يتمتع عدد قليل جدا من البشر بقدرة استثنائية على الوصول إلى أعمار طويلة للغاية، إذ لا يشكل الأشخاص الذين يعيشون حتى سن 100 عاما سوى نحو 0.01% من سكان العالم.
ويطلق على هؤلاء اسم المعمرين ، وهم الأشخاص الذين يبلغون 100 عام أو أكثر، وقد أصبحوا محور اهتمام كبير من جانب العلماء الذين يحاولون فهم أسرار أعمارهم الاستثنائية.
ومع ذلك، لا يزال العلماء لا يعرفون الكثير عن العوامل التي تمكن هؤلاء الأشخاص من العيش لهذه الفترة الطويلة.
ومن بين الأسئلة التي ظلت دون إجابة: ماذا يحدث لأبنائهم؟ وهل يرث الجيل التالي القدرة الاستثنائية نفسها على طول العمر؟
حاول فريق من العلماء الإجابة عن هذا السؤال في دراسة جديدة نشرت في مجلة JAMA Network Open.
وقالت عالمة الوراثة صوفيا ميلمان من كلية ألبرت أينشتاين للطب في برونكس بمدينة نيويورك:
««أردنا معرفة ما إذا كانوا ينقلون صحتهم الجيدة وطول عمرهم إلى أبنائهم، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن تفسير هذه المزايا بالعادات الصحية أم أن هناك شيئا أكثر جوهرية، مثل العوامل الوراثية؟»»
أبناء المعمرين أقل عرضة للوفاة

حلل ميلمان وزملاؤها بيانات من ثلاث دراسات طولية منفصلة، شملت أكثر من 2300 شخص من أبناء المعمرين، إلى جانب أكثر من 1700 مشارك كان آباؤهم أقل عمرا، وشكلت هذه المجموعة مجموعة المقارنة.
وكتب الباحثون في دراستهم أن هذا البحث، بحسب علمهم، يعد أكثر الدراسات شمولية حتى الآن لدراسة العلاقة بين طول عمر الوالدين وصحة الأبناء.
وأظهر التحليل أن أبناء المعمرين في مجموعات الدراسات الثلاث كانوا أقل عرضة للوفاة مقارنة بأفراد المجموعة الضابطة.
كما سجلوا مخاطر أقل للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم، بينما أظهرت مجموعتان من الدراسات انخفاضا أيضا في خطر الإصابة بالسكتة الدماغية.
انخفاض كبير في مخاطر الأمراض
كانت الفروق بين أبناء المعمرين والمشاركين في المجموعة الضابطة كبيرة.
فقد أظهرت النتائج أن أبناء الأشخاص الذين عاشوا حتى 100 عام أو أكثر لديهم:
- خطر أقل بنسبة 32% للإصابة بارتفاع ضغط الدم في أي عمر.
- خطر أقل بنسبة 33% للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
- خطر أقل بنسبة 42% للوفاة.
ولم يقتصر الأمر على انخفاض المخاطر، بل أظهرت البيانات أيضا أن أبناء المعمرين، عندما يصابون بمشكلات صحية، يميلون إلى الإصابة بها في أعمار أكبر مقارنة بأقرانهم في المجموعة الضابطة.
وتأخر ظهور ارتفاع ضغط الدم لديهم بنحو خمس سنوات، بينما تأخرت الوفاة المقدرة بنحو ثلاث سنوات مقارنة بالمجموعة الضابطة.
طول العمر الاستثنائي قد يسري في العائلات
قال الباحث في مجال الشيخوخة والمؤلف الرئيسي للدراسة إريك ريد، من كلية ألبرت أينشتاين للطب، إن الاتساق العام لهذه النتائج عبر الدراسات المختلفة كان أمرا لافتا بشكل خاص.
وأضاف أن النتائج تعزز فكرة أن طول العمر الاستثنائي يسري داخل العائلات.
لكن الباحثين توصلوا إلى نتيجة مختلفة فيما يتعلق بالسرطان.
فلم تظهر النتائج انخفاضا كبيرا في خطر الإصابة بالسرطان لدى أبناء المعمرين.
هل يتمتع أبناء المعمرين بمقاومة أفضل للسرطان؟
يرى الباحثون أن أبناء المعمرين قد يتمتعون بمقاومة أفضل للسرطان، بحيث يستفيدون من انخفاض معدلات الوفاة الناتجة عن السرطان، حتى في حال عدم انخفاض معدل الإصابة بالمرض نفسه.
وهناك تفسير آخر محتمل، وهو أن أبناء المعمرين قد يخضعون لفحوصات للكشف عن السرطان بصورة أكبر، ما قد يؤدي إلى اكتشاف أنواع منخفضة الخطورة من السرطان لا تؤثر في معدلات الوفاة.
هل السبب هو الجينات أم نمط الحياة؟
يعرف العلماء أن العديد من العوامل البيئية والسلوكية ترتبط بخطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.
ومن بين هذه العوامل النظام الغذائي، ومستوى التعليم، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، واستخدام التبغ.
لكن التحليل الجديد أظهر أن أبناء المعمرين ظلوا يتمتعون بحماية أكبر من الأمراض حتى عندما تمت مطابقة أفراد المجموعة الضابطة معهم وفقا لهذه العوامل.
وقد يشير ذلك إلى أن العوامل البيئية قد يكون تأثيرها الصحي أقل لدى الأشخاص الذين يرتبطون وراثيا بالمعمرين.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النتيجة لا تعني أن نمط الحياة غير مهم.
وقال ريد:
««هذا لا يعني أن نمط الحياة لا يلعب دورا، فالسلوكيات الصحية تظل مهمة للجميع».»
وأضاف أن بعض الأشخاص المنحدرين من عائلات تتمتع بطول عمر استثنائي يبدو أنهم يمتلكون مزايا بيولوجية تساعدهم على الحفاظ على صحتهم رغم تأثير العوامل البيئية والسلوكية التي تؤثر في جميع البشر.
هل نرث القدرة على الشيخوخة الصحية؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن طول العمر الاستثنائي لا يرتبط فقط بالعيش حتى سن متقدمة، بل قد يكون مصحوبا أيضا بقدرة أفضل على الحفاظ على الصحة وتأخير ظهور بعض الأمراض المرتبطة بالشيخوخة.
ويرجح الباحثون أن العوامل الوراثية أو البيولوجية قد تؤدي دورا مهما في هذه الحماية، لكن النتائج لا تلغي أهمية النظام الغذائي الصحي والنشاط البدني وتجنب التدخين وغيرها من السلوكيات الصحية.
وتشير الدراسة إلى أن الأشخاص الذين ينتمون إلى عائلات تتمتع بطول عمر استثنائي قد يرثون بعض المزايا البيولوجية التي تساعدهم على التقدم في العمر بصحة أفضل.