اكتشف الباحثون وجود عدد أكبر من العناصر الجينية المتحركة لدى الأطفال الذين تم إنجابهم باستخدام الإخصاب المخبري ، وهي عناصر قادرة على الانتقال داخل الحمض النووي والاندماج في مواقع جديدة منه.
وتتجمع هذه العناصر بالقرب من مناطق جينية مسؤولة عن عمليات التمثيل الغذائي ووظائف القلب وتطور السرطان، وهو ما قد يساعد على تفسير ارتفاع مخاطر الإصابة ببعض الأمراض في مراحل لاحقة من الحياة.
ما الجينات المتحركة وكيف تعمل؟
ساعد الإخصاب المخبري ملايين الأزواج على إنجاب أطفال يحملون صفاتهم الوراثية، لكن هذه التقنية قد تكون لها تأثيرات غير متوقعة على مستوى الجينوم، وهو مجموع المادة الوراثية في الخلايا.
وتشير الدراسة إلى أن العناصر المتحركة في الحمض النووي لدى الأطفال الذين تم إنجابهم بهذه الطريقة تتصرف بصورة مختلفة عن نظيراتها لدى الأطفال الذين تم إنجابهم بصورة طبيعية. وقد يساعد ذلك على تفسير ارتفاع مخاطر الإصابة ببعض الأمراض مع التقدم في العمر.
ويتعلق الأمر بعناصر LINE-1، وهي اختصار لعبارة Long Interspersed Nuclear Elements-1، وتعرف بالعناصر النووية الطويلة المتناثرة من النوع الأول. وتوصف هذه العناصر أحيانا بأنها جينات قافزة، لأنها تستطيع نسخ نفسها وإدراج نسخ جديدة في مواقع مختلفة من الجينوم.
وتبقى معظم أجزاء الحمض النووي في مواقعها، لكن عناصر LINE-1 تنتمي إلى عائلة من العناصر الجينية المتنقلة التي يتركز نشاطها بصورة أساسية خلال التطور الجنيني.
ويطلق على هذه العناصر أحيانا اسم «المادة المظلمة» للجينوم، نظرا إلى أن وظائفها وتأثيراتها لم تتضح بالكامل بعد. كما يمكن أن يشير نشاطها إلى تعرض الخلايا للإجهاد.
وفي دراسة سابقة على الفئران، وجد الباحثون أن صغار الفئران التي حُرمت من رعاية أمهاتها أظهرت نشاطا أعلى لعناصر LINE-1 في منطقة الحصين بالدماغ، وهي منطقة تؤدي دورا مهما في الذاكرة والتعلم.
هل يؤثر الإجهاد الناتج عن الإخصاب المخبري في الجينات؟
تتعرض الأجنة خلال الإخصاب المخبري لظروف تختلف عن تلك الموجودة داخل الجسم، بما في ذلك الأوساط الغذائية الاصطناعية والتغيرات في درجات الحرارة والتدخلات اليدوية أثناء التعامل مع الأجنة.
ودفع ذلك باحثين من جامعة صن يات صن في مدينة قوانغتشو الصينية إلى دراسة ما إذا كان الإجهاد الناتج عن هذه الظروف يمكن أن يؤدي إلى تنشيط العناصر الجينية المتحركة لدى البشر.
كيف أجرى الباحثون الدراسة؟
جمع فريق البحث عينات دم من ثلاث مجموعات من الأطفال، شملت:
20 طفلا تم إنجابهم باستخدام الإخصاب المخبري التقليدي.
13 طفلا تم إنجابهم باستخدام الحقن المجهري للحيوانات المنوية داخل البويضة، المعروف اختصارا باسم ICSI.
42 طفلا تم إنجابهم بصورة طبيعية.
وشملت الدراسة أيضا ثلاثة أزواج من الإخوة والأخوات من الوالدين نفسيهما، كان أحد الطفلين في كل أسرة قد تم إنجابه باستخدام الإخصاب المخبري، بينما تم إنجاب الآخر بصورة طبيعية.
وساعدت هذه المقارنة الباحثين على الحد من تأثير الاستعداد الوراثي الموروث من الوالدين، من خلال مقارنة أطفال يشتركون في الخلفية الوراثية العائلية نفسها، لكنهم يختلفون في طريقة الإنجاب.
واستخدم الباحثون تقنية تسلسل الجينوم الكامل لتحليل الحمض النووي، بالاستعانة بأداة حاسوبية تسمى Bowtie2، وهي أداة تستخدم لمحاذاة تسلسلات الحمض النووي مع الجينوم المرجعي.
وأظهرت النتائج أن نسبة عناصر LINE-1 في الجينوم كانت أعلى بصورة ذات دلالة إحصائية لدى الأطفال الذين تم إنجابهم باستخدام الإخصاب المخبري. كما تأكد هذا الاختلاف لدى أزواج الإخوة والأخوات الثلاثة المشاركين في الدراسة.
ارتباطات جينية بأمراض القلب والتمثيل الغذائي والسرطان
حدد الباحثون 11 منطقة جينية اختلف فيها معدل إدراج عناصر LINE-1، إضافة إلى 14 منطقة اختلف فيها معدل حذف هذه العناصر.
ووجدوا أن الجينات القريبة من هذه المناطق ترتبط بوظائف وعمليات بيولوجية لها صلة بعدد من الحالات الصحية، بما في ذلك:
اضطرابات التمثيل الغذائي.
أمراض القلب والأوعية الدموية.
الأمراض العصبية والنفسية.
السرطان.
ومع ذلك، فإن وجود هذه الارتباطات لا يعني أن الأطفال الذين تم إنجابهم عبر الإخصاب المخبري سيصابون بهذه الأمراض حتما، ولا يثبت أن التغيرات الجينية التي رصدتها الدراسة تسببها بصورة مباشرة.
ولم يجد الباحثون اختلافا في هذا الجانب بين الأطفال الذين تم إنجابهم بالإخصاب المخبري التقليدي والأطفال الذين تم إنجابهم باستخدام الحقن المجهري.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة American Journal of Obstetrics and Gynecology المتخصصة في أمراض النساء والتوليد.
هل يمكن تقليل المخاطر الصحية مستقبلا؟
يرى الباحثون أن هذه النتائج توفر أساسا مهما لإجراء مزيد من الدراسات بهدف تحسين بروتوكولات الإخصاب المخبري، والحد من الإجهاد الذي تتعرض له الأجنة أثناء الإجراءات المخبرية، وتقليل التأثيرات المحتملة لذلك في الجينوم.
وقالت جيان لي، الباحثة الرئيسية الأولى في الدراسة من جامعة صن يات صن في قوانغتشو، إن النتائج تسلط الضوء على آلية جزيئية محتملة تربط بين الإجراءات المخبرية والصحة طويلة الأمد للأطفال.
وأضافت أن الأطباء لاحظوا منذ فترة ارتفاع مخاطر اضطرابات التمثيل الغذائي لدى بعض الأطفال الذين تم إنجابهم باستخدام تقنيات الإخصاب المخبري، لكن الأسباب وراء ذلك لم تكن واضحة تماما.
وأوضحت أن النتائج الجديدة تتيح اتجاها بحثيا يمكن العمل عليه، يتمثل في تقليل الإجهاد الذي تتعرض له الأجنة أثناء الإجراءات المخبرية.
ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى دراسات أوسع وطويلة الأمد لتحديد ما إذا كانت الاختلافات الجينية المرصودة تؤدي فعليا إلى زيادة معدلات الإصابة بالأمراض، ومدى تأثيرها في صحة الأطفال مع تقدمهم في العمر.