أديداس في مرمى المقاطعة.. عندما يتحول تسويق الأحذية إلى تبييض لجرائم الاحتلال واستفزاز لضحايا غزة
مقالات
أديداس في مرمى المقاطعة.. عندما يتحول تسويق الأحذية إلى تبييض لجرائم الاحتلال واستفزاز لضحايا غزة
مهدي مبارك عبد الله
12 أيلول 2026 , 15:38 م

د . مهدي مبارك عبد الله

لم تكن شركة أديداس الألمانية لتصنيع الملابس والأحذية والمستلزمات الرياضية بحاجة إلى أزمة جديدة مع ملايين المستهلكين العرب والمسلمين والفلسطينيين وهي التي تعرف جيدًا أن اسمها لم يعد بعيدًا عن الجدل السياسي المرتبط بإسرائيل وفلسطين لكنها اختارت هذه المرة عبر فرعها في اسرائيل أن تضع قدمها في أكثر المناطق حساسية حين استعانت بجندي إسرائيلي سابق يدعى شاليف بيتون ليكون وجهًا دعائيًا لخدمة جديدة مخصصة للأشخاص الذين فقدوا أحد أطرافهم .

في ذروة العمى التسويقي وعدم الاكتراث بالواقع الإنساني المؤلم الذي يعيشه ضحايا الحرب لا سيما مبتوري الأطراف في غزة جاءت الخدمة المبتكرة التي أطلقتها أديداس تحت اسم "خدمة الحذاء الواحد" تقوم على تمكين مبتوري الأطراف من شراء فردة حذاء واحدة بسعر يعادل نصف سعر الزوج الكامل وهي مبادرة يمكن النظر إليها من الناحية الإنسانية باعتبارها خطوة إيجابية ومفيدة لذوي الإعاقة وقد أطلقتها الشركة في أوروبا عام 2026 بالتعاون مع مؤسسات وأشخاص من مجتمع مبتوري الأطراف .

المشكلة لم تكن في الخدمة نفسها وإنما في اختيار وجهها الدعائي في السوق الإسرائيلية وهو الجندي شاليف بيتون الذي تشير التقارير إلى أنه خدم في لواء ناحال وفقد ساقه خلال عملية عسكرية إسرائيلية في قطاع غزة عام 2021 وهنا تحولت المبادرة من مجرد خدمة تجارية إلى رسالة سياسية وأخلاقية بالغة الحساسية لأن الصورة التي ستصل إلى ملايين الفلسطينيين والعرب ليست صورة شخص مبتور الأطراف فحسب وإنما صورة جندي إسرائيلي فقد ساقه خلال عملية عسكرية في غزة .

هنا يصبح السؤال ليس مشروعًا فحسب بل ضروريًا لماذا أديداس بالذات ولماذا الآن ولماذا لم تجد الشركة في غزة آلاف الأطفال والمدنيين الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم خلال الحرب نموذجًا إنسانيًا يمكن أن يعبّر عن المأساة التي تستهدف الخدمة ومعالجتها ولماذا اختارت جنديًا إسرائيليًا مرتبطًا بعملية عسكرية في غزة بدل أن تجعل من معاناة المدنيين الفلسطينيين رسالة إنسانية عالمية تتجاوز السياسة وتنتصر للإنسان كما ان توقيت هذه الحملة الإعلانية يأتي في سياق سياسي وإنساني شديد الحساسية والتعقيد، إذ تعيش المنطقة والعالم على وقع تداعيات حروب متواصلة ومدمرة على قطاع غزة أسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا وبحسب تقديرات لمنظمة الصحة العالمية في مايو/ أيار 2026، سجلت غزة أكثر من 5 آلاف حالة بتر أطراف ناجمة عن إصابات إلى جانب أكثر من 22 ألف إصابة خطيرة في الأطراف منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وكان نحو ربع المصابين من الأطفال.

