«حِينَ تَسْتَنْفِرُ خَزَائِنُ الْجُغْرَافِيَا مَطَامِعَ الْقُوَى، وَتَغْدُو الْقَوَاعِدُ الْأَجْنَبِيَّةُ شُقُوقًا فِي جِدَارِ السِّيَادَةِ، وَتَتَوَارَى الْمَوَاقِفُ خَلْفَ أَبْرَاجِ الرَّفَاهِ وَسَطَ نَزِيفِ غَزَّةَ وَجَنُوبِ لُبْنَانَ؛ قِرَاءَةٌ فِي شِيفْرَاتِ الِاسْتِهْدَافِ، وَحِسَابَاتِ الْمَصَالِحِ، وَاخْتِبَارِ الضَّمِيرِ السِّيَاسِيِّ»
لَيْسَتْ كُلُّ جَرَّةٍ وِعَاءً لِلفَخَّارِ، وَلَا كُلُّ جُرْأَةٍ مُغَامَرَةً فِي الْمَجْهُولِ؛ فَقَدْ تَكُونُ الْجَرَّةُ مُسْتَوْدَعًا لِحَقَائِقَ مَحْجُوبَةٍ، وَتَكُونُ الْجُرْأَةُ شَجَاعَةَ إِخْرَاجِهَا إِلَى ضَوْءِ الْمُسَاءَلَةِ. وَحِينَ تَتَقَاطَعُ الْجُغْرَافِيَا مَعَ الطَّاقَةِ وَمَوَازِينِ الْقُوَّةِ، لَا يَكْفِي قِرَاءَةُ التَّصْرِيحَاتِ؛ بَلْ يَنْبَغِي تَمْحِيصُ الْوَقَائِعِ وَكَشْفُ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ دَلَالَاتٍ.
وَتَتَقَدَّمُ الْجُمْهُورِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْإِيرَانِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمُعَادَلَةِ بِعُمْقِهَا التَّارِيخِيِّ، وَمَوْقِعِهَا الِاسْتِرَاتِيجِيِّ، وَثِقَلِهَا الْإِقْلِيمِيِّ. وَمِنْ حَقِّهَا، كَغَيْرِهَا مِنَ الدُّوَلِ، أَنْ تَصُونَ أَمْنَهَا، وَتَحْمِيَ اسْتِقْلَالَ قَرَارِهَا، وَتَسْعَى إِلَى تَنْمِيَةِ مَوَارِدِهَا، بَعِيدًا عَنِ التَّهْدِيدِ وَالْإِمْلَاءَاتِ.
لَيْسَ مَضِيقُ هُرْمُزَ مَمَرًّا بَحْرِيًّا عَادِيًّا؛ فَهُوَ شَرْيَانٌ حَيَوِيٌّ لِإِمْدَادَاتِ الطَّاقَةِ الْعَالَمِيَّةِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ وَخَلِيجِ عُمَانَ، مِمَّا يَجْعَلُهُ مَوْقِعًا مِحْوَرِيًّا فِي أَمْنِ الْمِنْطَقَةِ وَاقْتِصَادِهَا. وَتُشِيرُ بَيَانَاتُ إِدَارَةِ مَعْلُومَاتِ الطَّاقَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ إِلَى عُبُورِ نَحْوِ عِشْرِينَ مِلْيُونَ بَرْمِيلٍ يَوْمِيًّا مِنَ النَّفْطِ وَالْمُنْتَجَاتِ النَّفْطِيَّةِ عَبْرَ الْمَضِيقِ فِي عَامِ ٢٠٢٤. وَهَذَا الْمَوْقِعُ يَفْرِضُ قِرَاءَةً مُتَأَنِّيَةً لِمُعَادَلَاتِ الْأَمْنِ وَالِاقْتِصَادِ، لَا اخْتِزَالًا يُحَوِّلُ الْجُغْرَافِيَا إِلَى تُهْمَةٍ، أَوِ الْقُوَّةَ إِلَى إِدَانَةٍ.
وَلَكِنَّ الْمَشْهَدَ يَتَّخِذُ وَجْهًا أَشَدَّ خُطُورَةً حِينَ تُقَامُ قَوَاعِدُ عَسْكَرِيَّةٌ أَمْرِيكِيَّةٌ وَأَجْنَبِيَّةٌ فِي بَعْضِ دُوَلِ الْخَلِيجِ بِذَرِيعَةِ الْحِمَايَةِ، ثُمَّ تُسْتَخْدَمُ أَرَاضِي تَسْتَضِيفُهَا مُنْطَلَقًا لِعَمَلِيَّاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ تَسْتَهْدِفُ الْجُمْهُورِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ الْإِيرَانِيَّةَ. هُنَا تَسْقُطُ الْحُجَّةُ الْمُزَيَّنَةُ بِشِعَارِ الْحِمَايَةِ، وَيَبْرُزُ التَّنَاقُضُ فَاضِحًا: كَيْفَ يُمْكِنُ تَسْوِيغُ وُجُودٍ عَسْكَرِيٍّ يُفْتَرَضُ أَنْ يَحْمِيَ الِاسْتِقْرَارَ، إِذَا أَصْبَحَ مِمَّا يُعَرِّضُ دَوْلَةً جَارَةً لِلْخَطَرِ وَيُوَسِّعُ دَائِرَةَ الْمُوَاجَهَةِ؟
إِنَّ اسْتِخْدَامَ أَرَاضِي الْغَيْرِ لِشَنِّ الْهَجَمَاتِ عَلَى دَوْلَةٍ مُجَاوِرَةٍ أَمْرٌ يَسْتَوْجِبُ الْإِدَانَةَ الصَّرِيحَةَ وَالْمُسَاءَلَةَ، لَا التَّغْطِيَةَ بِمُفْرَدَاتِ التَّحَالُفِ وَالْأَمْنِ. فَالْقَاعِدَةُ الَّتِي تَتَحَوَّلُ إِلَى مَنْصَّةٍ لِلْعُدْوَانِ لَا تَحْمِلُ الْحِمَايَةَ إِلَى الْمِنْطَقَةِ، بَلْ تَجْلِبُ مَخَاطِرَ الْحَرْبِ إِلَى أَبْوَابِهَا. وَمِنْ حَقِّ الشُعُوبِ أَنْ تَسْأَلَ عَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا الْوُجُودُ يُعَزِّزُ أَمْنَهَا حَقًّا، أَمْ يَجْعَلُ أَرَاضِيَهَا جُزْءًا مِنْ مُوَاجَهَاتٍ لَا تَخْدُمُ اسْتِقْرَارَهَا.
