كتب: حسن علي طه
أن تقاتل وتحرر أرضًا، فتلك سُنّة من أراد العزة.
أن تقاتل وتحرر، ثم تستعفف في الحكم، ففي الأمر شبهة.
أما أن تُقتل وتُقتل ثم تُقتل، ويأتي أخسّ الناس وأكثرهم ذلة وعمالة ليطعنك في كبريائك، كما هو حاصل اليوم من أدوات إسرائيل وعملائها مدّعي السيادة، ففي الأمر غصة وطعنة.
ستنتهي الحرب، وسيكون السلاح على الطاولة. ولكن هذه المرة، يجب ألا يكون النقاش فيه مجرد مطلب لمن يريدون تجريد الشيعة من قوتهم، بل يجب أن يكون أيضًا مطلبًا للشيعة أنفسهم، وحقًا لهم على سائر اللبنانيين بأن يتحملوا مسؤولية حماية لبنان وشعبه.
فإذا كان الدفاع عن لبنان واجبًا وطنيًا، فلا يجوز أن يكون الموت والدمار واجبًا شيعيًا.
لم يعد مقبولًا أن يكون الشيعة وكالة حصرية للقتال والتضحية، وأن يتحملوا وحدهم تبعات الحرب من قتل ودمار وتهجير وإبادة، كما هو حاصل اليوم.
فبينما يتحول الشيعة إلى أشلاء، وتُهدم بيوتهم وقراهم، نجد بين من يُفترض أنهم شركاؤهم في الوطن من يقف منهم موقف العدو، بل أحيانًا أشد قسوة من العدو نفسه.
إنها معادلة ظالمة ما عادت صالحة ولا قابلة للحياة.
فالأشرفية ليست أفضل من حارة حريك، ومعراب والبترون ليسا أهم من صور وصيدا، وجبل عامل ليس هامشًا من هوامش هذا الوطن، بل هو درة تاجه.
فلبنان وطنٌ للجميع في السلم كما في الحرب.
اليوم يعمد البعض إلى مقاربة موضوع السلاح بمنطق مخاطبة المقاومة وكأنها مهزومة، فيتحدث عن «نزع السلاح» بوصفه نتيجة حتمية للحرب.
نعم يا سادة، نحن مع نزع السلاح، ولكن ليس بالمعنى الذي تريدونه.
نحن مع تحويل الدفاع عن لبنان إلى مسؤولية الجميع. فإما أن نعيش في قرانا آمنين كسائر قرى لبنان، وإما أن نكون جميعًا سواسية أمام آلة الدمار عندما يشن العدو حروبه على أرضنا.
لا يمكن أن تبقى طائفة تقاتل وتموت وتُهدم بيوتها، فيما يناقش الآخرون من بعيد جدوى قتالها، ثم يحاسبونها على نتائج حرب دفعت هي القسم الأكبر من ثمنها.
وحتى لا تُفهم هذه المعادلة على أنها تنازل أو اعتراف بالخسارة، فالحقيقة في مكان آخر.
لقد أثبتت التجربة أيضًا أن خيار امتلاك المقاومة أسلحة كاسرة للتوازن مع العدو، من صواريخ بالستية ودقيقة، يستحق مراجعة جدية. فقد أعطى هذا النوع من التسليح المقاومة بُعدًا آخر، وجعلها أقرب إلى جيش ذي طبيعة كلاسيكية في إدارة الحرب، بعدما كانت قوتها الأساسية قائمة على المرونة والخفة والقدرة على الحركة والمباغتة.
وامتلاك مثل هذه الأسلحة من دون منظومة دفاع جوي قادرة على حمايتها قد يحولها من عنصر قوة إلى عبء ثقيل، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار الوقت المطلوب للإعداد والإطلاق والاختفاء في مقابل قدرات العدو على الرصد والاستطلاع، إضافة إلى ضيق المسافة بين منصات الإطلاق وحدود العدو، بما يزيد الأمر تعقيدًا.
وحتى تجربة إيران، على الرغم من بعدها الجغرافي الذي يصل إلى نحو ألفي كيلومتر، تُظهر حجم التحدي الذي تفرضه قدرات الرصد والاستطلاع الجوي.
في المقابل، أثبتت المقاومة فاعلية كبيرة في أدوات القتال الخفيفة: رشاش، وصاروخ محمول، وعبوة، وقبل كل ذلك شاب يمتلك قلبًا يعجز العدو عن مواجهته.
فالخيام وبنت جبيل وحداثا شواهد على شجاعة شباب المقاومة وبطولتهم.
فالعدو الذي يتباهى اليوم بشريطه الأصفر الذي رسمه بالتواطؤ مع السلطة السياسية المحلية، هو نفسه الذي استطاع عام ١٩٨٢ الوصول إلى مداخل بيروت خلال أربعة أيام، وهو نفسه الذي سبق أن هزم جيشين عربيين فيما عُرف بنكسة عام ١٩٦٧.
وهنا تكمن المفارقة: ليست المقاومة في حجم السلاح وحده، ولا في عدد الصواريخ أو مداها، بل في الإنسان الذي يحمل قرار المواجهة ويرفض أن تتحول أرضه إلى أرض مستباحة.
وخلاصة الكلام أن الدفاع عن لبنان واجب على جميع بنيه.
وإذا كان لبنان وطن الجميع، فحمايته مسؤولية الجميع، وإذا كانت الحرب حرب لبنان، فلا يجوز أن يكون موتها ودمارها وتهجيرها من نصيب الشيعة وحدهم.
ما عاد الشيعة طائفة للقتل والدمار والاستغلال، ثم الطعن بعد كل تضحية.
السلاح الثقيل أثبت أنه ثقيل على المقاومة أكثر مما هو ثقيل على أي أحد آخر، أما المقاومة فليست قطعة سلاح حتى تُنزع، ولا صاروخًا حتى يُسلّم.
المقاومة إرادة، وهذه الإرادة باقية رغمًا عن كل متآمر، وحاضرة في وجه عدو اعتاد الغدر، وعملاء لم يكن لهم في المعركة إلا الصراخ والتصفيق كجمهور كرة قدم على مدرجات ملعب.