كتب: موسى عبّاس
لم تعد التقارير الصادرة من عواصم القرار في واشنطن وأوروبا أو من أروقة كيان الاحتلال تتحدث عن "احتمال" حرب جديدة في الشرق الأوسط، بل أصبحت تُركّز على "التوقيت الحرج" لهذه المواجهة. غير أن القراءة السطحية للتحليلات السياسية، التي تكتفي بالربط بين المواعيد الانتخابية لدى دولة الاحتلال والانتخابات الأمريكية، تفوت الجوهر الحقيقي للصراع.
الحرب القادمة لم تعد مجرد سيناريو مُحتمل، بل هي معركة بدأت بالفعل وتتجاوز حدود الإقليم لتلامس معيشة المواطن في طوكيو ولندن وواشنطن وسيدني. فسعرها الحقيقي لا يشتعل في مضيق هرمز كما يُخيّل للغالبية، بل في باب المندب. وما شهده العالم من توترات متفرقة وأزمة في سلاسل الإمداد ليس سوى غطاء استراتيجي للمسرح الفعلي للعمليات في البحر الأحمر.
أولاً: أمريكا والغرب.. إدارة الأزمات بلا فاتورة انتخابية أو اقتصادية
لفهم الموقف الأمريكي والأوروبي، يجب التوقف عن قراءة الخطابات الموجهة للإعلام، والبدء بقراءة المخاوف الحقيقية للبيت الأبيض والعواصم الغربية.
القيادة في واشنطن وأوروبا لا تخشى الملفات السياسية البعيدة بقدر ما تخشى سعر برميل النفط وتأثيره التضخمي المباشر على أسعار الوقود والسلع في الأسواق الغربية عشية الاستحقاقات الانتخابية وضغوط تكلفة المعيشة. وتؤكد المعطيات أن القيادة المركزية باتت في جاهزية قتالية عالية، ومع ذلك يصر الخطاب السياسي الغربي على إرسال رسائل التهدئة لأسواق المال.
هذا ليس تناقضاً بل استراتيجية إدارة مخاطر؛ إذ تعلم واشنطن وبروكسل من تجارب المواجهات السابقة أن أي ضربة عسكرية غير محسوبة في المنطقة تُترجم فوراً إلى ارتفاع قياسي في أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس هزات تضخمية عنيفة في الاقتصادات الغربية. لذا تُطبّق الإدارة الأمريكية معادلة دقيقة: تهدئة معلنة لأسواق الطاقة مقابل جاهزية قتالية كاملة في الميدان.
الخطاب السياسي الغربي يمهد الرأي العام لضربة تُنفّذ عند الضرورة؛ ضربة يُسوّق لها على أنها خطوة لضمان تدفق الإمدادات وخفض الأسعار، لا لرفعها. ومن هذا المنطلق، فإن الحرب القادمة لن تبحث عن مبررات تقليدية، بل عن مبرر ملاحي بامتياز: أي احتكاك في هرمز، أو أي هجوم يوقع خسائر في الصفوف الأمريكية أو الغربية، سيكون الذريعة الكافية لتفجير الصراع.
ثانياً: بنيامين نتنياهو.. إدارة الأزمات وتكتيك الهروب إلى الأمام
في المعادلة الإقليمية والدولية، يمثل رئيس حكومة الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، المتغير الأكثر اندفاعاً ونفعية. بالنسبة لقيادة دولة الاحتلال، لم تكن الحرب خياراً دفاعياً بقدر ما هي "أداة بقاء سياسي".
1. الهروب من الاستحقاقات الداخلية
تواجه المؤسسة الصهيونية أزمات سياسية وانقسامات داخلية غير مسبوقة. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الصهيونية، تدرك الحكومة الصهيونية أن بقاءها يكمن في إبقاء الجبهات مشتعلة. يُتقن نتنياهو استخدام التهديد الأمني كطوق نجاة لتأجيل الاستحقاقات أو إعادة صياغة أولويات الشارع الصهيوني تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
2. التنسيق المصلحي وتأطير التصعيد الممنهج
يتقاطع المسار الصهيوني مع الحسابات الأمريكية في مفهوم "التصعيد المُدار". نتنياهو يدرك أن شن حرب شاملة ومفاجئة قبل الانتخابات الأمريكية قد يغضب واشنطن بسبب ضرب أسواق النفط. لذلك، تعتمد الاستراتيجية الصهيونية على تنفيذ ضربات انتقائية واغتيالات واعتداءات محسوبة تُبقي المنطقة في حالة طوارئ مستمرة وتتيح للحكومة الصهيونية تبرير إجراءاتها الاستثنائية.
