عبد الحميد كناكري خوجة: الاهتمام بتوجيه أصابع الاتهام، وافتعال الخصام.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: الاهتمام بتوجيه أصابع الاتهام، وافتعال الخصام.

« الهندسة السياسية للصراعات »

«حين تتخفى الفتنة وراء ستار الاتهام، وتحاك خيوط الفرقة في دهاليز الإيهام؛ قراءة في هندسة التضليل، وصناعة الخصوم، وتسعير الصراعات بين الشعوب، حيث توجه السهام إلى غير رماة الأقواس، وتستثمر الأوهام لإشعال الحرائق في بيوت الجيران.»

ليست كل نار تشتعل في بيت من أوقدها، ولا كل إصبع تشير إلى متهم، تكشف عن الفاعل الحقيقي؛ ففي جيوسياسة الفوضى، قد تتقدم الرواية على الواقعة، ويسبق الحكم الدليل، وتستدرج الشعوب إلى خصومات لا تعرف من أشعل فتيلها، ولا من ينتظر حصاد رمادها. وحين تتقن الدعاية ارتداء ثوب الحقيقة، يصبح التضليل مرآة مشروخة، يرى فيها الناس ما أريد لهم أن يروه، لا ما تكشف الوقائع.

إن أخطر ما يهدد تماسك الأمة ليس اختلاف المشارب وتباين الاجتهادات، بل تحويل التنوع إلى تناحر، فيما تتوارى الأيدي التي تتغذى على اتساع الشقوق، وتنتظر أن تتحول خلافات الأشقاء إلى أبواب مشرعة للمتربصين. إن من يستثمر في تصدع الأمة لا يحتاج دائما إلى اختراع الخلاف؛ يكفيه أن ينفخ في شرارته، ويكسو الشائعة ثوب الحقيقة، حتى يغدو الاختلاف استنزافا، والتباين استعداء.

هندسة الاتهام ومتاهات التضليل

في مختبرات الصراع الجيوسياسي، لا تقاس خطورة السلاح بما يخلفه من دمار مادي فحسب، بل بما يزرعه من شكوك، وما ينسجه من خصومات، وما يتركه من ندوب في ذاكرة الشعوب. وقد تكون الكلمة الموجهة أسبق من القذيفة أثرا في العقول، وتمنحها في المخيال عدوا جاهزا، قبل أن تتضح حقيقة الواقعة وملابساتها. تلك هي هندسة التضليل.إنتقاء للخبر، واجتزاء للسياق، وتضخيم للاتهام، حتى يتقدم الظن في هيئة يقين، ويحاكم المتهم قبل أن تستكمل البينة. وحين تستحضر حرمة الأماكن المقدسة في ميدان التجاذب السياسي، تصبح العاطفة الدينية هدفا سهل الاستثارة. وفي عامنا الجاري، أثيرت واقعة الإعلان عن اعتراض مقذوف قيل إنه كان متجها إلى مكة المكرمة، وسط توجيه إصبع الاتهام إلى اليمن، الذي نفى مسؤوليته عن الحادثة وأكد احترامه مرارا وتكرارا لحرمة الأماكن المقدسة. وقد فتحت الواقعة، وما أحاط بها من روايات متضاربة، باب التساؤل حول احتمال توظيفها سياسيا لتوسيع دائرة المواجهة مع اليمن، في سياق إقليمي تتشابك فيه الحسابات السياسية والعسكرية. وذهبت بعض القراءات إلى احتمال استفادة أطراف إقليمية من تأجيج هذا المسار، الأمر الذي يستدعي التثبت من المعطيات، والتمييز بين الوقائع المثبتة والفرضيات المتداولة؛ فحرمة الأماكن المقدسة أسمى من أن تتحول إلى ذريعة لتأجيج الصراعات بين أبناء الدين الواحد. وتذهب قراءات الى احتمال وجود مصلحة إسرائيلية في تأجيج هذا المسار وتوسيع نطاق الحرب.

