✍️ عبد الله علي هاشم الذارحي
في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، تتشابك فيها ذاكرة التاريخ بملامح الميدان المتفجر، اتت رسالة قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى الخامنئي، لتضع حدًا فاصلًا بين أوهام الهيمنة الاستعمارية وحقيقة التحولات الكبرى التي صنعتها إرادة الشعوب.
لم تكن رسالة قائد الثورة مجرد استذكار للمحطات أو رثاء للشهداء القادة، إنما جاءت صياغة لمفهوم «أيّام الله» كقانون تاريخي يحكم الصراع بين الحق والباطل، وبيانًا استراتيجيًا يحدد موقع المقاومة كقوة عظمى لا يمكن تجاوزها.
استحضر الخطاب البدايات الشاقة للجمهورية الإسلامية خلال الحرب المفروضة الأولى، حيث وُلد النظام من قلب الرماد كطائر الفينيق الذي كلما أُريد له الخناق والاندحار، نهض بقوة أكبر وتحليق أرفع.
ومن المقارنة بين الماضي والحاضر، يتجلى التحول الهيكلي في موازين القوى:
•عسكريًا وبحريًا: انتقال خطوط المواجهة من التهديد المباشر للموانئ والمضايق الوطنية إلى انكفاء القوى الأجنبية خائفة خلف بحر العرب، حيث تحول «مضيق هرمز» من نقطة ضعف مجردة إلى ساحة اقتدار وطني.
•شعبيًا وميدانيًا: إبراز الصورة الملحمية للحاضنة الشعبية التي تجاوزت منطق الدفاع الإداري إلى الجاهزية التامة؛ حيث يُلبي مئات الآلاف النداء في دقائق معدودة، وصاروا الآن أكثر من ثلاثين مليون، في دلالة على تلاحم اجتماعي متماسك يرسخ مبدأ الشجاعة المتبادلة بين الرجال والنساء في ساحات التكليف.
وأخذت الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أمير العرب والبطل الجليل السيد حسن نصر الله (قدس سره) موقعًا محوريًا في الخطاب، حيث أُعيد تأطير مكانته التاريخية ليس فقط كقائد لـ«حزب الله»، بل كأعظم شخصية شهدتها أرض بلاد الشام عبر تاريخها المعاصر والقديم بعد الأنبياء والأوصياء.
لقد نقل السيد القائد الشهيد حسن نصر الله لبنان من «ساحة خلفية» للتجاذبات الدولية إلى مركز ثقل يفرض إرادته، مجسدًا مدرسة خلدت اسمها في ذاكرة الأحرار.
وفي هذا السياق، تؤكد الرسالة على استمرارية هذه الراية واستقرارها في يد الأمين العام الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله)، لتؤكد أن البناء المؤسسي والفدائي لجبهة المقاومة عصيّ على الانكسار، وأن المدرسة التي أسسها سيد الشهداء تواصل إنتاج المجد في طليعة صفوف عاشورائية لا تعرف التراجع.
تضمنت الرسالة فرزًا قيميًا وتاريخيًا صريحٕا بين طريقين لا يلتقيان:
•طريق المقاومة والشهداء: الذي يتلألأ رجاله كأنجم ساطعة تهتدي بها الأجيال، حيث يغدون منارات للحق والعزة والإنسانية.
*طريق التبعية والسراب: للذين ارتهنوا للوعود الكاذبة للمهيمنين وركنوا للعدو الصهيوني؛ وهؤلاء مزابل التاريخية بانتظارهم، وأن ذكرهم سيبقى ملاحقًا بالسوء والخيانة والتدبير الفاشل.
ختامًا، ترسم الرسالة رؤية واثقة للمرحلة المقبلة؛ فرغم الفقد الكبير لقيادات تاريخية تركت أثرًا لا يُمحى كالإمام الخميني والسيد القائد الشهيد (قدس الله أسرارهما)، إلا أن الكنز الفكري والروحي الذي تركاه يجعل المستقبل أكثر مجدًا.
بالتالي فلم تعد المقاومة مشروعًا محليًا يردع التهديدات عن حدود دوله فحسب، لكن بوحدة الساحات أصبحت مظلة أفقية يمتد ظل تحليقها فوق أراضي العدو الصهيو أمريكي وعملائه، مما يؤكد أن عصر الذل والهوان قد ولى بلا رجعة، وأن مستقبل المنطقة تصنعه دماء الشهداء وثبات المجاهدين في الميادين، والعاقبة للمتقين.
Compose:
New Message