تأسس حزب الله اللبناني سنة 1982، متبنياً الإيديولوجية الشيعية الإثني عشرية. و يعبر حزب الله عن إهتمامه بمصير لبنان، ساعيا نحو تركيز مجتمع تغلب عليه خصائص العدالة والحرية والوحدة والاستقلالية، حيث يرفض وجود القوى الأجنبية داخل الأراضي اللبنانية ويعتبره تدخلاً أجنبياً غير شرعي كما يهتم حزب الله كذلك بكافة القضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إذ يعتبر الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة، منادياً بالقضاء على الكيان الصهيوني .
وقد بلغ الدعم الشعبي و الدولي لحزب الله ذروته سنة 2006 إثر شنه معركة «الوعد الصادق» ضد الكيان الصهيوني، والتي أدت إلى أسر جنديين صهيونيين , فدوليا أكد الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، بأن حرب حزب الله ضد الكيان الصهيوني حرب فُرضت على جميع العرب والمسلمين , كما نادى وزير الخارجية الماليزي السابق سيد حامد البار في تلك الفترة بضرورة دعم الدول العربية لحزب الله وتزويده بالسلاح، أما شعبيا فقد خرجت عدة مسيرات شعبية بعدة دول عربية مثل مصر و الأردن داعمة لحزب الله وقائده حسن نصر الله .
كل ذلك تغير مع قدوم سنة 2013 حيث أعلن الشهيد حسن نصر الله في خطاب دعمه للنظام السوري واصفاً الرئيس الراحل " بشار الأسد" بالصديق الحقيقي في المنطقة . وقد اتهم باسم الأحمد، الناطق باسم مركز توثيق الانتهاكات في سوريا ، قوات حزب الله بارتكاب عدة إعدامات ميدانية في "القصير" و"النبك" ، إضافة إلى حصار عدة مدن في الجنوب السوري، على غرار "بيت سحم" و "بيلا" .
وقد خلفت هذه الجرائم عدة ردود فعل سلبية إذصرح الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان بأن تدخل حزب الله في سوريا جريمة في حق اللبنانيين والسوريين كما إعتبر الاتحاد الأوروبي أن انخراط حزب الله في هذه الحرب سينعكس بالسلب على لبنان، ونتيجة لهذا التدخل فرضت عدة عقوبات مالية على حزب الله وزعيمه حسن نصر الله، الذي تم إدراجه ضمن قوائم الإرهاب
ليؤدي بذلك هذا التدخل إلى عزلة حزب الله محلياً وحتى دولياً و ذلك قبل إعلان المقاومة الفلسطينية حماس عن عملية السابع من أكتوبر 2023، والتي أطلقت عليها إسم معركة "طوفان الأقصى" وقد أعلن حزب الله بعد يوم واحد أنه لن يقف على الحياد، وأنه سيدعم المقاومة الفلسطينية بجميع الوسائل، وقد جاء هذا الدعم بقصف ثلاثة مواقع إسرائيلية في نفس اليوم، وقصف مواقع عسكرية صهيونية في فترات مختلفة . ليعلن الكيان الصهيوني في بداية شهر أكتوبر 2024 اجتياح الأراضي اللبنانية بهدف التخلص من قوات حزب الله وبنيته التحتية التي يمكن أن تشكل تهديداً للمدنيين في شمال إسرائيل ، حسب مسؤولين للكيان الصهيوني وقد خلف هذا الاجتياح مقتل ما يزيد عن 3000 شخص وإصابة أكثر من 15000 ، معظمهم من المدنيين ، حسب وزارة الصحة اللبنانية إضافة إلى نزوح أكثر من مليون ساكن لبناني ونتيجة لذلك ، نادت الأمم المتحدة بتطبيق القرار عدد 1701 و الذي أقر بضرورة نزع السلاح من حزب الله اللبناني وانسحاب الكيان الصهيوني من الأراضي اللبنانية، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو، مؤكداً أن الانسحاب لن يتم دون نزع السلاح من يد حزب الله الذي يرفض تسليم سلاحه أو حتى مجرد مناقشة هذا الملف في ظل استمرار الهجمات والوجود العسكري الصهيوني ، معتبرا سلاحه جزءا من معادلة الدفاع عن لبنان .
كل هذا أدى لوضع الحكومة اللبنانية أمام مأزق كبير، خاصة مع دعواتها المتكررة لحصر السلاح بيد الجيش اللبناني ، رابطة أي نقاش وطني حول السلاح بضرورة التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية أولا .
