علماء الأعصاب يكشفون كيف يقيّم الدماغ جمال الفن
دراسات و أبحاث
علماء الأعصاب يكشفون كيف يقيّم الدماغ جمال الفن
9 أيلول 2026 , 15:22 م

لماذا تحظى لوحة «مونا ليزا» بإعجاب معظم الناس، رغم أن الجمال يعد مسألة ذاتية؟ حاول علماء الأعصاب الإجابة عن هذا السؤال من خلال دراسة نشاط أدمغة أشخاص كانوا يشاهدون مجموعة من اللوحات، ليكتشفوا كيف يتشكل الإدراك الجمالي في الدماغ.

قدم باحثون متخصصون في علم الجمال العصبي بيانات قد تغير التصور السائد حول الطريقة التي يستجيب بها الدماغ للفن البصري. وأظهرت الدراسة، التي نشرت في مجلة Nature Communications، أن الشعور بالجمال ليس حالة غامضة أو عشوائية، بل يمتلك بنية عصبية واضحة تتكون من نظامين مستقلين.

كيف يحدد الدماغ جمال العمل الفني؟ ( مصدر الصور: Wikipedia )

تجربة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي

أجرى الباحثون التجربة باستخدام جهاز قوي للتصوير بالرنين المغناطيسي بقوة 7 تسلا، حيث شاهد 34 متطوعا ما مجموعه 96 لوحة مائية صينية تقليدية.

بعد الانتهاء من التصوير، طلب من المشاركين تقييم انطباعاتهم عن الأعمال الفنية التي شاهدوها.

ولتحليل البيانات، استخدم العلماء خوارزميات الترشيح التعاوني، وهي تقنيات تستخدم عادة في أنظمة التوصيات الموجودة في منصات مثل Netflix وSpotify.

وسمح هذا الأسلوب للباحثين بتحديد عاملين خفيين كان المشاركون يستخدمونهما، من دون وعي، في ترتيب الصور وتقييمها.

محتوى اللوحة والمتعة عاملان منفصلان

اكتشف العلماء أن العامل الأول يرتبط بمحتوى اللوحة، ويتدرج بين الأعمال التي تصور أشخاصا وأشكالا واضحة والأعمال التي تمثل مناظر طبيعية.

أما العامل الثاني فيعكس القيمة الاستمتاعية أو اللذة الجمالية، أي مقدار المتعة التي يشعر بها الشخص عند مشاهدة العمل الفني.

واللافت أن الدماغ يتعامل مع هذين العاملين بشكل منفصل.

فالمحتوى البصري يجري تحليله عبر المسارات البصرية المعتادة في الدماغ، وهي المسارات التي تساعد الإنسان مثلا على التمييز بين الوجوه والأشياء.

في المقابل، يجري تقييم مدى الإحساس بالمتعة في مناطق أعمق من الدماغ ترتبط بنظام المكافأة، وهي المناطق نفسها التي تنشط استجابة لمحفزات ممتعة مثل تناول الطعام اللذيذ أو الحصول على المال.

الخبرة الفنية تغير طريقة إدراك الجمال

من أكثر النتائج إثارة للاهتمام التي توصلت إليها الدراسة تأثير الخبرة السابقة في الفن.

فقد وجد الباحثون أن الأشخاص الذين تلقوا تعليما فنيا أظهروا نشاطا أكبر في شبكة الوضع الافتراضي للدماغ، وهي شبكة ترتبط بعمليات مثل التأمل في الذات والتخيل واستحضار الأفكار الداخلية.

ويشير ذلك إلى أن تعلم الفن لا يقتصر على اكتساب المعرفة والمعلومات حول الأعمال الفنية، بل قد يؤدي فعليا إلى إعادة تشكيل الآليات العصبية التي يستخدمها الدماغ في إدراك الجمال وتقييمه.

نتائج قد تفيد العلاج بالفن

يرى مؤلفو الدراسة أن هذه النتائج تحمل أهمية عملية تتجاوز فهم الطريقة التي يستجيب بها الدماغ للأعمال الفنية.

فالفهم العصبي لكيفية تشكل التذوق الجمالي يمكن أن يساعد في تطوير وتحسين أساليب العلاج بالفن، وهو أحد الأساليب المستخدمة في التعامل مع حالات مثل الاكتئاب والخرف.

وتشير النتائج بشكل عام إلى أن استجابة الإنسان للفن ليست مجرد حكم شخصي غامض، بل تنشأ من تفاعل منظم بين أنظمة عصبية متخصصة في معالجة محتوى العمل الفني وتقييم المتعة التي يثيرها، مع إمكانية أن تؤثر الخبرة والتدريب الفني في طريقة عمل هذه الأنظمة.

المصدر: مجلة Nature Communications