخام الاكبر "لاسرائيل " ديفيد يوسف : غزة هي أرض "اسرائيل " , غزة , لنا , نابلس , لنا جنين , لنا , وكلها لنا , يزعمون انهم الشعب الفلسطيني , لكنهم ليسوا شعبا , ولم يكونوا يوما شعبا , وليس لهم اي حقوق،فهو يلتقي بهذا التصريح مع بن غفير وسموتريتش، اللذان ينكران وجود الشعب الفلسطيني،وذهب المتطرف سموتريتش الى أبعد من ذلك، بالقول بأنه لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني،وهذا اختراع عمره أقل من مئة عام،في حين شريكه في التطرف والعنصرية والحقد والكراهية بن غفير،قال بأنه يجب قتل من 30 – 40 فلسطيني يومياً في قطاع غزة.
مثل هذه التصريحات والأفكار العنصرية والمتطرفة، ستجدها عند الكثير من الحاخامات المغولين في العنصرية والتطرف،والذين سيصدرون الفتاوي وسيحرضون على فرض وقائع تهويدية جديدة في المسجد الأقصى،مستغلين إنشغال العالم بما يحدث على جبهة مضيق هرمز،والحرب الإيرانية – الأمريكية ، التي تتجلى بأشكال متعددة عسكرية وسياسية واقتصادية واعلامية،وكذلك هم يدركون من تجاربهم السابقة ،بأن ردات الفعل والمواقف العربية والإسلامية التي جرى اختبارها في أرض الواقع،نبرة عالية حول قدسية الأقصى في الخطاب،دون أن يترجم الى فعل في أرض الواقع،ولذلك لن تردعهم ما صدر عن المؤتمر الذي عقد في عمان في الرابع من آب الحالي، بدعوة من الأردن للعديد من وزراء الخارجية العرب والمسلمين،لبحث خطورة التعديات والإنتهاكات الإسرائيلية بحق الأقصى، لا بيانات الشجب والإستنكار ولا آلية التوثيق الإعلامي: إنشاء آلية مؤسساتية مستدامة ومنصة إعلامية لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية وكشف تداعياتها عالمياً،ولا عقد قمة عربية – اسلامية على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في ايلول القادم،سيوقف الإقتحامات الإسرائيلية للأقصى ووقف تهويده،،فهذه المخرجات تحتاج الى خطوات عملية، ،فيها جانب عقابي وردعي، مراجعة الإتفاقيات مع " اسرائيل"، تقليص التمثيل الدبلوماسي، وتقييد التعاون الأمني والإستخباري .
فبدون أن تتحول بيانات الغضب العربي والإسلامي الى مواقف عملية تحميه، فالأقصى سيحترق عملياً وسياسياً أكثر من مرة،وستنزع عنه قدسيته الإسلامية الخالصة .
فلسطين – القدس المحتلة
23/8/2026