الواقع الأكثر قسوة تتجسد عندما نتذكر أن غزة أصبحت واحدة من أكثر الأماكن في العالم التي ارتبط اسمها ببتر الأطراف والدمار والإصابات الجماعية وأن الفلسطيني الذي يفقد ساقه بسبب القصف لا يفقد طرفًا من جسده فقط وإنما يفقد جزءًا من حياته ومستقبله وقدرته على ممارسة الرياضة والعمل والحركة بينما تقدم شركة أديداس للجمهور صورة مختلفة تمامًا عن مبتور الطرف حين تختار جنديًا إسرائيليًا بوصفه نموذجًا للحملة وهذا هو جوهر الغضب وليس مجرد خلاف حول إعلان تجاري .

لا شك بان أديداس شركة عالمية عملاقة وليست متجرًا صغيرًا يمكنه الادعاء بأنه لم يدرك حساسية اختياره خاصة وانها حققت في عام 2025 مبيعات بلغت نحو 24.8 مليار يورو وسجلت أرباحًا تشغيلية بلغت 2.056 مليار يورو ما يعني أن قراراتها التسويقية تخضع عادة لحسابات دقيقة وناحجة للغاية وليست قرارات عشوائية لتسقط في مثل هذا الخطأ .

وفقا لذلك يصعب على الرأي العام أن يتعامل مع اختيار بيتون باعتباره صدفة بريئة لان الشركات العالمية الكبرى تبني حملاتها الدعائية على دراسات السوق وصورة العلامة التجارية والرسائل التي تريد إيصالها إلى الجمهور وعندما تختار شخصية عسكرية إسرائيلية في حملة مرتبطة بفقدان الأطراف داخل سوق شديد الحساسية سياسيًا وإنسانيًا فإنها تتحمل مسؤولية الرسالة التي تنتج عن هذا الاختيار المرفوض .

ربما يكون الاستفسار الأكثر إثارة أن هذه ليست المرة الأولى التي تجد فيها أديداس نفسها في قلب مواجهة مرتبطة بفلسطين ففي عام 2018 أنهت الشركة رعايتها للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بعد حملة ضغط قادتها أندية رياضية فلسطينية وحركة المقاطعة ووصلت عريضة إلى الشركة بأكثر من 16 ألف توقيع وكانت القضية مرتبطة بمشاركة أندية إسرائيلية تقيم في مستوطنات بالضفة الغربية وهو ما يعني أي أن أديداس تعرف منذ سنوات أن علاقتها بالملف الإسرائيلي الفلسطيني ويمكن أن تتحول إلى مشكلة عالمية وأن الجمهور العربي والفلسطيني لا ينظر إلى الرياضة باعتبارها مساحة منفصلة تمامًا عن الاحتلال والحقوق الإنسانية .

القضية الاخرى كانت في مشاركة عارضة الأزياء الأمريكية من أصول فلسطينية بيلا حديد عام 2024 في احدى برامج الشركة التريجية لتعيد فتح الجرح بصورة أكثر وضوحًا حيث أزالت أديداس صور حديد من حملتها الخاصة بحذاء لتكون الوجه الإعلاني لإعادة إطلاق حذاء رياضي مستوحى من دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972 SL72 بعد اعتراضات وانتقادات إسرائيلية مرتبطة باختيار شخصية فلسطينية في حملة لحذاء ارتبط بأولمبياد ميونيخ عام 1972 ثم اعتذرت الشركة وقالت إنها ستراجع الحملة ومن هنا تبدو المقارنة التي يطرحها الغاضبون اليوم شديدة الدلالة .

المفارقة السخيفة انه عندما تعرضت أديداس لضغوط إسرائيلية بسبب ظهور بيلا حديد سارعت إلى مراجعة الحملة والاعتذار وعندما تختار اليوم جنديًا إسرائيليًا فقد ساقه في غزة لترويج خدمة لمبتوري الأطراف وهي تعرف بالتأكيد أن ملايين الفلسطينيين والعرب سيرون في ذلك ازدواجية صارخة في المعايير العنصرية والمشكلة هنا ليست في الجندي نفسه ولا في كونه فقد ساقه فالإنسان الذي يفقد طرفًا من جسده يستحق التعاطف أيًا كانت هويته ولكن المشكلة في تحويل الإصابة التي حدثت خلال عملية عسكرية في غزة إلى مادة تسويقية دون الالتفات إلى الطرف الآخر من المأساة وهم المدنيون الفلسطينيون الذين فقدوا أرواحهم وأطرافهم وبيوتهم وأمنهم ومستقبلهم .

