فعلى مدى أجيال، حذر البعض الشباب من أن النشاط الجنسي قد يجعلهم يفقدون البصر ، لكن العلم دحض هذه الفكرة منذ فترة طويلة.
إلا أن دراسة جديدة أعادت هذه الأسطورة إلى الواجهة بطريقة غير متوقعة.
هذه المرة، الجنس ليس موضع الشك، بل دواء.
يستخدم التادالافيل، المعروف بصورة أكبر باسمه التجاري سياليس Cialis، على نطاق واسع لعلاج ضعف الانتصاب، أي صعوبة الحصول على الانتصاب أو الحفاظ عليه. كما يوصف بصورة منتظمة لعلاج مشكلات التبول المرتبطة بتضخم البروستاتا.
والآن، ربطت دراسة واسعة الاستخدام طويل الأمد للتادالافيل بزيادة خطر الإصابة بـ الزرق (الجلوكوما)، وهي مجموعة من أمراض العين التي يؤدي فيها تلف العصب البصري إلى فقدان البصر.
لكن هناك نقطة مطمئنة: الدراسة لا تظهر أن ممارسة الجنس تضر بالعينين، ولا أن الاستخدام العرضي للتادالافيل يسبب العمى.
دراسة شملت أكثر من 73 ألف رجل
ركزت الدراسة على رجال تزيد أعمارهم على 40 عاما كانوا يستخدمون التادالافيل بصورة منتظمة بسبب أعراض بولية، مثل كثرة التبول أو الحاجة الملحة إلى التبول أو ضعف تدفق البول.
استخدم الباحثون شبكة TriNetX Analytics، وهي منصة تضم سجلات صحية مجهولة الهوية من 21 دولة. وأتاح حجم قاعدة البيانات للباحثين البحث عن نمط غير شائع قد يصعب اكتشافه في مستشفى واحد.
وحدد الباحثون 36,927 رجلا تبلغ أعمارهم 40 عاما أو أكثر، ولم يكن لدى أي منهم تشخيص سابق بالزرق، وكانوا قد حصلوا على وصفات منتظمة للتادالافيل لمدة ثلاثة أشهر على الأقل.
وقورنت هذه المجموعة بـ 36,927 رجلا مماثلين لم يستخدموا أي دواء من المجموعة الدوائية نفسها.
وطابق الباحثون بين المجموعتين وفقا لعوامل يمكن أن تؤثر في خطر الإصابة بالزرق، بما في ذلك العمر والتدخين والحالات الصحية والأدوية الأخرى. وامتدت السجلات الصحية التي جرى تحليلها إلى خمس سنوات.
زيادة نسبية في خطر الزرق بنسبة 22%
خلال فترة السنوات الخمس، ظهر الزرق لدى نحو 4 من كل 100 من مستخدمي التادالافيل، مقارنة بنحو 3 من كل 100 من غير المستخدمين.
وبلغت معدلات التشخيص الدقيقة 3.93% بين مستخدمي التادالافيل و3.16% بين غير المستخدمين خلال فترة السنوات الخمس.
ووصف الباحثون هذا الفرق بأنه زيادة بنسبة 22% في الخطر النسبي.
وقد يبدو الرقم كبيرا، لكن الفارق الفعلي بين المجموعتين كان أقل من نقطة مئوية واحدة، أي ما يعادل نحو 77 حالة تشخيص إضافية لكل 10 آلاف رجل.
ومع ذلك، فإن معظم الرجال في المجموعتين لم يصابوا بالزرق.
أنواع أخرى من مشكلات العين
ظهر النمط نفسه في نتائج مرتبطة بالزرق.
فكان مستخدمو التادالافيل أكثر عرضة بنحو الثلث للإصابة بارتفاع غير طبيعي في ضغط العين، أو الزرق الأولي مفتوح الزاوية، أو بدء علاج للزرق.
في المقابل، لم يجد الباحثون زيادة كبيرة في خطر الإصابة بـ الزرق منخفض الضغط أو الزرق الأولي مغلق الزاوية.
وقد يتطور الزرق من دون ظهور أعراض واضحة في مراحله المبكرة. ويؤدي تلف العصب البصري إلى تعطيل انتقال المعلومات البصرية إلى الدماغ.
وعادة لا يمكن استعادة البصر الذي فُقد نتيجة هذا التلف، ما يجعل الكشف المبكر أمرا مهما.
