د. مهدي مبارك عبد الله
لقد بلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قمة جنون العظمة حيث باتت قراراته وتصريحاته التهكمية والساخرة تعكس استعلاءً وغرورًا وطغيان تجاوزً حدود صلاحياته ومسؤولياته ما جعل أمريكا تصاب بالقلق والاضطراب في ظل قيادة رجل مصاب بمؤشرات الخرف والاندفاع العبثي وهو يخلط بين الدولة والذات وبين الرغبة والقرار خاصة عندما يتكلم بثقة مطلقة عن أشياء لم تحدث اصلا لإرضاء غرورٍه الجريح بالتمنيات والتزييف ( سيكولوجية التخبط ) .
ربما اعتاد العالم على أن يتعامل مع تصريحات ترامب بوصفها مزيجًا من الاستعراض السياسي والمبالغة الانتخابية والسخرية التي يستخدمها أحيانًا لإرباك خصومه واختبار ردود أفعالهم لكن عندما يصل الأمر إلى إعلان مضيق هرمز أرضًا أمريكية جديدة فإن المسألة تتجاوز حدود النكتة السياسية والمزحة السمجة لأن ترامب لم يكتف هذه المرة بالكلام بل نشر خريطة تحمل عبارة أرض أمريكية جديدة ثم عاد ليؤكد أن الولايات المتحدة تسيطر على المضيق وأنه سيصبح تابعًا لها وهو ما يجعل من الضروري القول لترامب بوضوح إن هرمز ليس أرضًا أمريكية لا اليوم ولا غدًا ولا يستطيع رئيس أمريكي ارعن ومتهور أن يجعله كذلك بتغريدة صبيانية أو خطاب متردد أو بالتهديد المستمر بشن حرب عسكرية واقتصادية طويلة الامد .
المشكلة الأساسية في تصريح ترامب المتعلق بمضيق هرمز أنه يخلط بصورة متعمدة أو غير متعمدة بين السيطرة العسكرية والسيادة القانونية وهو يدرك ان الولايات المتحدة تستطيع أن تمتلك أكبر قوة بحرية في العالم وتستطيع أن تنشر حاملات الطائرات والسفن والغواصات والطائرات في مياه الخليج وتستطيع حتى أن تفرض حصارًا على سفن أو موانئ بالقوة العسكرية لكن كل ذلك لا يحول المياه الاقليمية التي تقع ضمن سيادة دول أخرى إلى أرض أمريكية ولا يمنح واشنطن سندًا قانونيًا او عقاريا لضمها عدوانا وبلطجة وكيف تتعامل واشنطن مع مضيق هرمز وكأنه عقار سائب يمكن تسجيله باسمها أو وضع اليد عليه ومن منحها أصلًا هذا الحق .
على ترامب ان يعلم جيدا بان عهد فرض الصفقات الاستعمارية الغابرة على حساب جغرافيا الشعوب انتهى وان مضيق هرمز ليس قطعة أرض مجهولة تنتظر من يرفع فوقها العلم الأمريكي وليس جزيرة بلا صاحب حتى يأتي ترامب ويعلن امتلاكها بل إنه ممر مائي استراتيجي يقع بين دولتين ساحليتين هما إيران وسلطنة عمان وتخضع مياهه للقواعد الدولية الخاصة بالمضائق والملاحة البحرية وتكفل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حق المرور العابر في المضائق الدولية ولا تمنح الولايات المتحدة حقًا منفردًا في تحويل هذا الممر إلى إقليم خاص تابع لها .
الأغرب أن ترامب يبدو وكأنه يريد تحويل نتيجة الحرب الفاشلة إلى سند للملكية يث وكأن معادلة ترامب تقول إن الولايات المتحدة تسيطر على المضيق عسكريًا وبالتالي تستطيع الاحتفاظ به ثم تعلن أنه أرض أمريكية وهذه احلام يقظة لا وجود لها في القانون الدولي لان الاحتلال أو فرض السيطرة العسكرية لا يصنعان سيادة دائمة ولا يستطيع المنتصر في حرب أن يحول أرض دولة أخرى إلى ملكية وطنية بمجرد إعلان سياسي هزلي وإلا لتحول العالم كله إلى مجموعة من الأراضي التي تتبدل ملكيتها كلما تغيرت موازين القوة العسكرية .