ما قامت به ايداي عن قصد عمد يدخل المسألة في مفهوم أوسع هو تبييض صورة الحرب من خلال الرياضة والإعلان فالرياضة التي يفترض أن تجمع البشر حيث تحولت إلى أداة لتطبيع صورة الجندي والاحتلال عندما يتم فصل الشخص عن السياق الذي جاء منه وتقديمه باعتباره مجرد بطل ملهم متجاهلين السؤال عن الحرب التي أصيب خلالها وعن الضحايا الذين كانوا على الجانب الآخر .

التصور العام الذي نقصده هنا لا يعني أن كل جندي إسرائيلي هو مجرم اذا لم يشارك في القتال أو أن كل مبتور إسرائيلي يجب أن يتحمل مسؤولية سياسات حكومته ولكن الحقيقة ان الشركة هي التي اختارت السياق وهي التي قررت أن تجعل من هذه القصة مادة إعلانية ولذلك فإن عليها أن تتحمل المسؤولية النقد والمقاطعة عندما ترى قطاعات واسعة من الجمهور أن هذا الاختيار يحمل رسالة سياسية تتجاوز حدود الإعلان التجاري المهني .

أما مسالة المقاطعة فهي في هذه الحالة ليست دعوة إلى معاقبة أديداس لأنها ألمانية أو لأنها تبيع منتجات رياضية وإنما هي محاولة لاستخدام القوة التي تملكها الأسواق والمستهلكون عندما تفشل الشركات في إدراك قوة الامانة الأخلاقية لعلاماتها التجارية خاصة وان أديداس تعرف جيدًا أن سمعة العلامة التجارية من أهم أصولها وأن السوق الأوروبي وحده حقق للشركة مبيعات بلغت أكثر من 8.1 مليار يورو في 2025 بينما بلغ إجمالي مبيعاتها العالمية 24.8 مليار يورو .

لهذا يتوجب على المقاطعة العربية والاسلامية والدولية ان تتحول من موجة إلكترونية عابرة إلى سلوك استهلاكي منظم رسالة احتجاج ومن إلى عامل اقتصادي حقيقي لان الشركات العملاقة عمليا لا تخشى التغريدة الغاضبة بقدر ما تخشى تغير سلوك المستهلك وتراجع المبيعات وتضرر السمعة واضطرار المستثمرين إلى مساءلة الإدارة عن قرارات تسويقية أصبحت مكلفة سياسيًا وتجاريًا والأهم في ذلك أن أديداس سبق أن اختبرت قوة الضغط الشعبي عندما أنهت رعايتها للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بعد حملة فلسطينية ودولية واسعة عام 2018 وهذا يعني أن فكرة المقاطعة ليست افتراضًا نظريًا بل سبق أن أثرت في قرار تجاري حقيقي للشركة .

لعل لسؤال الأعمق الذي ينبغي أن يطرح على إدارة أديداس اليوم هو ماذا ارادت بالضبط من هذه الحملة وهل تريد بالفعل أن تقدم رسالة إنسانية لمبتوري الأطراف أم أنها تريد أن تقول للسوق الإسرائيلية إنها تقف إلى جانب رموز المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حتى عندما تكون القصة مرتبطة بغزة وإذا كانت الرسالة إنسانية فعلًا فلماذا لم تتعامل مع مأساة مبتوري الأطراف الفلسطينيين باعتبارها جزءًا من الصورة الإنسانية نفسها ولماذا لم تستدع رياضيًا فلسطينيًا مبتور الطرف أو طفلًا فلسطينيًا فقد ساقه لكي تقول للعالم إن الألم لا جنسية له وإن الحذاء الواحد يمكن أن يكون جسرًا بين الضحايا بدل أن يتحول إلى رمز للانقسام .