3. تسويق "البديل الصهيوني" لحماية الممرات
تأتي تصريحات نتنياهو واستعراضاته العسكرية لمحاولة فرض الكيان الصهيوني كـ "حامي أمني جديد" لدول المنطقة أمام تهديدات باب المندب وهرمز. يسعى كيان الاحتلال لبيع هذه الرؤية للإدارة الأمريكية والغربية، متظاهراً بتقديم مظلة أمنية بديلة توفر القوة وتضمن بقاء الحكومة الصهيونية كشريك لا غنى عنه في حماية طرق التجارة الدولية.
ثالثاً: أنصار الله.. من حركة محاصَرة إلى "سلطة مضيق" فرضت معادلة الردع
على عكس المقولة الشائعة في الإعلام الغربي التي تُصوّر حركة "أنصار الله" كأداة تنفيذية طيّعة لطهران، فإن واقع الأحداث والميدان يؤكد أن قرار الحركة ينطلق أولاً وأخيراً من حسابات وطنية يمنية ورؤية استراتيجية ذاتية فرضتها ظروف الصراع للحفاظ على بقائها وانتزاع حقوق شعبها.
1. الحصار الاقتصادي هو الشرارة الحقيقية
لم يبدأ أنصار الله التصعيد الجاري في البحر الأحمر وباب المندب من فراغ؛ بل جاء تحركهم كقوة ردع رداً مباشراً على استمرار الحصار الاقتصادي والملاحي، وفي مقدمته استهداف وقصف مطار صنعاء الدولي، وتعطيل الموانئ، والالتفاف على التزام رفع الحظر وتدفق الموارد الأساسية وصرف مرتبات الموظفين.
2. باب المندب ورقة قوة لمواجهة الشروط السعودية
السعودية (محاصرة بين ممرَين)
مضيق هرمز] وصادرات نفطية حيوية مهددة (70%)
[باب المندب] صمود أنصار الله ومشاريع البحر الأحمر تحت المرمى
أدرك أنصار الله أن السيطرة الجيوسياسية والعسكرية على باب المندب تُحوّل موقعه من جغرافيا محاصَرة إلى "مركز ثقل استراتيجي لا يمكن تجاوزُه". أصبحت السيطرة على حركة الملاحة أداة ردع اقتصادية وسياسية تمنع محاولات فرض إملاءات أحادية وتُحاصر مساعي إبقاء اليمن تحت الحصار.
3. التنسيق المتكافئ مع طهران وحصاد أوراق الضغط
إن العلاقة بين أنصار الله وطهران ليست علاقة تابع ومتبوع، بل هي تحالف نِدّي وتقاطع مصالح استراتيجي. تحرّكَ أنصار الله انطلاقاً من مظلوميتهم ومتطلبات فرض معادلتهم اليمنية، ونجاحهم في التحول إلى "سلطة مضيق" تُحسب لها شركات الملاحة والتأمين ألف حساب، منح إيران تلقائياً ورقة ضغط إقليمية إضافية بالغة القوة على طاولات المفاوضات الدولية، بفضل هذا التنسيق والتحالف بين الطرفين.
رابعاً: العقيدة الإيرانية الجديدة.. الحصار المزدوج واستغلال أوراق الميدان
طوّرت طهران عقيدتها الاستراتيجية للتعامل مع التهديدات الغربية والصهيونية؛ فبعد أن كان الخطاب الإيراني يركز سابقاً على التهديد المباشر بإغلاق مضيق هرمز رداً على أي اعتداء، أدركت طهران أن الإغلاق المباشر للمضيق خطوة قد تستدعي مواجهة عسكرية أمريكية واسعة ومباشرة يمكن لواشنطن فتحها خلال أسابيع.
بدلاً من ذلك، اعتمدت طهران استراتيجية "الحصار المزدوج":
"لماذا تتم المواجهة المباشرة مع الأسطول الخامس الأمريكي، بينما يمكن ممارسة الضغط على الحليف الإقليمي الذي يمثل الركيزة المالية واللوجستية للوجود الأمريكي؟"
الاستراتيجية الإيرانية في هرمز لا تتطلب إغلاق المضيق بالكامل، بل يكفي رفع كلفة التأمين البحري وتغذية حالة عدم اليقين لرفع أسعار الطاقة وإبقاء الغرب تحت الضغط. وفي الوقت نفسه، يتيح نجاح تحالفها مع "أنصار الله" في باب المندب إطباق الحصار المالي واللوجستي عبر مضيقين حيويين.
