«الدعوة للدعوى»
«حين لا يقام وزن لحرمة عرس ولا لبراءة أطفال ولا لسلامة شعب؛ سطرت الولايات المتحدة الأمريكية فصولا سوداء في حق الشعب الإيراني؛ من صالة الأفراح التي أحيلت إلى ركام، إلى مدرسة البنات التي صار صمتها صرخة في وجه العالم، ثم صالة الرياضة ومواقع مدنية طالتها يد مجردة من الرحمة أو التمييز. إنها سلسلة استهداف ممنهج لا يقاتل أعداء، بل يقتل الحياة في أطهر صورها.»
أشهر القلم، سلاحي العابر للعقول، وأنطق حين يكتم الحق؛ ليس طمعا في ثناء، بل لأن الصمت عن جريمة ترتكب في وضح النهار يصير سكوتا عن العدالة كلها. حين رأيت كيف حولت الصواريخ أعراسا إلى مآتم، ومدرسة إلى ركام، وأوقات البهجة إلى هلع؛ لم أجد بدا من أن أطلق العنان لقلمي كي يبوح بالحق، لا بوصفي كاتبا، بل إنسانا لا يطيق ضميره أن يمر على دماء الأبرياء مرور الكرام بلا وقفة ولا كلمة تنبع من مشاعر الشفقة والأحاسيس الإنسانية التي جبلنا الله سبحانه عليها.
ما يخطه قلمي ليس انفعالا عابرا، ولا رد فعل يتلاشى بزوال الحدث؛ بل هو إيمان بأن الكلمة الصادقة حين تقال في وقت يصعب فيه البوح، تصبح واجبا لا اختيارا. إن هذه الانتهاكات لا تستهدف شعبا واحدا فقط، بل تنال من القيم الإنسانية نفسها_ فإذا أصممنا آذاننا عنها ولم نطلق العنان لألسنتنا فاضحين هذه الجرائم. فقد سلمنا بأن القوة فوق الحق، والغدر فوق العهد، والعدوان لا رادع له. من أجل هذا خطت ريشتي هذا المقال ليصدح ويفضح جرائم العم سام كي لا تصبح طي النسيان أو الكتمان، ولكي لا تطمس الحقائق خلف الأكاذيب، ولتبقى صرخة الحق مسموعة في زمن ارتفع فيه مؤشر من يفضل الصمت على الكلام، والسلام الذي يرتدي أقنعة التزييف على المواجهة الصادقة.
في الثامن والعشرين من شباط/فبراير سنة 2026، يوما لم تمحه ذاكرة البشرية؛ حين انطلقت صواريخ الولايات المتحدة الأمريكية لتحط في عقر دار الطفولة والأمان، مدرسة «شجرة طيبه» للإناث في مدينة مناب بمحافظة هرمزگان. لم يكن هناك مدرعات ولا مدافع بل أرواح، من عالم البراعم والبرعمات تحلق في فضاء العلم والأمل. فارتقت العشرات من طفلات ومعلمات إلى العلا شهيدات أزهقت أعمارهن قبل أن تشرق شمس مستقبلهن. وفي مدينة لامرد بمحافظة فارس، استهدفت صالة الرياضة التي ملأها الشباب والأطفال، يزاولون ألعابهم وتمريناتهم؛ فصعدت أرواح عدد منهم إلى بارئها، وأصيب العشرات_ لم يكونوا جنودا يمتشقون السلاح، بل كانت أياديهم تمسك الكرات وأدوات رياضية أخرى. ثم جاء الأول من أيلول/سبتمبر في العام نفسه ليكمل العدوان مسيرته السوداء؛ وتنطلق صواريخ حكومة أصحاب القرار في البيت الأبيض صوب صالة أفراح في قرية كوهستاك بمنطقة سيريك_حيث اجتمع الأهل والأحباب ليشاركوا عائلة فرح زفاف ابنتها؛ فحال الصاروخ بين الزغاريد وبين استكمال البهجة، متسببا في ارتقاء العشرات بين شهيد وجريح في ليلة كان من المفترض أن تزينها الأضواء لا ألسنة اللهب والشظايا. ولم تقتصر الإعتداءات على هذه المواقع؛ بل طالت الغارات الأمريكية أيضا المستشفيات التي تعالج المرض، والجسور التي تربط بين المدن والقرى، وشبكات المياه والكهرباء التي تعين الضعفاء قبل الأصحاء، والمنازل السكنية التي تأوي العائلات_ بنى تخدم حياة الناس. إن استهداف المدرسة والملعب والزفاف ليس أحداثا منفصلة ولا أخطاء عابرة؛ بل هو وجه واحد لخطة ممنهجة تدركها العاصمة طهران وتواجهها ببصيرة وثبات. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية التي يتم استهدافها بهذه الوحشية ليست دولة بمعزل عن محيطها؛ بل هي عمود الخيمة التي تظلل الأمة الإسلامية. حين يستهدف أمن طهران، يهتز أمان كل ناطق بالشهادتين في مشارق الأرض ومغاربها، وحين يسفك دم أطفالها، فإنما يسفك دم أجيال مستقبلية من الأمة جمعاء. إن دفاعها ليس دفاعا عن حدود جغرافية فحسب، بل هو ذود عن كرامة الإسلام، ومستقبل شعوبه التي أدركت أن العدوان لا يقيم حدودا ولا يعترف بحرمة حين يتعلق الأمر بفرض الهيمنة. أي ضمير إنساني يطيق أن يرى طفلة تقتل في فصل دروسها وشابا في ملعبه وعروسا يتضرج فستان زفافها الأبيض بدمائها_ ثم يبقى صامتا؟ وأي أمة تقبل أن يستباح دم أبنائها فيقال لها، «هذا شأن داخلي لا يعنيك» إن ما جرى ويجري هو اختبار لضمير الأمة الإسلامية وللعالم أجمع؛ فإما أن نكون أحرارا شرفاء نرفع راية الحق حيثما كان، أو أن نكون عبيدا أزلاء لمنطق القوة المعادية الذي لا يفرق بين بريء ومذنب ولا بين طفل ومقاتل.
