د. مهدي مبارك عبد الله
منذ زمن بعيد لم تعد قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية مجرد ملف أمني أو قضائي كما تحاول الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تقديمها بل أصبحت في السنوات الأخيرة مرآة تكشف التحولات العميقة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية وخصوصاً مع صعود التيار اليميني المتطرف الذي يسعى إلى نقل التعامل مع الأسرى الفلسطينيين من إطار الاعتقال والسيطرة إلى فعل الانتقام والإذلال والعقاب المفتوح .
في قلب هذا التحول يبرز مشروع وزير الأمن القومي الإسرائيلي المجرم إيتمار بن غفير القاضي بإحاطة سجن كتسيعوت في النقب بخندق مائي يضم عدة تماسيح ضمن ما تصفه الحكومة الاسرائيلية بمشروع تجريبي لتعزيز الإجراءات الأمنية وردع الأسرى المصنفين بالخطرين ثم نقل هذا المشروع الى ياقي السجون رغن اعتباره واحداً من أكثر الأفكار إثارة للجدل والصدمة ليس بسبب غرابته وتخلفه فقط وإنما بسبب الدلالات السياسية والنفسية والأخلاقية التي يحملها خصوصا وان القضية لا تتعلق بخندق أو بحيوان مفترس يستخدم كوسيلة حراسة وإنما كوسيلة ارهابية تعكس تصوراً سياسياً يرى في الأسير الفلسطيني ليس إنساناً يخضع لقواعد قانونية بل خصماً دائماً يجب إخضاعه لمزيد من العقاب والإذلال والقهر .
خطورة هذا المشروع لا تكمن في إمكانية تنفيذه فقط بل في أن فكرة كهذه أصبحت قابلة للنقاش داخل المؤسسات الرسمية الإسرائيلية وانتقلت من دائرة التصريحات الشعبوية إلى دائرة البحث القانوني والمالي والتنفيذي وعندما تصل فكرة إحاطة سجن بأحواض تضم حيوانات مفترسة إلى مرحلة دراسة فعلية للميزانيات وتعديل للتصنيفات القانونية فإن المسألة تتجاوز مشروعاً أمنياً مثيراً للاستهجان لتصبح مؤشراً على تحول أعمق في طبيعة الخطاب السياسي والأخلاقي داخل إسرائيل نفسها .
لقد حاول بن غفير بإصرار تقديم المشروع باعتباره إجراءً أمنياً يهدف إلى منع عمليات الهروب إلا أن هذا التبرير ظل يصطدم بحقيقة أن إسرائيل تمتلك في سجونها واحدة من أكثر المنظومات الأمنية تطوراً في العالم حيث تشمل الجدران الذكية وأجهزة المراقبة الإلكترونية والرادارات والطائرات المسيرة وأنظمة الاستشعار عن بعد والحراسة البشرية المشددة ولذلك فإن اختيار التماسيح تحديداً لا يمكن فهمه باعتباره مجرد خيار تقني بل يحمل بعداً رمزياً ونفسيا بدائياً يعود إلى اجرام العصور الوسطى ولا يوجد أي ذكر في التشريعات الإسرائيلية لسلطة استخدام الحيوانات المفترسة كجزء من تدابير الحبس أو الأمن أو حماية البيئة .
التمساح في الحقيقة ليس مجرد وسيلة رهيبة لمنع الفرار بل هي اسلوب قذر ومتوحش لبث روح الخطر الكامن والرعب المستمر في نفوس المعتقلين كما ان إدخال حيوان مفترس ضمن منظومة الأمن يعني إضافة عنصر نفسي جديد إلى تجربة السجن بحيث لا يقتصر الأمر على الاهانات والتعذيب فقدان الحرية وإنما يمتد إلى خلق بيئة قائمة على التهديد الدائم والخوف اليومي وبذلك يتحول السجن من مؤسسة لتنفيذ عقوبة قانونية إلى مساحة مصممة لإنتاج الإذلال وإظهار البطش و القوة .
