لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات، بل تبدو أقرب إلى اختبار طويل لقواعد الردع في الشرق الأوسط. فطهران، التي اعتمدت طويلاً سياسة «الصبر الاستراتيجي» والرد غير المباشر، تبدو أكثر استعداداً للانتقال إلى الرد المباشر ورفع كلفة المواجهة، فيما تواصل واشنطن الجمع بين التفوق العسكري والضغط الاقتصادي.
في هذه المعادلة، تبدو إسرائيل في موقع شديد الحساسية. فهي ما زالت تمتلك تفوقاً جوياً واستخباراتياً كبيراً، وقدرتها على ضرب العمق الإيراني تشكل إحدى أهم أوراقها. لكن المواجهة أظهرت في المقابل أن التفوق العسكري لا يعني حصانة كاملة للجبهة الداخلية. فالصواريخ الإيرانية، رغم منظومات الدفاع المتعددة، استطاعت في جولات سابقة الوصول إلى مناطق داخل إسرائيل، ما جعل حماية الداخل الإسرائيلي جزءاً أساسياً من حسابات الحرب.
وهنا تكمن المفارقة: تستطيع إسرائيل إلحاق أضرار كبيرة بإيران، لكنها في حرب طويلة ستواجه أيضاً كلفة اقتصادية ومجتمعية وأمنية متزايدة. وفي المقابل، تستطيع إيران تحمل مستويات مرتفعة من الاستنزاف، لكنها تواجه ضغطاً اقتصادياً وعسكرياً متصاعداً، يجعل قدرتها على إعادة بناء ترسانتها وتمويل حلفائها موضع اختبار حقيقي.
لذلك قد لا يكون الصراع بحثاً عن «نصر كامل» بقدر ما هو محاولة من كل طرف لإجبار الآخر على قبول قواعد جديدة للردع.
لكن العقدة الأكثر خطورة تبقى في الملف النووي. فاستمرار الضربات على المنشآت الإيرانية، بالتزامن مع صعوبة التحقق الدولي الكامل من وضع البرنامج النووي، يفتح الباب أمام مرحلة من الغموض الاستراتيجي. والخطر هنا لا يكمن فقط في احتمال استخدام السلاح النووي، وهو سيناريو بالغ الخطورة، بل في احتمال انتقال إيران إلى مرحلة «العتبة النووية»، بحيث تصبح قادرة على إنتاج السلاح إذا اتخذت قراراً سياسياً بذلك.
المفارقة أن الضغط العسكري والاقتصادي الذي يستهدف منع إيران من امتلاك السلاح النووي قد يؤدي، إذا طال أمده، إلى تعزيز القناعة داخل طهران بأن امتلاك قدرة ردع نووية هو الضمان الأفضل لمنع تكرار الضربات.
ومن هنا تصبح إسرائيل أمام معادلة معقدة: كيف تمنع إيران من الوصول إلى النووي، من دون أن تجعل الحرب نفسها سبباً في تسريع القرار الإيراني بالوصول إليه؟
المرحلة المقبلة لن تحسمها كثافة القصف وحدها، بل قدرة كل طرف على إدارة الوقت والكلفة والردع. فإذا تحولت الحرب إلى استنزاف مفتوح، فقد يصبح الاقتصاد والجبهة الداخلية والقدرة على إعادة بناء القوة عوامل لا تقل أهمية عن الطائرات والصواريخ.
وفي النهاية، قد يكون أخطر ما في هذه الحرب أنها لا تعيد رسم حدود النفوذ في المنطقة فقط، بل تعيد تعريف مفهوم الردع نفسه؛ فإذا أصبح الأمن مرتبطاً بامتلاك قدرة تدمير متبادل، فإن الشرق الأوسط قد يكون أمام مرحلة جديدة لا يكون فيها السؤال من يربح الحرب؟ بل من يستطيع منعها من التحول إلى حرب بلا نهاية؟