فهل تنجح المفاوضات في حصر السلاح بيد الدولة ، أم أن استمرار التهديدات الصهيونية وتمسك حزب الله بسلاحه سيعقدان المفاوضات أكثر فأكثر؟
ماذا يجري داخل طاولة المفاوضات؟
وجب الإقرار بأن مطلب نزع سلاح حزب الله ليس بالحديث ، حيث إنه يحمل جذوراً تاريخية تعود لاتفاق الطائف سنة 1989 ، الذي أنهى حرباً أهلية استمرت لمدة 15 سنة وقد نص هذا الاتفاق في بنده الأول على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتعزيز قوى الأمن الداخلي والقوات المسلحة ، وهو ما لم يطبق على حزب الله بالشكل الذي طُبق على بقية المجموعات المسلحة ، حيث اعتبر حزب الله نفسه تنظيماً مقاوماً وليس ميليشيا ، مؤكداً أن سلاحه لا يوجه ضد الدولة اللبنانية أو المواطنين اللبنانيين بل ضد الاحتلال الصهيوني .
وظلت مسألة نزع سلاح حزب الله مسألة داخلية بين الحكومة اللبنانية وحزب الله ، قبل أن تصبح شأناً إقليمياً ودوليا فإلى جانب الحكومة اللبنانية وحزب الله ، تدخل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر في المفاوضات ، خاصة مع ارتباط ملف نزع السلاح بإنهاء التواجد الصهيوني بلبنان , فالحكومة اللبنانية الآن ترى أن الضرورة القصوى هي حماية السيادة اللبنانية وهو ما لا يمكن أن ينجح دون انسحاب الكيان الصهيوني من الأراضي اللبنانية وسحب سلاح حزب الله بينما يرفض الكيان الصهيوني انسحابه من الأراضي اللبنانية دون نزع السلاح من حزب الله .
وفي السادس والعشرين من شهر جوان (يونيو) 2026 ، وبعد أربعة أيام من المفاوضات غير المباشرة بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني، تم التوصل إلى اتفاق يضم 14 بنداً، من أبرزها التزام الكيان الصهيوني و الحكومة اللبنانية بعملية متبادلة ومشروطة لبسط سيادة جيش لبنان وانسحاب الكيان الصهيوني إضافة إلى تولي الجيش اللبناني مسؤولية الأمن بمناطق تجريبية ضماناً لاحتكار الدولة للسلاح حسب موقع "أكسيوس" الأمريكي .
وقد رحبت الخارجية الأمريكية بهذا الاتفاق مؤكدة على أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتزم على العمل مع شركائها لتنفيذ الاتفاق الإطاري بين لبنان و"إسرائيل" وتحقيق مستقبل آمن للبلدين والمنطقة .
و لكن هذا الإتفاق واجع رفضا مباشرا و قاطعا من حزب الله الذي وصفه بإتفاق الاستسلام والخضوع كما إتهم الأمين العام للحزب ، الحكومة اللبنانية بشرعنتها للتواجد الإسرائيلي بلبنان ، مؤكداً أن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية يجب أن يتم دون أي شروط .
وفي المقابل، يتمسك الكيان الصهيوني بموقف مغاير ، حيث يؤكد وزير دفاعه إسرائيل كاتس أن الانسحاب الإسرائيلي لن يتم قبل نزع سلاح حزب الله
تداعيات نزع سلاح حزب الله
لفهم التداعيات والنتائج التي تترتب عن نزع سلاح حزب الله ، ينبغي بداية النظر في البنية العسكرية لحزب الله , فحسب العقيد حاتم كريم الفلاحي ، فإن حزب الله يمتلك إمكانيات عسكرية كبيرة تمكنه من خوض حرب عسكرية شاملة كما أكد العقيد حاتم كريم الفلاحي أن حزب الله يحمل مخزوناً وافراً من الأسلحة والصواريخ محلية الصنع مؤكداً أن هذه القاعدة التصنيعية موجودة منذ مدة طويلة .
وقد أكد الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله سنة 2021 أن حزب الله يملك 100 ألف مقاتل خاضعاً لتدريب الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى أكثر من 100 ألف قذيفة .
ولكن هذه البنية العسكرية تراجعت بشكل كبير بعد معركة " طوفان الأقصى " حيث تعرضت قيادات حزب الله ومواقعه العسكرية ومنشآته وترساناته لاستهدافات صهيونية كبيرة أدت إلى تضرر خطوط إمداداته وقدراته العملياتية إلى جانب تفكيك جزء كبير من بنيته التحتية العسكرية .
و رغم هذا التراجع، فإن الكيان الصهيوني يسعى للإنهاء التام لأي تهديد عسكري قادم من حزب الله و ذلك عبر تفكيك ما تبقى من بنيته العسكرية , بينما تعمل الحكومة اللبنانية على دعم سيادتها الأمر الذي يظهر في اتفاق 26 جوان (يونيو) 2026، الذي يؤكد على حق لبنان في فرض سيادتها الكاملة داخليا إلى جانب احتكار الجيش اللبناني للسلاح ونزعه من يد أي طرف آخر بما في ذلك حزب الله , حيث سيبدأ نزع السلاح من منطقتين تجريبيتين ، تقع الأولى خارج الحزام الأمني والثانية في المنطقة الموسعة التي لا يريدها جيش الكيان الصهيوني حسب تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو و يأتي ذلك مقابل انسحاب تدريجي لجيش الكيان الصهيوني من الأراضي اللبنانية .
الأمر الذي قد يعني سياسيا تعزيز الحكومة اللبنانية لسيادتها الداخلية وتغيير موازين القوة داخل لبنان , لكن هذا يجعل الحكومة اللبنانية أمام تحد كبير يتمثل في فرض سيادتها الكاملة دون مواجهة عسكرية داخلية قد تؤدي إلى حرب أهلية ، خاصة وأن حزب الله يرفض بشكل قاطع نزع سلاحه في ظل تواجد التهديد الصهيوني ، معتبرا سلاحه وجها هاما من أوجه شرعيته الوجودية باعتباره طرفا مقاوما للكيان الصهيوني مؤكدا كذلك أن نزعه في هذه الفترة يعد استسلاما وخضوعا للتواجد الصهيوني في لبنان
لبنان إلى أين؟ : السيناريوهات المطروحة
لعل الملف اللبناني الآن أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية .
يتمثل السيناريو الأول في الوصول إلى اتفاق يتمثل في نزع سلاح حزب الله بصورة تدريجية، توازياً مع انسحاب الكيان الصهيوني من لبنان، وضمان ألا تتعرض لبنان لتهديد منه، مع انتقال المسؤولية العسكرية للجيش اللبناني , وقد برز هذا الطرح في قضية مرتفعات " علي طاهر " حيث أكد نائب رئيس الوزراء اللبناني طارق متري استعداد الجيش لتولي سيطرته على هذه المنطقة مشيرا كذلك إلى أن المشكلة ليست في جاهزية الجيش من عدمها ، بل في رفض الجانب الصهيوني الانسحاب منها و تسليمها للجيش اللبناني ، موضحا أن تسليم المنطقة للجيش اللبناني يهدف لتفادي عملية صهيونية واسعة و لعل هذا الأمر يؤكد وجود إرادة سياسية حقيقية للحكومة اللبنانية نحو بسط سيادتها الكاملة على لبنان .
أما السيناريو الثاني فيتمحور حول استمرار المفاوضات لفترة طويلة جدا ، خاصة في ظل رفض حزب الله تسليم سلاحه قبل إنهاء أي تهديد صهيوني ، و رفض الكيان الصهيوني الانسحاب من لبنان دون إنهاء وجود حزب الله ، وسعي الحكومة اللبنانية لتكريس سيادتها الداخلية دون الدخول في مواجهة مع أي طرف .
أما السيناريو الأخير فيكمن في اندلاع حرب في حال فشل المفاوضات ، أين يستمر التواجد الصهيوني في لبنان الذي سيقابله رد عسكري من حزب الله سيؤدي إلى سقوط عدة مدنيين وتضرر البنية التحتية للبنان خاصة وأن اتفاق 26 جوان ( يونيو ) لم يمنع استمرار المواجهات العسكرية .
ففي الأسابيع الأخيرة أدت غارة صهيونية على بلدة "كفرا رمان" إلى مقتل 12 مدنياً من بينهم طفلان . وفي حال اندلاع مواجهة عسكرية فإن الحكومة اللبنانية ستجد نفسها أمام ضغط شعبي ودولي كبير جدا لإيقاف هذه المواجهة ومنع سقوط المدنيين وحماية بنيتها التحتية