عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
عندما يصبح الرئيس صانعًا للمعلومة، والمستفيد منها في آن؛ فلم تعد القضية مجرد «تضارب مصالح» تقليدي.
فالأرقام الجديدة تفتح سؤالًا أكثر خطورة: ماذا يحدث عندما يمتلك رئيس الولايات المتحدة القدرة على تحريك الأسواق بتصريح واحد، بينما تكشف سجلاته المالية عن نشاط استثماري هائل؟
الإفصاح المالي الأخير لترامب كشف أكثر من 1,000 صفقة مالية خلال شهر حزيران وحده، بإجمالي تقديري يتراوح بين 78.1 و263.1 مليون دولار. وفي 18 حزيران، ظهرت عمليات شراء بملايين الدولارات في Berkshire Hathaway وVisa وMastercard وCintas، بالتزامن مع بيع ملايين الدولارات من Meta وMotorola Solutions.
وكما تظهر السجلات؛ هناك عمليات متكررة شراءً وبيعًا لأسهم مثل Palantir.
لكن الرقم الأكثر إثارة للانتباه هو ما سبق ذلك: أكثر من 21 ألف صفقة خلال عام 2025، بقيمة إجمالية معلنة ضمن نطاقات الإفصاح تراوحت بين 600 مليون و1.86 مليار دولار.
وقد يقول البيت الأبيض إن ترامب لا يتخذ هذه القرارات، وإن استثماراته تدار بصورة مستقلة بواسطة مؤسسات مالية ونماذج حاسوبية تحاكي مؤشرات السوق.
وهذا هو التفسير الرسمي حتى الآن.
لكن المشكلة لا تنتهي هنا.
فالرئيس ليس مستثمرًا عاديًا؛ كلمة واحدة منه بشأن حرب أو هدنة أو رسوم جمركية أو شركة أو صفقة تجارية يمكن أن تحرك مليارات الدولارات في الأسواق خلال دقائق معدودة.
والدليل أن ترامب نفسه تحدث صراحة عن العلاقة بين تصريحاته والسوق، فقال في حزيران إن السوق ارتفعت «مثل الصاروخ» كلما جرى الحديث عن السلام.
وهنا يظهر السؤال الجوهري:
إذا كان الرئيس يعرف أن تصريحاته قادرة على رفع السوق أو خفضها، وإذا كانت أمواله تستثمر في آلاف الأوراق المالية، فمن يضمن ألا تتقاطع المعلومة التي يصنعها القرار الرئاسي مع المصلحة المالية الخاصة؟
السؤال لم يعد نظريًا، فأعضاء في الكونغرس طالبوا ترامب بتفسيرات حول التداولات، مشيرين إلى صفقات إرتبط توقيتها بأحداث وقرارات حكومية يمكن أن تؤثر في قيمة أسهم الشركات.
ثم جاءت الخطوة الأكثر إثارة للجدل: شركة Trump Media بدأت بيع خاصية الوصول بشكل أسرع إلى منشورات ترامب على صفحة تروث سوشيال، مقابل مبالغ تصل إلى 100 ألف دولار شهريًا.
وتدور دعاوى وإنتقادات حول عدالة منح شركات التداول وصولًا أسرع إلى معلومات قد تحرك الأسواق.
وهنا تتغير الصورة بالكامل.
لم يعد الأمر مجرد رئيس يكتب منشورًا فيتحرك السوق؛ فنحن أمام منظومة تتقاطع فيها الرئاسة، والمعلومة السياسية، ومنصة إعلامية يملك فيها ترامب حصة كبيرة، وأسواق مالية شديدة الحساسية، ومحفظة استثمارية نشطة بمليارات الدولارات.
حتى الآن، لا تثبت هذه الوقائع وحدها، أن ترامب كان يتعمد تحريك السوق ثم تنفيذ صفقات شخصية بناءً على تصريحاته.
لكنَّها تثبت شيئًا لا يقل أهمية: وجود تضارب مصالح يستحق التحقيق والتدقيق العلني، وليس الإكتفاء بنفي سياسي من البيت الأبيض.
ففي الديمقراطيات، لا يكفي أن يقول المسؤول: «أنا لا أتدخل»؛
المطلوب هو أن يكون النظام مصممًا بحيث لا يستطيع المسؤول أصلًا أن يستفيد من المعلومات والقرارات التي يمتلكها بحكم منصبه.
والسؤال الذي يجب أن يواجه واشنطن الآن: ليس كم صفقة عقد ترامب؟
بل:
من كان يعرف ماذا، ومتى؟ ومن تداول، ومتى؟
وهل تحركت الأموال قبل التصريحات أم بعدها؟
فإذا كانت الإجابة تكشف أن القرارات الرئاسية والتصريحات المؤثرة في الأسواق كانت تسبق عمليات استثمارية مستفيدة منها، فالقضية تتجاوز الأخلاق السياسية إلى اختبار حقيقي لقوانين تضارب المصالح والتداول بناءً على المعلومات المؤثرة.
وأما إذا كانت الصفقات فعلًا آلية ومستقلة بالكامل، فليكن كل شيء مكشوفًا أمام الجمهور: أسماء المديرين، آليات اتخاذ القرار، توقيت الأوامر، وسجل التداول الكامل.
فالشفافية وحدها قادرة على الفصل بين الشبهة والدليل.
وفي قضية بهذا الحجم، لا ينبغي للرئيس أن يطلب من الجمهور الثقة به.
بل يجب أن يقدّم الأدلة التي تجعل الثقة غير ضرورية.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
23 آب/أغسطس 2026