ترامب يعرف ذلك جيدًا لكنه كعادنه يستخدم لغة الصدمة لفرض فكرة جديدة في الوعي السياسي قبل تطبيقها على الأرض حيث بدأ بالقول إنه يسيطر على هرمز ثم انتقل إلى التصريح إنه قد يحتفظ به ثم أعلن في النهاية أنه سيجعله أرضًا أمريكية وبعد ذلك قام بنشر خريطة تسميه أرضًا أمريكية جديدة وهذه لم يكن زلة لسان او حالة هذيان او حديث عابر خرج عن السيطرة بل لحظة تاريخية وإنما هي عملية تصعيد لغوي وسياسي متدرجة ومقصودة تهدف إلى جعل فكرة غريبة كانت مستحيلة الطرح بالأمس تبدو كانها قابلة للنقاش اليوم لكن العقبة الكبرى التي تقف في وجه ترامب أن الخريطة المزعومة لا يمكن ان تصبح وثيقة سيادة والتغريدة معاهدة دولية وحاملة الطائرات سند ملكية و مهما بلغت قوة الجيش الأمريكي لا يستطيع أن يمنح واشنطن حقًا إقليميًا لا تملكه أصلًا .
الملاحظ بالتدقيق الطبوغرافي ان الخريطة التي نشرها ترامب تكشف حجم المشكلة أكثر مما تحلها لأنها لا تتعامل مع مياه دولية مجردة وإنما تضع منطقة تقع بين إيران وعمان ضمن تصور أمريكي جديد للسيادة وهو ما يعني عمليًا محاولة إعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة بقرار أمريكي غير قانوني منفرد ومرفوض ,
السؤال الذي ينبغي أن يطرح على ترامب بسيط جدًا وهو إذا كان هرمز أرضًا أمريكية فعلًا فأين الوثيقة الرسمية التي جعلته أمريكيًا ومن منح الولايات المتحدة هذا الحق غير الشرعي ومتى وافقت إيران وسلطنة عمان على التنازل عن سيادتهما فيه وما هي الجهات الدولية التي وقعت واعترفت بالضم وأي بنود في القانون الدولي تسمح لرئيس أمريكي بأن يضيف ارض دولة اخرى إلى الولايات المتحدة بمجرد إعلان سياسي في فضاء اعلامي افترضي بالطبع لا توجد إجابة عن أي من هذه الأسئلة لأن الحقيقة أكثر بساطة من كل هذه الاستعراضات بان هرمز ليس أمريكيًا لأن ترامب قال ذلك ولن يصبح أمريكيًا في أي يوم لأن واشنطن تسيطر عسكريًا على جزء من حركة الملاحة فيه ؟
بقراءة متفحصة لمسار الكذب والتضليل الاعلامي الذي ينتهجه ترامب يجب التفريق بين حرية الملاحة وبين السيادة على المضيق لان الولايات المتحدة يمكنها أن تقول إنها تريد حرية الملاحة ويمكنها أن تطالب بفتح المضيق أمام التجارة الدولية ويمكنها أن تعارض أي طرف يمنع السفن من العبور لكن المطالبة بحرية الملاحة شيء والمطالبة بامتلاك المضيق شيء آخر تمامًا فالأولى مبدأ من مبادئ النظام البحري الدولي أما الثانية فهي محاولة غير مشروعة للضم والسيطرة الإقليمية .
اللافت في التفاصيل الاستثنائية نجد أن إدارة ترامب نفسها تكشف التناقض المتكرر عندما تقول إن الهدف هو إعادة حركة النفط وخفض أسعار الطاقة للأمريكيين بينما تتحول المسألة في خطاب الرئيس إلى استعراض موهوم بامتلاك هرمز والسيطرة عليه والمشكلة الحقيقية بالنسبة لواشنطن ليست فقط أن المضيق أصبح أمريكيًا أو إيرانيًا وإنما أن الحرب الامريكية الخاسرة جعلت من هذا الممر الحيوي ورقة قوة وردع في يد الطرف الايراني حيث اصبح القادر على التأثير بشكل مباشر في حركة الملاحة وسلاسل الامداد والطاقة العالمية .