ضمن هذه الرؤية ينكشف السؤال الذي يطرح نفسه ليس لماذا تحتاج إسرائيل إلى التماسيح لحماية سجونها بل لماذا اختارت هذه الصورة تحديداً رغم امتلاكها كل الوسائل الأمنية الحديثة والإجابة تكمن في أن المشروع يخاطب الوعي السياسي لجمهور اليمين المتطرف بقدر ما يخاطب الحسابات الأمنية وإنه يقدم صورة عن سلطة تريد أن تقول إنها لا تكتفي بالسيطرة على الأسير بل تريد إخضاعه نفسياً ورمزياً حتى انهاكه وسقوطه.
واقعيا لا يمكن فصل مشروع خندق التماسيح عن سلسلة الإجراءات التي ارتبطت بسياسات بن غفير تجاه الأسرى الفلسطينيين منذ توليه وزارة الأمن القومي حيث تبنى خطاباً يقوم على سحب ما يسميه الامتيازات من الأسرى وتشديد القيود على حياتهم اليومية داخل السجون ومنع الزريارات وتقليص بعض الحقوق والخدمات وسط اعتراضات وانتقادات حقوقية واسعة بشأن ظروف الاحتجاز والإهمال الطبي وسوء المعاملة .
المشروع الصهيوني المقترح يبدو كحلقة ضمن مسار سياسي أوسع يهدف إلى إعادة تعريف الأسير الفلسطيني في الوعي الإسرائيلي الرسمي ليس باعتباره شخصاً خاضعاً لعقوبة محددة وفق القانون وإنما باعتباره هدفاً مفتوحاً للعقاب المستمر وان المطلوب لدى ابتاع هذا التيار اليميني المتشدد ليس فقط منع الأسير من الحرية بل تحويل وجوده داخل السجن إلى تجربة معاناة و إذلال طويلة الأمد .
هذا المشروع الهمجي الذي دفع به وزير الامن المتطرف بن غفير وساندته عيديت سيلمان وزيرة حماية البيئة الإسرائيلية يرتبط مباشرة بالتوجه التشريعي لليمين الإسرائيلي المتطرف بشأن إقرار عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين والذي اقره الكنيست مؤخرا ورغم اختلاف الوسائل بين الإعدام من جهة وخندق التماسيح من جهة أخرى الا ان الفلسفة السياسية العدوانية الخبيثة والتي تقف خلفهما واحدة تجمعها غايات البحث عن أدوات قصوى لتشديد العقوبة وتحويل السجن من مؤسسة قانونية إلى أداة للانتقام السياسي وبصورة مرعبة .
الثابت والرابط المشترك ما بين الرغبة في إنهاء حياة الأسير والرغبة في إحاطته بالخطر والرعب يظهر اتجاه واحد يقوم على نزع الطابع الإنساني عن المعتقل الفلسطيني وتحويله إلى رمز للعدو الذي يجب إخضاعه لا إلى إنسان له حقوق أساسية ومشروعة وهذه النقطة تحديداً هي جوهر التحول الخطير في المسألة لأن المجتمعات لا تقاس فقط بالقوانين التي تضعها وإنما بالطريقة التي تعامل بها من هم تحت سلطتها.
ان قراءة مشروع خندق التماسيح من زاوية أمنية فقط تبقى مطالعة ناقصة لأن بن غفير يتحرك أيضاً وفق حسابات سياسية داخلية واضحة وهو يدرك جيدا أن ملف الأسرى الفلسطينيين يمثل إحدى أكثر القضايا حساسية لدى القاعدة الانتخابية لليمين المتطرف ولذلك يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره السياسي الأكثر تشدداً وقدرة على تجاوز ما يعتبره أنصاره قيوداً قانونية وأخلاقية تعيق سياسة الردع المطلوبة .
