عبد الحميد كناكري خوجة: تراجيديات التطرف والإرهاب: سيوف تقطع الرقاب، وخناجر تبتر الحناجر، وفؤوس تفصل الرؤوس.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: تراجيديات التطرف والإرهاب: سيوف تقطع الرقاب، وخناجر تبتر الحناجر، وفؤوس تفصل الرؤوس.

«أخطر الأقنعة هو القناع الذي يرفع اسم السماء، بينما يترك الأرض رمادا.»

«سماحة السيد علي خامنئي «ق»...حين تكون البصيرة حارس العقيدة، ويغدو صوت القائد إنذارا مبكرا من فتنة تتدثر بثوب الدين؛ قراءة في رؤيته الناقدة للغلو والتكفير، وتحذيره من توظيف المقدس في تمزيق وحدة المسلمين، وفي جذور الفكر المتطرف ومسارات تمويله وتوظيفه، حين يتحول الخطاب المنغلق إلى وقودا لصراعات تستنزف الدول والجيوش والمجتمعات، وتضرب السلم العربي والإسلامي والعالمي.»

لماذا نرفع الصوت في وجه التطرف والإرهاب؟ لأن الدفاع عن الإسلام لا يكون بالصمت حين يختطف اسمه، ولا بالتساهل حين تستباح برسالته الدماء. فالإسلام أوسع من أن يحبس في كهف الكراهية، وأنقى من أن تغسل باسمه السكاكين، وأرحم من أن يتحول كتابه إلى ذريعة لقتل الإنسان. إن مواجهة هذا الفكر الدموي المنحرف ليست حربا مني على الدين، بل دفاع عن حقيقته، وعن المسلمين الذين يدفعون ثمن صورته المشوهة، وعن الإنسان الذي لا ينبغي أن يكون وقودا لصراعات السياسة والنفوذ.