كيف يمكن لدواء للانتصاب أن يؤثر في العين؟
ينتمي التادالافيل إلى مجموعة من الأدوية تعرف باسم مثبطات إنزيم فوسفوديستيراز-5 (PDE5).
وينتمي السيلدينافيل، المعروف تجاريا باسم فياغرا Viagra، إلى المجموعة نفسها.
وتعمل هذه الأدوية على إطالة أمد إشارة كيميائية تؤدي إلى إرخاء العضلات الملساء وتوسيع الأوعية الدموية.
ويمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة تدفق الدم إلى القضيب، إلى جانب إرخاء العضلات المحيطة بالبروستاتا والمثانة.
لكن هذا النظام لا يعمل في الأعضاء الواقعة أسفل الخصر فقط.
فإنزيم PDE5 موجود أيضا في شبكية العين والأوعية الدموية الموجودة فيها والمنطقة المسؤولة عن إنتاج السائل داخل العين ورأس العصب البصري.
احتمال ارتفاع ضغط العين
أحد الاحتمالات التي طرحها الباحثون هو أن التادالافيل قد يؤدي إلى توسيع الأوعية الدموية في العين وزيادة إنتاج الخلط المائي بصورة مؤقتة، وهو السائل الشفاف الذي يملأ الجزء الأمامي من العين.
وإذا تراكم هذا السائل بسرعة أكبر من سرعة تصريفه، فقد يرتفع ضغط العين.
وقد تؤدي التغيرات المتكررة في ضغط العين على مدى سنوات من العلاج اليومي إلى الإضرار بالعصب البصري لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.
ولرصد مثل هذه التغيرات، يعمل الباحثون على تطوير عدسات لاصقة ذكية تطلق أدوية لعلاج الزرق عند الحاجة، إلا أن هذه التقنية لا تزال بحاجة إلى اختبارات سريرية على البشر.
التأثير البيولوجي أكثر تعقيدا
لكن الآلية البيولوجية ليست بسيطة.
فالمسار الكيميائي نفسه قد يساعد أيضا على تصريف السوائل من العين، ما قد يؤدي إلى خفض ضغط العين.
وبالتالي، يمكن أن تكون للتادالافيل تأثيرات متعارضة، ولا يعرف الباحثون حتى الآن أي من هذه التأثيرات يكون أكثر أهمية مع مرور الوقت.
الدراسة لا تثبت أن التادالافيل يسبب الزرق
كانت الدراسة رصدية، ولذلك، وعلى الرغم من أنها وجدت ارتباطا بين الاستخدام طويل الأمد للتادالافيل والزرق، فإنها لا تستطيع إثبات أن التادالافيل تسبب بشكل مباشر في الحالات الإضافية من الزرق.
كما أن التشخيصات اعتمدت على الرموز الطبية المسجلة في قاعدة البيانات، ولم تتضمن قاعدة البيانات قياسات مباشرة لضغط العين أو مجال الرؤية أو التغيرات التي تصيب العصب البصري.
ولم يتمكن الباحثون من التأكد من الجرعة التي تناولها كل شخص أو حساب إجمالي تعرضه للتادالافيل.
كما أن الأشخاص الذين يستخدمون الدواء بانتظام قد يزورون الأطباء بصورة أكثر تكرارا، وهو ما قد يزيد احتمال اكتشاف الزرق لديهم.
لا توقف الدواء من تلقاء نفسك
لا تعني هذه النتائج أن على المرضى التوقف عن تناول التادالافيل الموصوف لهم.
وينبغي ألا يوقف المرضى الدواء من دون التحدث إلى الطبيب.
لكن الأشخاص الذين يستخدمون التادالافيل بانتظام، وخصوصا المصابين بالزرق أو ارتفاع ضغط العين أو قصر النظر الشديد أو الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالزرق، قد يرغبون في مناقشة المتابعة الدورية للعينين مع اختصاصي الرعاية الصحية.
وتبقى الفكرة القديمة التي تقول إن ممارسة الجنس تؤدي إلى العمى مجرد خرافة لا أساس علميا لها.
أما الرسالة العلمية الحديثة فهي أكثر دقة: ما يحدث في غرفة النوم ليس موضع القلق، لكن استخدام دواء معين بصورة منتظمة قد يكون سببا لإيلاء صحة العينين اهتماما أكبر.