أهمية مضيق رمز بالنسبة لترامب تتجاوز محاولة امتلاك قطعة أرض جديدة مقابل بحثه عن ورقة استراتيجية ضاغطة تمنح الولايات المتحدة القدرة على التحكم في واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم ولذلك فإن حديثه عن الأرض الأمريكية قد يكون في جوهره تعبيرًا عن رغبة أمريكية في تحويل السيطرة على حركة الملاحة إلى نفوذ دائم وليس بالضرورة مشروع ( ضم بالمعنى التقليدي ) الذي يعرفه القانون الدولي حتى هذا الهدف لن يكون سهلًا لأن هرمز ليس ملكًا لإيران وحدها ولا ملكًا لعمان وحدها ولا ملكًا للولايات المتحدة وحدها وهو ممر تتداخل فيه حقوق الدول الساحلية وحقوق الملاحة الدولية ومصالح الدول المنتجة والمستوردة للطاقة ولذلك فإن محاولة واشنطن فرض نظام أمريكي أحادي عليه ستفتح أزمة دولية خلافية قد تكون أكبر من الأزمة الحالية .
لعل الجانب الأهم في شطحات واوهام ترامب أن السيطرة الأمريكية التي يتحدث عنها ليست بالدرجة التي يريد تصويرها للرأي العام إذا كانت واشنطن فعلا تملك هرمز وتسيطر عليه ميدانيا فلماذا لا تستطيع فرض إعادة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية ولماذا بقيت آلاف السفن عالقة في المجهول ولماذا تراجعت حركة العبور بصورة هائلة ولماذا أصبحت إعادة فتح هرمز أولوية اقتصادية وسياسية للإدارة الأمريكية وهي تعجز عن تحقيقها وفي الواقع أن إعلان ترامب السيطرة الكاملة يحمل في داخله اعترافًا غير مباشر بأن هرمز ما زال عقدة استراتيجية لم تستطع القوة العسكرية الأمريكية حلها نهائيًا فلو كانت السيطرة كاملة فعلًا لما احتاج الرئيس الأمريكي إلى التهديد بإعلانه أرضًا أمريكية ولما احتاج إلى فرض حصار بحري واقتصادي ولما بقيت مسألة فتح المضيق واحدة من أهم نقاط التفاوض بين واشنطن وطهران ,
المفارقة الخلافية الأبرز تتجسد بان ترامب يقول إن هرمز بات تحت السيطرة الأمريكية بينما تقول إيران إنها صاحبة القدرة على التحكم في حركة العبور وفي الوقت نفسه تشير التطورات إلى أن واشنطن وطهران ما زالتا تتعاملان مع المضيق باعتباره ورقة تفاوضية استراتيجية وهذا وحده يكشف أن الحديث عن اعتبار المضيق ارض امريكية هو أقرب إلى الرسالة السياسية منه إلى حقيقة قانونية أو جغرافية مكتملة ,
في المقابل ردت طهران على ترامب بعبارات شديدة الوضوح مؤكدة أن المضيق لا يمكن الاستيلاء عليه بتغريدة ولا بحاملة طائرات ولا بخطاب وأنه كان إيرانيًا وسيبقى إيرانيًا وهذه اللغة الإيرانية الواضحة وإن كانت تتجاوز أحيانًا التعقيدات القانونية المتعلقة بكون هرمز مضيقًا دوليًا الا إنها أصابت جوهر التصريح الأمريكي بالعطب وفقدان القيمة لأنها ترفض كليا تحويل القوة العسكرية إلى سند للسيادة .
بعد هذا التصريح المتسرع والاهوج بات ترامب لا يواجه إيران وحدها في هذه المسألة وإنما أيضًا سلطنة عمان التي تقع على الضفة الأخرى من المضيق ولا يمكن اختزال هرمز في الساحة الإيرانية وحدها خاصة وان المضيق جغرافيا وسياسيا منطقة مشتركة المصالح بين دول عديدة وأي محاولة لضمها أمريكيًا ستعني عمليًا تجاوزًا لمصالح عمان ودول الخليج والمجتمع الدولي بأسره .