هكذا تجسد تماما ما قاله العنوان: حين تتحول الأفراح إلى أقراح وأتراح. لم يكن هذا تحولا طبيعيا ولا قدرا محتوما، بل اقترفته أصابع لا تعرف الرحمة، خطته قرارات اتخذت في غرف مكيفة بعيدة عن لهيب النيران وعلى أنغام موسيقى إبليسية تمنع على آذانها سماع صرخات الثكالى. لقد أسقطت هذه الجرائم القناع عن الوجه الحقيقي للحكومة الأمريكية الذي لم يعد باستطاعة أحد إخفاؤه: وجه لا يبالي بحرمة طفولة ولا بقدسية فرح ولا بكرامة شعب بأكمله. فهي التي قصفت مدارس لتعمي المستقبل، ودمرت ملاعب لتشل الحيوية، ولطخت فساتين الزفاف البيضاء ببقع الدم الأحمر ومزقت بدلات الرجال ليلة البهجة وحولت عبارات التهنئة والتبريك إلى عبارات مواساة وتعزية. وأضرت بالبنى التحتية لتقطع سبل الحياة عن أناس ذنبهم الوحيد أنهم أحرار لا مكان لكلمة «العبودية» داخل قواميسهم ويأبون الخنوع. لن تنسى هذه الكبائر ولن تغتفر؛ فما يرتكب في الخفاء، وما يقترف في العلن امتداد لما يمارس في أوكار الرزائل، وما يصنع بحق الشعوب ليس ببعيد عما شهدته «جزيرة إبستين» من فظائع تشيب حين ذكرها رؤوس الغلمان، تلك التي هزت وجدان البشرية_ حيث خدشت البراءة بمخالب قوى الهيمنة وانتهكت الأعراض، وتجرع دم الطفولة الممزوج بنبيذ يعمي البصيرة ويجرد الإنسانية من معناها الحقيقي. وليست هذه الانحرافات منفصلة عن المنهج القائم؛ فمن يباح له استهداف عالم البراعم والبرعمات وانتهاك حرمات الأبرياء في ملاذات محمية، لا يستغرب منه أن يشرع الفساد ويبذره، ويعلي شأن التصرفات المنبوذة من الشرائع السماوية والأعراف الاجتماعية باسم «الحرية»_ في مخطط هدفه ضرب المنظومة القيمية والأسرية، ونشر ثقافة الانحدار التراجيدي ليسهل السيطرة على شعوب تفقد مرتكزاتها الأخلاقية. إن العدوان الخارجي والفساد الداخلي وجهان لعملة واحدة: تدمير الإنسان من الخارج والداخل معا. فكل قطرة دم سفكت ستبقى لعنة تلاحق الآثمين أينما حلوا وارتحلوا، وسيبقى السؤال معلقا في وجدان كل إنسان شريف: أين العدالة حين يرتكب القتل العمدي بحق الأبرياء بلا رادع ولا عقاب؟ وهل يذهب هذا الدم سدى؟ فالشعوب التي تعرف معنى الكرامة لا تنهار حين تصاب بسهام مسمومة، بل تصبح أكثر وعيا وإصرارا على المضي قدما. وإن غاب الحساب اليوم فهو آت. وسيبقى صوت الحق يرتقي ويصبح أعلى من هدير طائراتهم وأزيز قذائفهم وصفير صواريخهم، إلى أن يقام الإنصاف وتأخذ العدالة مجراها مصداقا لقوله تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}.
سوري صاحب قلم ورأي حر خارج الوطن.