لقد ارتكبت أديداس في تقديري خطأً تسويقيًا وسياسيًا كبيرًا لأنها لم تدرك أن بعض الصور الاعلانية تصبح أقوى من الكلمات وأن صورة جندي إسرائيلي فقد ساقه في غزة وهو يروّج لخدمة لمبتوري الأطراف يمكن أن تُقرأ في العالم العربي باعتبارها استفزازًا لملايين البشر الذين عاشوا وما زالوا يعيشون المأساة ذاتها ولكن من الجهة الأخرى التي لا ترها الشركة وهي تختار لعلامتها التجارية العالمية جنديًا إسرائيليًا خدم في الجيش ليكون جزءًا من صورتها الدعائية فهي بذلك لا تعرض رياضيًا في فراغ بل قد تمنحه منصة لإعادة تقديمه للجمهور بصورة مختلفة عن صورته كجندي شارك في حرب الاحتلال وساهم في قتل الابرياء .

الحقيقة الراسخة انه من حق المستهلك الفلسطيني والعربي والمسلم أن يقول لأديداس إن السوق ليست مجرد أرقام وإن العلامة التجارية ليست فوق الأخلاق وإن الرياضة لا يمكن أن تكون ستارًا لتجاهل الدم والدمار وإن الشركة التي تريد بيع الحذاء في هذه المنطقة مطالبة أولًا بأن تحترم مشاعر شعوبها قبل التعويل على اقدامهم .

ما يجب ان ننوه اليه ايضا ان كل محاولات الشركة الاخيرة للاعتذار من خلال حذفها المقاطع الإعلانية والصور الخاصة بالجندي الإسرائيلي من منصاتها الرسمية مرفوضة حملة وتفصيل فمع اتساع نطاق الإدانات وتصاعد الدعوات إلى المقاطعة، سارعت الإدارة الإقليمية والدولية لأديداس إلى اتخاذ خطوات تراجعية تمثلت في إصدار بيان رسمي أكدت فيه اعتذارها عن أي إساءة أو انزعاج تسببت فيه الحملة كما الشركة الام من مسؤولية الإدارة المركزية عن الحملة موضحة في بيانها أنها كانت مبادرة محلية بحتة تم التخطيط لها وتنفيذها من قبل الفريق المحلي في إسرائيل دون تنسيق أوسع وأكدت التزامها بقيم الشمول واحترام جميع المستهلكين حول العالم .

المقاطعة التي نريدها في النهاية ليست إعلان حرب على أديداس وإنما رسالة بسيطة ومباشرة مفادها أن المستهلك يستطيع أن يختار وأن المال الذي يدفعه ليس بلا قيمة وأن الشركات العالمية لا تستطيع أن تطلب من الشعوب شراء منتجاتها بينما تتجاهل ما تعتبره تلك الشعوب عدالة وكرامة وحقًا في الحياة وقد يكون بوسع أديداس أن تنهي هذه الأزمة بسرعة إذا امتلكت الشجاعة للاعتراف بأن اختيارها كان غير موفق وأن الإنسانية لا تتجزأ وأن مبتور الطرف الفلسطيني ليس أقل استحقاقًا للتعاطف من مبتور الطرف الإسرائيلي وأما اذا ما اصرت الشركة على تجاهل الغضب الشعبي فذلك يعني أن أديداس لا تبيع الأحذية فقط وإنما تختار أيضًا أي صورة تريد أن تتركها في ذاكرة الناس التي تجدد العذاب والالم .

ختاما : على ملاك ومدراء شركة ايدياس ان يعلموا جيدا انه في زمن أصبحت فيه السمعة رأس مال لا يقل أهمية عن الأرباح وحتى لا تكتشف أديداس أن أخطر ما يمكن أن تخسره ليس حصة من السوق وإنما ثقة المستهلك لان إصابة الجندي الاسرائيلي أو فقدانه ساقه لا تمحو صفته العسكرية ولا سياق مشاركته في الحرب الاجرامية على غزة.

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]