بهذا الشكل، تُدار معركة الممرات بمرونة؛ حيث تصبح الشكاوى الإقليمية والدولية بشأن البحر الأحمر موجهة رسمياً إلى صنعاء لا إلى طهران، مما يُربك خيارات الرد الأمريكي المباشر ويفرغ أي ضربة موجهة لإيران من قيمتها الحاسمة.
خامساً: السعودية.. الهروب من الاستحقاق بالتحالفات الجديدة ورفض الوساطة
تتجلى المفارقة التاريخية والسياسية في الموقف السعودي؛ فبعد تجربة حرب 2015 التي فشلت في إخضاع صنعاء، تجد الرياض نفسها اليوم محاصرة بين تهديدين ملاحيين (هرمز وباب المندب) يهددان صادراتها النفطية ومشاريع البحر الأحمر العملاقة.
ورغم هذا الانسداد الميداني والجيوسياسي،لا تزال السعودية تُقاوم الدخول في تفاوض مباشر حاسم يُلبي المطالب الاقتصادية والسياسية لصنعاء، بل تفعل العكس تماماً:
الاستمرار في رفض التفاهم المباشر الشامل: تتردد الرياض في الإقدام على التوقيع النهائي لخارطة الطريق وتطبيق بند صرف المرتبات ورفع الحصار الكلي عن الموانئ والمطارات.
محاولة بناء تحالفات عسكرية جديدة: تسعى السعودية لتشكيل وتحشيد حلف عسكري بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة وخوض المواجهة نيابة عنها، مستنسخةً تجربة تحالف 2015 رغم ثبوت عدم جدواها أمام التكتيكات البحرية والصاروخية لأنصار الله.
رفض الوساطة الإيرانية: رغم عرض وزير الخارجية الإيراني المساعدة والوساطة لحل الأزمة والتوسط بين الرياض وصنعاء، إلا أن السعودية ما زالت ترفض هذه المبادرات، مراهنةً على الغطاء الأمريكي-الغربي ورفضاً لمنح صنعاء وطهران مكاسب سياسية ديبلوماسية كبرى.
تضع هذه السياسةُ السعوديةَ في حالة استنزاف دائم؛ فلا هي نجحت في كسر معادلة الردع التي فرضها أنصار الله، ولا هي استطاعت حماية وارداتها ومشاريعها الواعدة من تداعيات حرب الممرات.
— حرب الـ 180 دولاراً للبرميل
لن تبدأ الحرب القادمة بضربة خاطفة للمنشآت النووية، ولن تنتهي ببيانات النصر التقليدية.
إنها حرب بدأت بالفعل عبر تداعيات تمس المواطن الأوروبي والأسترالي والعربي على حد سواء، من خلال:
ضربات متفرقة واستنزاف للموانئ والمطارات وإطباق معادلات الضغط.
ارتفاع متصاعد في أسعار التأمين البحري وتكاليف الشحن التي تثقل كاهل سلاسل الإمداد العالمية.
تغيير مسارات السفن التجارية نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما يرفع أسعار السلع الاستهلاكية في الأسواق العالمية.
وسيكتشف العالم تدريجياً أن أكثر من 24% من تجارة الطاقة العالمية و12% من حركة الحاويات أصبحت رهينة التجاذبات الممتدة بين مضيقين مائيين.
عندها فقط، قد تتجه واشنطن وحلفاؤها لتدخل عسكري واسع النطاق، ليس بغرض حظر البرامج النووية، بل لفرض حركة الملاحة بالقوة. وفي المقابل، سيعمد الخصوم إلى شل الحركة البحرية تماماً.
المنتصر في هذه المعركة ليس من يمتلك الترسانة العسكرية الأحدث، بل من يستطيع تحمل تبعات وصول سعر برميل النفط إلى 150 - 180 دولاراً لفترة أطول.
واشنطن وعواصم الغرب تريد حرباً سريعة تضبط الأسواق وتحمي استقرارها الاقتصادي، بينما يراهن الخصوم على حرب استنزاف ترفع الكلفة الاقتصادية لجعل استمرار المواجهة خياراً غير ممكن للغرب.
والخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو الاقتصاد العالمي بأسره، الذي يدفع ثمن تحول باب المندب من ممر تجاري دولي إلى نقطة انتزاع حقوق وسيادة سياسية لليمنيين، وتحول هرمز من شريان للنفط إلى أكبر أوراق التفاوض الإقليمي والدولي.