وفق هذه الرؤية الممنهجة والمنظمة قد لا يصبح المشروع موجهاً ضد الأسرى الفلسطينيين فقط بل يصبح أيضاً رسالة سياسية داخلية موجهة إلى الجمهور الإسرائيلي اليميني مفادها أن القوة لا تقاس فقط بقدرة الدولة على السيطرة الأمنية وإنما بقدرتها على إظهار القسوة والتشدد والتوحش وكلما ارتفع سقف الإجراءات العقابية ازداد حضور السياسي الذي يقدم نفسه بوصفه ممثل التيار الأكثر صرامة في مواجهة الفلسطينيين .
اللافت في حيثيات هذه القضية أن الاعتراضات داخل إسرائيل على المشروع لم تتركز أساساً على حقوق الأسرى الفلسطينيين وإنما انصبت بدرجة كبيرة على الجوانب القانونية والبيئية المتعلقة بحماية حقوق الحيوانات ومخاطر استخدام التماسيح في منشآت أمنية يعمل فيها جنود اسرائيليين حيث تقدمت جهات معنية بالرفق بالحيوان باعتراضات قانونية كما حذرت جهات بيئية من مخاطر نقل التماسيح وعدم قانونية الاحتفاظ بها في ظروف غير مناسبة.
هنا تظهر المفارقة الأخلاقية العميقة حيث يجد الحيوان مساحة من الحماية القانونية والجدل العام أكبر مما يجده آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين تتحدث منظمات حقوقية عن تعرضهم لظروف احتجاز قاسية وانتهاكات صارخة تمس حقوقهم الأساسية والانسانية وهذا التناقض لا يكشف فقط طبيعة النقاش الهابط داخل إسرائيل بل تكشف أيضاً اختلالاً في ترتيب الأولويات عندما يصبح الجدل حول سلامة الحيوان أكثر حضوراً من السؤال عن كرامة الإنسان وسلامة حياته .
بالنظر لمحاولة تغيير التصنيف القانوني لتمساح النيل من حيوان بري محمي إلى حيوان يمكن الاحتفاظ به لأغراض أمنية نكشف مدى استعداد بعض المؤسسات لتطويع وتسخير القواعد القانونية عندما تتقدم الرغبة السياسية على الاعتبارات العلمية والمهنية خصوصا وان القوانين التي وضعت لحماية الحياة البرية جرى البحث عن استثناءات فيها لتوفير غطاء غير احلاقي لمشروع أمني منفلت وغير مسبوق الأمر الذي يعكس أن المشكلة لا تتعلق بالوسيلة القذر فقط وإنما بالذهنية الارهابية العفنة التي تبحث عن مبررات قانونية لفكرة سياسية تقوم اصلا على مبدء العقاب الرمزي.
للتوضيح اكثر ان الخطر الأكبر في مشروع خندق التماسيح لا يكمن في المجرى المائي ذاته ولا في عدد التماسيح التي قد توضع فيه وإنما في انتقال فكرة متطرفة ومرفوضة من الهامش إلى مركز النقاش الرسمي وان التاريخ أثبت لنا مرارا أن السياسات القاسية لا تبدأ عادة بقرارات ضخمة بل بمجموعة أفكار صادمة أو مستحيلة ثم يجري تكرارها وتبريرها وتسويقها حتى تصبح جزءاً من الخطاب الرسمي العام وبعد ذلك تتحول تدريجياً إلى إجراءات وسياسات وطنية مقبولة للتنفيذ .
ما يجب فهمه في هذا الجانب إن تطبيع الأفكار المتطرفة يكون أحياناً أخطر من تنفيذها لأن المجتمع الذي يعتاد على سماع خطاب الإذلال والعقاب الجماعي يفقد تدريجياً قدرته على معارضته ثم رفضه أخلاقياً وعندما تصبح معاناة الأسرى مادة للمزايدات السياسية وتتحول القسوة إلى وسيلة لكسب الشعبية فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بشخص وزير متطرف أو حكومة يمينية متشددة وإنما بعملية أوسع لإعادة تشكيل منظومة القيم السياسية والأخلاقية والانسانية ,
التحولات في المشهد الإسرائيلي العام مترابطة حيث يتزايد نفوذ التيارات القومية والدينية المتشددة التي ترى في استخدام القوة المفرطة دليلاً على الحزم والقدرة ولهذا تتعامل مع الدعوات لاحترام القانون الدولي والمعايير الإنسانية باعتبارها قيوداً تعيق مشروعها السياسي الحالي والمستقبلي وفي ظل هذا المناخ اصبح الأسير الفلسطيني ليس فقط موضوعاً أمنياً بل أداة لإظهار التشدد وإرضاء الجمهور الانتخابي الذي يرى في العقاب وسيلة لإثبات القوة والهيمنة .