تبدأ المأساة حين يتحول الاختلاف إلى تكفير، والتكفير إلى استباحة، والنص إلى متراس مغلق لا يسمح للعقل أن يقترب منه. وفي بعض القراءات المتشددة، تنتزع النصوص من سياقاتها، وتستدعي روايات ضعيفة أو دخيلة، وما عرف في التراث ب «الإسرائيليات»، لتبنى عليها تصورات قاسية عن الدم والعقاب والصراع، بعيدة عن مقاصد الإسلام في حفظ النفس والكرامة وصيانة العمران. وحين يتحول الخطاب الديني المنغلق إلى أداة للتحريض، وتختزل الأمة في لون واحد، ويتحول الاختلاف إلى تهمة، ويصبح دم المخالف أهون من الحبر الذي تكتب به الفتاوى، نكون أمام فكر لا يزرع الهداية، بل يحصد الفتنة. ومن عباءة دينية موشاة بالشعارات، خرجت قراءات جعلت التكفير سلما، والتحريض منبرا، وهدر دماء الآخرين مادة لخطاب يزعم احتكار الحقيقة. ولا تتوقف الكارثة عند الضحية مباشرة؛ فالتطرف يطعن في صورة الإسلام العالمية، ويصب الزيت على نار الإسلاموفوبيا. ويمنح المتربصين بالدين ذريعة لتسوية جرائم جماعات محددة على أمة كاملة. لكن الخطر يتعاظم حين تلتقي العقيدة المنغلقة بالمال والنفوذ والحسابات السياسية. ويشهد التاريخ كيف تستثمر الانقسامات الدينية والمذهبية لإضعاف الخصوم وإعادة تشكيل موازين القوة. وفي مراحل مختلفة، وأشارت تقارير ودراسات مؤكدة إلى قنوات تمويل ودعم ساهمت في اتساع نفوذ تيارات متشددة؛ وهي مسائل ينبغي فحصها حالة بحالة، بالوثيقة والدليل بعيدا عن التعميم. وحين تختلط الأموال بالحسابات السياسية، قد يصبح الخطاب المتشدد وقودا لصراعات تستنزف الدول والجيوش، وتفتح أبواب الفوضى والتشريد. وفي هذا المشهد في تقدير الكثيرين وتقديري، تتوارى خلف بريق الثروة قصور مزخرفة، وعروش مرصعة، وأبراج مضيئة، ومنابر تكثر الحديث عن الدين، بينما تترك نار الفتنة تأكل أطراف الأمة. والأشد مرارة أن هذه العصابات التي ترفع رايات الدين وتستبيح دماء المخالفين، لا توجه فوهات بنادقها إلى من يحتل الأقصى ويدنس المقدسات الإسلامية والمسيحية؛ بل تنقلب أسلحتها إلى الداخل، فتستنزف المدن والجيوش والبنى التحتية، ويقتل المسلم على يد المسلم، ويستهدف المسجد والكنيسة، بينما يبقى الاحتلال بعيدا عن مرمى تلك الفوهات. وأي مفارقة أشد قسوة من أن يصبح القريب هدفا، والبعيد آمنا؟ وأن تستباح حرمة الدم، فيما تترك حرمة المقدسات تحت ظلال الاحتلال؟ ولم تكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمنأى عن نيران هذا الفكر الإرهابي المتطرف؛ فقد عرفت تفجيرات وعنفا مسلحا وسقوط ضحايا من المدنيين وحماة الوطن من أبناء المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. وفي المقابل، برز في خطاب فقيد الأمتين العربية والإسلامية السيد علي خامنئي «ق» تحذير متكرر من التكفير والطائفية واستغلال الدين لتفريق صفوف المسلمين، ودعوة إلى مواجهة التطرف بعيدا عن التعميم والكراهية. كما جاءت رسالتا سماحته إلى شباب أوروبا وأمريكا الشمالية الأولى في 21 يناير/كانون الثاني 2015، والثانية في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2015, في سياق دعوته إلى التعرف إلى الإسلام مباشرة، وعدم اختزاله في صور العنف التي تروج لها جماعات متطرفة أو توظيفات سياسية. وفي عدد من ساحات الصراع، تعرضت قوى وحركات تصنف ضمن محور المقاومة العادلة المطالبة بالتحرر، لاستهداف من جماعات تكفيرية ومتطرفة. وعندما تفتح جبهات داخلية عنيفة، تتوزع الموارد والقدرات بين مواجهة الخصوم الخارجيين واحتواء التهديدات الداخلية، فتزداد الأعباء الأمنية والعسكرية والسياسية. فحين يستنزف الإرهاب قوة منشغلة أصلا بصراع خارجي، فإنه يشتت مواردها، ويفتح جبهات جديدة، ويضعف قدرتها على التركيز في قضاياها الكبرى، وهذا ما شهدته بعض الدول العربية بفتاوى مشايخ الناتو وبصمات مليشياتها الدموية المسيئة لدين الإسلام الحنيف.

الإسلام ليس سيفا معلقا فوق الرقاب، بل رسالة كرامة ورحمة؛ وليس نارا تأكل الأوطان، بل نورا يبدد عتمة الجهل. والتطرف شجرة مسمومة مذمومة: جذورها في الغلو، وساقها في التعصب، وثمرتها دم لا يشبع. فليسقط القناع عن الفكرة قبل أن نحصي المزيد من ضحاياها، ولنقطع الطريق على من يجعل الدين جسرا إلى الكراهية، والمال حطبا للحرب، والإنسان رقما في سجل الدم.

وأخطر الحروب ليست دائما تلك التي تسمع فيها المدافع، بل تلك التي تمول في الظلام ثم يطلب من الشعوب أن تدفع ثمنها في وضح النهار؛ فأشد الأقنعة خطرا، هو القناع الذي يرفع اسم السماء، بينما يترك الأرض رمادا. والإسلام الحنيف أعظم شأنا ورحمة ورأفة.

كاتب دمشقي حر.