وَلَا يَعْنِي هَذَا تَحْمِيلَ شُعُوبِ دُوَلِ الْخَلِيجِ مَسْؤُولِيَّةَ سِيَاسَاتِ الْقُوَى الْأَجْنَبِيَّةِ، بل بعض حكامها وَلَا التَّعَدِّيَ عَلَى خِيَارَاتِهَا؛ بَلْ يَعْنِي الدِّفَاعَ عَنْ حَقِّ جَمِيعِ دُوَلِ الْمِنْطَقَةِ فِي الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْلَالِ، وَرَفْضَ جَعْلِ الْجِوَارِ مَمَرًّا لِلْعُدْوَانِ. فَالْجِوَارُ الْجُغْرَافِيُّ يَفْرِضُ مَسْؤُولِيَّةً مُشْتَرَكَةً، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَلَّا تَكُونَ أَرَاضِي الْمِنْطَقَةِ جُسُورًا لِلْحَرْبِ، بَلْ مَنَابِرَ لِلْحِوَارِ وَالتَّفَاهُمِ.
وَفِي غَزَّةَ وَجَنُوبِ لُبْنَانَ، يَتَجَدَّدُ الِاخْتِبَارُ الْأَخْلَاقِيُّ لِلْمَوَاقِفِ السِّيَاسِيَّةِ. فَلَا تَكْفِي الْخُطَبُ إِذَا لَمْ تُسَانِدْهَا خُطُوَاتٌ تَحْمِي الْإِنْسَانَ وَتُدَافِعُ عَنْ حَقِّهِ فِي الْحَيَاةِ وَالْكَرَامَةِ. وَيَبْقَى الْإِنْصَافُ مُرْتَهِنًا إِلَى فَحْصِ الْمَوَاقِفِ وَالْأَفْعَالِ، لَا إِلَى الْمَظَاهِرِ وَالتَّصْرِيحَاتِ وَحْدَهَا.
هَذِهِ هِيَ الْجَرَّةُ الَّتِي نَفْتَحُهَا: لَا لِتَوْزِيعِ الِاتِّهَامَاتِ جُزَافًا، بَلْ لِتَسْمِيَةِ الْأَشْيَاءِ بِأَسْمَائِهَا. وَهَذِهِ هِيَ الْجُرْأَةُ الَّتِي نَقْصِدُهَا: إِدَانَةُ الْعُدْوَانِ، وَرَفْضُ اسْتِغْلَالِ أَرَاضِي الْجِيرَانِ لِتَهْدِيدِهِمْ، وَالتَّمَسُّكُ بِحَقِّ الْجُمْهُورِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ فِي الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْلَالِ، كَمَا هُوَ حَقٌّ لِسَائِرِ دُوَلِ الْمِنْطَقَةِ.
فَالْقُوَّةُ لَا تَكْتَسِبُ شَرْعِيَّتَهَا بِكَثْرَةِ الْقَوَاعِدِ، وَلَا تُقَاسُ الْحِمَايَةُ بِحَجْمِ الْوُجُودِ الْعَسْكَرِيِّ؛ إِنَّمَا تُقَاسُ بِمَا تَصُونُهُ مِنْ أَرْوَاحٍ، وَمَا تَمْنَعُهُ مِنْ حُرُوبٍ، وَمَا تَفْتَحُهُ مِنْ آفَاقِ السَّلَامِ. وَحِينَ تُسْتَخْدَمُ الْقَوَاعِدُ لِلْعُدْوَانِ، يَغْدُو رَفْضُهَا مَوْقِفًا مَشْرُوعًا، وَيَصِيرُ صَوْنُ الْجِوَارِ وَالْكَرَامَةِ وَالِاسْتِقْلَالِ مِحَكًّا لِصِدْقِ الْخِطَابِ السِّيَاسِيِّ. فَالْجُرْأَةُ الْحَقَّةُ أَنْ نَقُولَ لِلْعُدْوَانِ: لَا، وَلِلْحِوَارِ: نَعَمْ، وَلِكَرَامَةِ شُعُوبِ الْمِنْطَقَةِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ مَجَالًا لِلْمُسَاوَمَةِ.
كاتب دمشقي حر.