« حين يراد للشعب أن يقسم ليضعف، ويحاصر ليخضع، ويخدع بشعارات زائفة؛ تصبح الوحدة سياجا، والصبر قدرا، والصمود ردا على من ظن أن الميزان يميل بغير حق.»
أمتشق القلم سلاحي المفضل، كل مرة حين تمس الكرامة، فالكلمة أمانة والصمت تواطؤ حين تفرض الوقائع فرضا وتصاغ الأكاذيب حقيقة. لا أنقش كلماتي مدحا أو مجاملة، بل قراءة لواقع يراد طمسه خلف شعارات براقة لا واقع لها. إن من يزعم أنه يحمي شعبا وهو يحاصره، أو يدافع عن حقوق نسائه وهو يخدعهن ويجوعهن، لا يملك من الحق شيئا ولا من العدالة نصيبا. وهكذا قرأت المشهد، فكان لابد من القول لمن يصغي: إن طهران لم تقف شفقة ولا لمصلحة عارضة، ولا لمنفعة زائلة، آنية، بل وقفت على عهد الشرف، وحيث تصان الكرامة ولا تباع الأرض ولا تستباح.
لم يكن الحصار وليد اللحظة العابرة، بل امتداد لنهج قديم يعود لما يربو على نصف قرن، منذ أن استعاد الشعب الإيراني العظيم قراره وطرد قوى الهيمنة والغطرسة والأطماع من أرضه. لم يغف الغاصب ولم ييأس المعتدي، فحاول جعل الشرخ بين المواطن وقيادته بديلا عن الحجة ورفع شعارات الحرية والعدالة ليخف وراءها مشروع تفكيك جهنمي ممنهج.
زعموا حماية المرأة وفي بلادهم تهضم حقوقها، وادعوا الديمقراطية وسياساتهم أقرب إلى الهمجية المطلقة، فكانت شعاراتهم مجرد ستار لمخطط قديم جديد: زعزعة الاستقرار، بث الفوضى وإرهاق الشعوب حتى تنكسر إرادتها.
لكن الحسابات خابت، والموازين انقلبت والحصار غير القانوني لم يضعف، بل صقل الإرادة؛ والضربات العسكرية التي استهدفت مدنا ومدارس ومنشآت رياضية وأرواحا بريئة لم تثن، بل زادت منتماسك النسيج الوطني. إن الاعتراف بالعجز يتجلى في فرض العقوبات الجائرة لا في الحوار، في محاولة فرض الإرادة بالقوة والإخضاع. ولقد أدركت قوى كبرى، أن الإملاءات لا تفرض على من يملك قراره، فالصين وروسيا وكوريا وغيرها من دول ارتفع مؤشر عددها لم تخضع لضغوط لا أساس لها، بل رأت في هذا الصمود مدخلا لتوازن عالمي جديد لا يحكم من طرف واحد. إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تمتص الضربات فحسب، بل تعيد بناء نفسها بذكاء ومرونة، وتخبئ من المفاجآت ما يغير المعادلات، فالصبر ليس عجزا، والصمت ليس ضعفا. لقد أثبتت التجربة أن من يراهن على انكسار الإرادة والعزيمة يراهن على وهم، وأن من يحاصر شعبا يدرك قيمته بنفسه، إنما يقيم الدليل على عدوانه لا على قوته.
فبلاد فارس وقفت ولا تزال وستبقى واقفة، لأن العزيمة لا تقاس بميزان المعتدين ولا توزن بمعايير من يقايض الحق بالمصلحة. حيث يقف الشرف تقف المواقف، وحيث تصان الكرامة تبنى الأوطان. ولن يغير من الحقيقة حصار ولا ضجيج، فالشمس تشرق رغما عن العاصفة، والحق يظهر رغما عن كل من حاول طمسه. إنها عزة تتجذر كلما حاولوا اقتلاعها وشموخ يعلو كلما حاولوا اخفاءه، إيران وقفت حيث يقف الشرف، ولن تتراجع خطوة ما بقي في الأمة نفس وفي الإصرار والعزم بقية.
كاتب دمشقي حر.