وليس السؤال السياسي الأعمق: من استفاد من اتساع الشقاق فحسب، بل كيف يستثمر الشقاق، ومن يملك مصلحة في إبقائه مفتوحا؟ فالاستفادة لا تثبت المسؤولية، لكنها تفتح باب البحث في السياسات والوقائع والتحالفات. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل المشروع الصهيوني التوسعي عن سجل الاحتلال في القتل والتهجير والترويع والفظائع الموثقة بحق المدنيين والمقدسات الإسلامية. وفي طليعتها المسجد الأقصى الشريف. كما أن السياسات الأمريكية التي توفر الغطاء السياسي والعسكري للاحتلال تستحق مساءلة جادة بقدر ما تثبته القرارات والممارسات؛

فحين يحمى المعتدي من المحاسبة لا يبقى الإفلات من العقاب خللا عابرا، بل يصبح جزءا من معادلة تمنع الشائعة، وما أشد المفارقة حين تتنازع الشعوب الإسلامية على روايات لم تمحص، وتستنزف طاقاتها في خصومات جانبية، بينما تظل المقدسات عرضة للانتهاك، وتبقى جراح المظلومين مفتوحة؛ إن العدو الذي يستثمر في التصدع لا يحتاج دائما إلى اختراع الخلاف؛ يكفيه أن ينفخ في شرارته، ويمنح الشائعة لسانا، والريبة منبرا، حتى تتحول الخلافات السياسية إلى حواجز نفسية يصعب عبورها. وهنا تتجلى خطورة الفتنة: أن توجه السهام إلى الجوار، بينما تتسع المسافة بين الأمة وأولوياتها الكبرى. إن الوحدة الإسلامية باتت أكثر ضرورة، فالوحدة لا تلغي الاجتهاد ولا مطالبة الناس بالتطابق في الرأي؛ بل تعني أن يكون الحوار جسرا لا خندقا، وأن تبقى كرامة المسلم مصانة مهما اختلفت مدرسته الفقهية أو خلفيته الفكرية. والمذاهب، حين تتحاور بوعي واحترام، تثري الفكر؛ وحين تستعمل وقودا للتحريض، تتحول إلى متاريس يستفيد منها كل من يريد للأمة أن تنشغل بنفسها عن قضاياها المصيرية. وقد لخص القرآن الكريم عاقبة التنازع بقوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ وأرسى قاعدة التثبت بقوله سبحانه: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾

حين تصمت البصيرة، يتكلم الاتهام

ليست البراعة في توجيه إصبع الاتهام، بل في كشف اليد التي تعبث بخيوط الفتنة؛ وليست الخسارة أن تختلف الدول والشعوب، بل أن يتحول اختلافها إلى استنزاف يوسع نفوذ المتربصين، ويحول الأخوة إلى غبار، والجوار إلى جدار. فالأمم التي تستعجل الإدانة قبل اكتمال الدليل قد تجد نفسها في محاكمات متبادلة، فيما يظل المستفيد من اتساع انقسامها بعيدا عن دائرة المساءلة. إن صيانة الأمة تبدأ من عقل لا تستعبده الشائعة، وبصيرة لا تخدعها الشعارات، وحوار عقائدي لا يسمح للخلاف أن يتحول إلى عداوة. وتبدأ كذلك من موقف واضح إزاء الاحتلال وانتهاك المقدسات، ومن تضامن يحفظ للشعوب كرامتها وسيادتها، فلا تستدرج إلى معارك جانبية تنسيها جوهر التحدي. فلا تجعلوا إصبع الاتهام بوصلة للأمم؛ فقد تشير السهام إلى الواجهة، فيما تختبئ الحقيقة خلف الستار، ولا يبدد الظلام إلا وعي يستبين، وأخوة تتحصن، وحقيقة لا تساوم.

بتوقيع كاتب دمشقي حر.