واقعيا إذا كان ترامب يعتقد أن نهاية الحرب مع إيران يمكن أن تمنحه حق امتلاك هرمز فهو يرتكب خطأ استراتيجيًا أكبر من الخطأ القانوني لأن الحرب مهما كانت نتيجتها لا تعطي المنتصر تفويضًا تلقائيا بإعادة رسم الحدود والممرات الدولية وفق إرادته الخاصة والولايات المتحدة قد تستطيع أن تنتصر في معركة لكنها لا تستطيع أن تنتصر على الجغرافيا ولا أن تلغي القانون الدولي ولا أن تجعل الخليج امتدادًا للساحل الأمريكي كما أن تحويل هرمز إلى أرض أمريكية سيخلق سابقة خطيرة للغاية لأن الدول الكبرى الأخرى تستطيع عندئذ استخدام المنطق الترامبي نفسه بانه إذا كان امتلاك القوة البحرية يسمح لواشنطن بضم مضيق استراتيجي فبأي منطق تستطيع الولايات المتحدة أن تعترض على قيام قوى أخرى بمحاولات مماثلة في مناطق استراتيجية أخرى من العالم.
أخطر ما ورد في تصريح ترامب ليس في أن يصبح هرمز أمريكيًا لأن ذلك لا يمكن أن يحدث مطلقا بقرار أمريكي منفرد وإنما أن تتحول هذه اللغة إلى قاعدة جديدة في السياسة الدولية مفادها أن الدولة الأقوى تستطيع أن تعلن ما تشاء ثم تطلب من العالم التعامل معه باعتباره حقيقة وهذا هو المنطق الذي إذا انتشر فلن يبقى من النظام الدولي إلا ميزان القوة ولهذا فإن الرد الحقيقي على ترامب لا ينبغي أن يكون فقط هرمز إيراني أو عماني وإنما هرمز ليس ملكًا للرئيس الأمريكي كي يوزعه على الخريطة وليس غنيمة حرب يستطيع المنتصر الاحتفاظ بها وليس عقارًا استراتيجيًا يستطيع البيت الأبيض تسجيله باسم الولايات المتحدة وتحول مضيق هرمز إلى ولاية أمريكية جديدة .
الأيام المقبلة ستكشف للمراقبين ما إذا كان ترامب يستخدم هرمز كورقة ضغط تفاوضية أم أنه يريد بالفعل اختبار إمكانية فرض واقع أمريكي جديد على المنطقة لكن في الحالتين ينبغي ألا يقع العالم في فخ التعامل مع تصريحاته وكأنها مجرد مزحة انتخابية سمجة لأن المزاح السياسي يصبح خطيرًا اذا أصبح جزءًا من خطاب سياسي متكرر وان تراجع عنه لاحقا ( رب هزل في غوره جد ) خاصة عندما يتحول الامر إلى الاستشهاد بخريطة رسمية في خطاب اكبر رئيس دولة في العالم ويترافق بتهديد عسكري على الأرض .
ختاما : مرة اخرى قد يستطيع ترامب أن يرسم مضيق هرمز على خريطة أمريكية وأن يضع فوقه عبارة أرض أمريكية جديدة وأن يعلن أمام أنصاره أنه يسيطر عليه لكنه لا يستطيع عمليا أن يغير موقعه ولا تاريخه ولا جغرافيته ولا القانون الذي يحكمه ولا إرادة الشعوب والدول المحيطة به لان الجغرافيا لا تخضع للانتخابات والقانون الدولي لا يتغير بتغريدة والسيادة لا تنتقل من دولة إلى أخرى بأمر رئاسي وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن يسمعها ترامب بوضوح بان هرمز ليس عقارًا أمريكيًا حتى يقرر البيت الأبيض ضمه وليس غنيمة حرب حتى يحتفظ بها المنتصر وليس بحرًا بلا أصحاب حتى تضع واشنطن يدها عليه بل هو ممر استراتيجي في قلب منطقة لها تاريخها وشعوبها ودولها ومصالحها وسيبقى كذلك مهما ارتفعت أصوات القوة لأنه اذا ما أصبح هرمز ارضا أمريكية اليوم فمن سيكون التالي غدا .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية