عبد الحميد كناكري خوجة: طهران بين فكي العدوان وأنياب ولسان الثعبان.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: طهران بين فكي العدوان وأنياب ولسان الثعبان.

« من الحصار إلى الانكسار؛ حين يرتد العدوان على أصحابه، وينقلب التكالب على أهله، فتتحول المراوغة إلى مأزق، ويغدو خسران الكائدين مآلا.»

حين يشتد الحصار على ملك الغابة:

حين تطوق دولة بالأساطيل والقواعد والعقوبات وتشد حولها أحزمة الضغط السياسي والاقتصادي والنفسي، لا تعود المواجهة اشتباك نار بنار، بل تصبح معادلة مركبة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والتكنولوجيا مع الردع، والإرادة مع الحساب. وهناك تبدو عاصمة بلاد فارس كأنها أسد أحاطت به كلاب برية مسعورة وضباع شرسة؛ كثرت الأنياب، واتسعت الدائرة، أو بتعبير آخر: كأنها قلعة صلبة أحاطت بها قوى متربصة. غير أن اتساع الدائرة لا يعني سقوط المركز. وعندما يطرق المعدن الأسود يزداد صلابة، وقد ترتد آلة التهشيم على رأس صاحبها. فقانون الغابة لا يكتب النتيجة بكثرة المفترسين، بل بقدرة المحاصر على كسر دائرة الافتراس، وتحويل الحصار من قيد إلى اختبار، والاختبار من محنة إلى عنفوان. ف «فكا» العدوان يختزلان في عنواننا ضغطا متعدد المسارب: عسكريا واقتصاديا وسياسيا، فيما يحيل «لسان الثعبان» إلى الدور التحريضي الذي يمارسه النظام العنصري الاستيطاني المتمثل بالحكومة الإسرائيلية في الدفع نحو التصعيد وتسويق النزال، قبل أن يتحول شرار ولهب ذلك التحريض إلى كلفة تتوزع على ساحات أخرى. فالأفعى لا تبدأ بالعض؛ تختبر الطريق بلسانها، ثم تخرج أنيابها حين تحين لحظة الانقضاض.

«المطرقة والسندان»

كان الرهان على تحطيم العظام، غير أن الحديد لا يزداد هشاشة بالطرق دائما؛ « بل يزداد صلابة. وهنا لا يمكن إغفال وعي المجتمع الإيراني وتلاحمه وتماسكه؛ فالجبهة الداخلية ليست هامشا في معادلة الصراع، بل قد تكون حصنها الأول، وإذا فشل الضغط الخارجي في فصل المجتمع عن دولته، انتقل الصدام من محاولة التهشيم الى اختبار الاحتمال.

«شرايين الجغرافيا وكلفة الحصار»

هرمز وباب المندب والبحر الأحمر والخليج الفارسي، ليست أسماء على خريطة؛ إنها شرايين في جهاز التجارة والطاقة العالمي. وأي اضطراب فيها قد يجعل الحصار المضروب كالسهم ذي الوجهين: يصوب إلى الخصم، ثم ترتد آثاره على مطلقيه وأسواقهم وحلفائهم. وفي المقابل، فإن حجم الدين الأمريكي الهائل وكلفة الهمجية والعدوان يفرضان قانون الحساب؛ فالحرب ليست ذخيرة فقط، بل فاتورة، والفاتورة حين تثقل تصبح شريكا صامتا في صناعة القرار.

« التكنولوجيا والردع: ما ظهر وما استتر»

ولا تكتمل الصورة من دون النظر إلى منظومة الردع الإيرانية وتنوع أدواتها، وما تمنحه الخبرة المتراكمة من قدرة على إدارة المواجهة وحساب كلفتها. أما القدرات الناتجة كدولة ذات ثقل إقليمي وخبرات وقدرات استراتيجية متراكمة قد تجعل الخصم يحسب لما يعرفه ولما لا يعرفه أيضا. ففي المواجهة العسكرية، ليست القوة دائما فيما نطلق من قذائف وقنابل وطائرات مسيرة وصواريخ، بل أحيانا فيما يجعل الآخر يتردد قبل أن يطلق.

« المراوغة حين ترتد »

الحرب رواية بقدر ما هي مواجهة؛ حرب نفسية، وإدارة صورة، وتحريض، ومساومات، ورسائل تقال بألفاظ وتخفى بين السطور. ومن جنوب سورية المدنس بأقدام مغتصب الأقصى إلى صمود جنوب لبنان، تتشابك الجبهات ومراكز الثقل، وتتحول الجغرافيا إلى لوحة واحدة.

وقد يبدو الانتشار العسكري قوة صلبة، لكنه يتحول إلى عبء حين تتسع رقعة حمايته وكلفته. وهنا قد ينقلب تكالب المعتدي إلى خسران، ومراوغته إلى مأزق؛ فليس كل من أوقد النار قادرا على التحكم في اتجاه الريح.

«ما بعد القصف والتدمير فاتورة التشييد والتعمير»

وإذا وضعت الحرب أوزارها، تبدأ معركة أخرى: تتمثل بإعادة البناء. ومن هنا يبرز بحث التعويض عن الخسائر ضمن الأطر السياسية والقانونية، إلى جانب ملف الأموال والودائع الإيرانية المجمدة وترتيبات الإفراج عنها. فالتدمير ليس خاتمة التاريخ، كما أن الحصار ليس قدرا أبديا؛ فقد يولد من ركام الحطام عمران، ومن الخسران عنفوان، ومن الضغط إعادة تموضع. وفي نهاية المطاف، ليست المسألة من يملك أداة التكسير، بل من يحتمل ارتدادها؛ وليست كثرة الأظافر الجارحة دليلا على حتمية الافتراس. ففي قانون السياسة، كما في قانون الغابة، قد يخطئ المفترس حين يخلط بين محاصرة الليث وإسقاطه. فإن ظنوا أن الطوق المضروب يسقط العزيمة والإصرار، اكتشفوا أن الصخر يزداد مناعة تحت الضرب، وأن العواصف والرياح لا تسقط الجبل، بل تكشف رسوخه.

كاتب دمشقي حر، في الغربة.