اللقاء مع جوزاف عون... صكّ براءة لكل مجرم وخائن وإسقاط لمصطلح العمالة من القاموس.
مقالات
اللقاء مع جوزاف عون... صكّ براءة لكل مجرم وخائن وإسقاط لمصطلح العمالة من القاموس.
حسن علي طه
21 أيلول 2026 , 21:48 م

كتب : حسن علي طه

في كل مرة ترتفع فيها حظوظ الورقة الإيرانية، والتي يأتي في أولى بنودها وقف الحرب على لبنان، تبدأ مصادر جوزاف عون بالحديث عن لقاءٍ محتمل مع من يُفترض أنهم يمثلون المقاومة، وكأن المطلوب، عند كل منعطف سياسي، فتح بابٍ لإعادة تعويم العلاقة وطيّ صفحة ما جرى وكأن شيئًا لم يكن.

أمس، كتب ديوس القصر، جان عزيز، مقالًا يستجدي فيه الإسرائيلي تقديم أي تنازل في جبل عامل، بعدما انكشف، برأينا، ما سُمّي بـ«اتفاق الإطار» بجانبيه: الكاتب العبري والباصم جوزاف عون.

تلا ذلك تسريبات عن مساعٍ يقوم بها اللواء شقير، بالتواصل مع أحد أقارب زوجة عون، لترتيب لقاء مع حزب الله، ويشترط عون أن يكون اللقاء مع محمد رعد تحديدًا.

وهنا لا يعود السؤال: هل يحصل اللقاء أم لا؟

بل يصبح السؤال الأخطر: ماذا يعني حصوله؟ وماذا سيترتب عليه سياسيًا وأخلاقيًا وشعبيًا؟

نحن أمام رئيس نرى أنه خان الدستور، وغطّى، من موقعه، مسارًا دفع اللبنانيون، وخصوصًا أهل الجنوب، ثمنه دمًا وتهجيرًا ودمارًا. وأمام مسؤولية سياسية لا يمكن القفز فوقها بمجرد مصافحة أو صورة أو اجتماع خلف الأبواب المغلقة.

وعليه، فإن أي لقاء مع جوزاف عون، لا يمكن التعامل معه باعتباره لقاءً سياسيًا عاديًا، ولا مجرد تواصل تفرضه ضرورات السياسة. فهناك دماء وبيوت مهدمة وعائلات فقدت أبناءها، وهناك ذاكرة حرب لم يجفّ دمها بعد.

فماذا سيقول من يذهب إلى هذا اللقاء لمن ضحّى وهُجّر ودُمّر منزله؟

ماذا سيقول لأمّ شهيد ما زالت تنتظر وقع خطوات ابنها على باب البيت؟

ماذا سيقول لأبٍ دفن ابنه ثم عاد يبحث بين الركام عن صورة له؟

ماذا سيقول لعائلة خسرت منزلها ورزقها وعمرها كله، ثم طُلب منها الصبر والثبات والصمود؟

وماذا سيقول لمن بقي في أرضه تحت النار لأنه آمن بأن هناك قضية تستحق التضحية، إذا اكتشف في اليوم التالي أن السياسة قادرة على تحويل كل الخطوط الحمراء إلى طاولة لقاء؟

المسألة هنا أكبر من جوزاف عون نفسه.

إنها مسألة معنى.

معنى الدم، ومعنى التضحية، ومعنى العمالة، ومعنى الخيانة، ومعنى أن يكون هناك عدو وصديق، وأن تكون هناك حدود أخلاقية لا تستطيع السياسة محوها عندما تتغير المصالح.

فاللقاء، سيُقرأ على أنه صكّ براءة سياسي، ليس لجوزاف عون وحده، بل لكل من اتُّهم يومًا بالمساهمة في خدمة العدو أو تسهيل عدوانه أو تقديم المعلومات والإحداثيات له.

لأن السؤال الذي سيطرحه أي متهم بالعمالة بعد ذلك سيكون بسيطًا وقاسيًا:

إذا كانت السياسة قادرة على غسل كل شيء، فلماذا يُحاسَب الصغير ويُصافَح الكبير؟

وإذا كان من نحمّله مسؤولية سياسية عن دماء ودمار يمكن أن يتحول غدًا إلى شريك في لقاء وحوار، فما الذي يبقى من مفهوم العمالة أصلًا؟

عندها لن تعود كلمة «عميل» توصيفًا يحمل تبعات سياسية وأخلاقية وقانونية، بل ستتحول، في الوعي العام، إلى مجرد فشّة خلق؛ كلمة تُقال في زمن الصراع، ثم تُمحى عندما تتبدل الظروف.

وسيوقن كل من اتُّهم بالتعامل مع العدو أن المسألة مسألة وقت لا أكثر:

اصبر قليلًا...

غدًا تتغير السياسة.

غدًا تُفتح الأبواب.

غدًا تحصل المصافحة.

وغدًا نلتقي، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل العمالة، وقبل الدم، وقبل الخراب.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فالأوطان لا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل بوجود معايير أخلاقية ثابتة يعرف الناس أنها لا تتبدل بتبدل المصالح. وعندما يشعر الناس أن دماءهم يمكن أن تدخل بازار التسويات، فإن الضرر لا يصيب فريقًا سياسيًا وحده، بل يصيب ثقتهم بكل الشعارات التي طُلب منهم أن يضحوا تحت رايتها.

من هنا، فإن لقاء جوزاف عون، بالنسبة إلى أصحاب هذا الموقف، ليس صورة بروتوكولية ولا اجتماعًا عابرًا، بل حدث ستكون له دلالات تتجاوز الأشخاص والمواقع.

إنه امتحان لمعنى الوفاء للدم.

وامتحان لذاكرة الناس.

وامتحان للفارق بين الخصومة السياسية وبين ما يُنظر إليه بوصفه تجاوزًا لحدود الوطن والدم.

فالسياسة تستطيع أن تعقد التسويات، وأن تغيّر التحالفات، وأن تفتح قنوات الحوار مع الخصوم، لكن ما لا يجوز لها أن تفعله هو أن تجعل دم الناس تفصيلًا قابلًا للنسيان.

لقاء جوزاف عون، إذا حصل ستكون تداعياته السياسية والشعبية عميقة؛ لأنه لن يُفهم عند كثيرين على أنه مصالحة بين خصمين، بل على أنه إسقاط للحدود بين الخلاف والخيانة، وبين الخصومة والعمالة.

وحين تسقط هذه الحدود، لا يعود السؤال: من العميل؟

بل يصبح السؤال الأكثر مرارة:

إذا كان كل شيء قابلًا للمصافحة غدًا، فلماذا دفع الناس كل هذا الثمن بالأمس؟