لم يمضِ على زفاف سجى موسى شرارة أسبوعٌ واحد؛ كأنّ القدر لم يمنح الفرح مهلةً كافية ليقيم في بيتها، وكأنّ أيام العرس كانت أسرع من أن تحفظ دفءَ يديها قبل أن تأتي الغارة الإسرائيلية وتقتلعها من صدر الحياة. في صورتها تبدو سجى ابنةً خالصةً للضياء؛ وجهٌ تتدفّق منه طمأنينة البدايات، ووردٌ بين يديها، ومسحةٌ ورديّة تحيط بها كأنّ الحياة كانت قد اختارت لها أرقَّ ألوانها. لم يكن في عينيها متّسعٌ للموت، ولا في ابتسامتها موضعٌ للرثاء؛ كانت امرأةً تقف على أول العمر الجديد، فإذا بآلة القتل تختصر المسافة الوحشية بين العروس والشهيدة إلى بضعة أيام.
أيُّ عدوٍّ هذا الذي لا تشبع آلته من اقتلاع الناس من أعمارهم؟ وأيُّ توحّشٍ يستطيع أن يهوي بالنار على بلدة مأهولة، ثم يترك خلفه عروساً لم تنفض عن أيامها بعدُ غبار الزفّة؟ هنا يسقط قاموس الحرب نفسه خجلاً؛ لأن الحرب مهما اشتدّت لها جبهاتٌ ومقاتلون، أمّا أن تصبح البيوت حقولاً للموت، وأن يُختصر المدنيون إلى أرقام، وأن تُنتزع امرأة من فراش أحلامها قبل أن يستقيم لها بيتٌ وعمرٌ وذاكرة، فذلك وجهٌ عارٍ للبطش حين يفقد آخر ذرّة من الضمير والحدود. لقد أصابت الغارة جسد سجى، لكنها في الحقيقة قصفت زمناً كاملاً كان ينبغي أن تعيشه: صباحاتها التي لم تأتِ، أعوامها التي لم تكبر، تفاصيل بيتها الصغيرة، صورها المقبلة، شيبها البعيد، وكلّ الذين كان يمكن أن يحبّوها أكثر كلما تقدّم بها العمر.
يا سجى… ما أثقل اسمكِ اليوم على القلب. يا عروساً خرجتِ من زفّتكِ ولم يمنحكِ القتلة حتى حقَّ الاعتياد على الفرح. كان ينبغي أن يذبل وردكِ أولاً، أن يُطوى فستانكِ بعيداً، أن تصبح صورة زفافكِ قديمة، وأن تمرّ عليها السنوات فتبتسمين قائلةً: هنا بدأت حكايتي. كان ينبغي أن تتبدّل ملامحكِ مئة مرة، وأن يرسم الزمن خطوطه حول عينيكِ، وأن تكبري حتى يصبح شباب هذه الصورة ذكرى بعيدة. لكن الوحشية لم تترك لكِ حتى هذا الحق البسيط؛ سرقت منكِ المستقبل كلَّه دفعةً واحدة، وتركت لنا صورةً شديدة الحياة إلى درجة أنها تؤلم أكثر من صورة الموت.
وأقسى ما في سجى أنّ رثاءها لا يبدأ من موتها، بل من الحياة الهائلة التي كانت تنتظرها ثم أُعدمت معها. خلف تلك الابتسامة بيتٌ كان يمكن أن يمتلئ ضحكاً، وأعيادٌ لم تصل، وأحلامٌ لم تُستكمل، وشيخوخةٌ كان ينبغي أن تأتي متأخرةً جداً. كم هو فادحٌ أن يبقى ورد العرس أطول عمراً من العروس، وأن تبقى الصورة محتفظةً بوهج تلك اللحظة فيما صاحبتها أصبحت اسماً يختنق الحلق عند لفظه. هنا لا يبكي المرء سجى وحدها؛ يبكي عمرها الذي لم يُعش، وأيامها التي قُتلت قبل أن تولد، وبيتاً انتقل في أقل من أسبوع من ضجيج التهاني إلى صمت الفاجعة.
سلامٌ عليكِ يا سجى… يا وجعاً ورديَّ اللون شديدَ السواد في القلب. سيظلّ وجهكِ شاهداً على مفارقة تقصم الظهر: عروسٌ بكل هذا الضوء، وقاتلٌ بكل هذا الظلام. وسيبقى وردكِ في الصورة كأنه يسألنا إلى الأبد: كيف يمكن لبشرٍ أن يقصفوا امرأةً كانت قبل أيام فقط تُزفُّ إلى الحياة؟ وكيف تستطيع الدنيا أن تكمل صباحها بعد أن يصبح ثوب العرس قريباً إلى هذا الحد من ثوب الرحيل؟
يا سجى… لم يذبل وردكِ بعد، لكن وطناً بأكمله ذبل عند خبركِ؛ ولم تشخ صورتكِ، لكن الحزن شاخ فينا دفعةً واحدة. أما العدو الذي اغتال غدكِ، فقد ترك وراءه جريمةً تختصر بشاعتها جملة واحدة تكاد تذبح القلب: لم يُمهل العروس حتى تصبح زوجةً في ذاكرة الأيام… جعلها شهيدةً وهي ما تزال في ذاكرة الناس عروساً.
عباس المعلم - كاتب سياسي