على المستوى الدولي ان القضية الأكثر إثارة للقلق لا تتمثل فقط في وجود مشاريع متطرفة ومدعومة رسيما من هذا النوع بل في ضعف الردود العملية عليها خاصة وان التقارير الحقوقية والانتقادات الدولية التي تتحدث عن أوضاع الأسرى الفلسطينيين لم تتحول حتى الآن إلى إجراءات سياسية أو قانونية فعلة قابلة للتنفيذ وقادرة على فرض كلفة حقيقية كبيرة على من ينادون بها لان البيانات الدبلوماسية وعبارات القلق مهما كانت أهميتها لا تشكل رادعاً كافياً أمام مسار سياسي يتجه نحو مزيد من التشدد بل إن غياب المساءلة قد يمنح أصحاب هذه المشاريع شعوراً بأن هامش الحركة مفتوح لهم وأن اختبار حدود القانون الدولي يمكن أن يستمر دون أي عقاب او ثمن سياسي حقيقي.
التاريخ في كل مراحلة وفصوله أثبت أن انهيار المعايير الإنسانية لا يحدث فجأة وإنما يبدأ بخطوات صغيرة تبدو للبعض استثنائية أو مؤقتة قبل أن تصبح مع مرور الوقت أموراً مألوفة ولذلك فإن قضية خندق التماسيح ليست مجرد قصة غريبة ومستهجنة في عالم السجون وإنما هي مؤشر على صراع أوسع حول معنى القانون والعدالة وحقوق الإنسان في زمن تتعرض فيه هذه المبادئ لاختبارات قاسية ومهينة .
إن اقرار فكرة خندق التماسيح ليست النهاية الحقيقية للمشكلة بل هي الرمز الذي يكشف عن قضية أكبر بكثير وان المسألة مرة اخرى لا تتعلق بحيوان مفترس داخل خندق مائي وإنما بعقلية سياسية ترى أن إذلال الأسير يمكن أن يتحول إلى أداة للردع وأن القسوة يمكن أن تصبح برنامجاً انتخابياً وأن تجريد الإنسان من كرامته يمكن أن يقدم باعتباره سياسة أمنية ضرورية وان التمساح الحقيقي ليس ذلك الذي قد يوضع خلف أسوار السجن وإنما العقلية المتخلفة والعقيمة التي لا زالت ترى أن الانتقام يمكن أن يحل محل العدالة وأن الإهانة يمكن أن تصبح بديلاً عن القانون .
ختاما : حتى لو أوقف القضاء الاسرائيلي مؤخرا تنفيذ هذا المشروع مؤقتا أو عطّل إجراءاته فإن السؤال الأهم يبقى قائماً ماذا عن البيئة السياسية الاجرامية التي أنتجت الفكرة وعن التبعات التي خلفها والتي لا تختفي بقرار قضائي وإنما قد تتراجع عندما تواجه رفضاً مجتمعياً وأخلاقياً وقانونياً واضحا في وقت ستظل فيه قضية الأسرى الفلسطينيين اختباراً حقيقياً ليس فقط لإسرائيل وإنما للعالم بأسره لأن الدفاع عن كرامة الإنسان وحياته لا يبدأ من مناصرة الأقوياء بل من حماية الضعفاء الذين فقدوا حريتهم وأصبحوا تحت احتلال نازي مجرم لا يمتلك أي قيم ولا يرحم .
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية