لماذا تتجعد أصابعنا في الماء؟ السبب ليس امتصاص الجلد للماء
دراسات و أبحاث
لماذا تتجعد أصابعنا في الماء؟ السبب ليس امتصاص الجلد للماء
21 تشرين الأول 2026 , 15:48 م

بعد قضاء 20 دقيقة في حوض الاستحمام، قد تلاحظ ظهور شبكة مألوفة من التجاعيد على أطراف أصابعك . ويبدو الجلد وكأنه تعرض للانكماش بعد بقائه طويلا في الماء.

‏وقد يكون التفسير الأول الذي يخطر في بالك هو أن الجلد امتص الماء وانتفخ، ثم تكونت التجاعيد على سطحه. يبدو هذا التفسير منطقيا، لكنه ليس صحيحا.

‏الجلد لا ينتفخ بل ينكمش

‏لو كانت التجاعيد ناتجة عن انتفاخ الجلد بسبب امتصاص الماء، لكان من المتوقع أن يزداد حجمه ويصبح أكثر نعومة، بدلا من ظهور الطيات على سطحه.

‏لكن التجاعيد تظهر في الواقع نتيجة انقباض الأوعية الدموية الموجودة تحت الجلد. وقد توصل باحثون في الجامعة الوطنية في سنغافورة إلى هذا التفسير في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

‏واكتشف الباحث إينار وايلدر سميث أن الأوعية الدموية الموجودة مباشرة تحت جلد أطراف الأصابع تنقبض بعد البقاء في الماء مدة طويلة.

‏ويؤدي هذا الانقباض إلى انخفاض حجم الأنسجة الموجودة تحت سطح الجلد، ما يسبب تغيرات في الضغط ويجعل الطبقة الخارجية للجلد، المعروفة باسم البشرة، تنسحب نحو الداخل.

‏ولأن الجلد عند أطراف الأصابع يرتبط بالأنسجة الموجودة تحته بطريقة غير متساوية، فإنه يتجمع في طيات وتجاعيد واضحة.

‏وبعبارة أبسط، لا تنتفخ الأصابع من الخارج، بل يتغير حجم الأنسجة الموجودة تحت الجلد نتيجة انقباض الأوعية الدموية، فتظهر التجاعيد على السطح.

‏الجهاز العصبي هو المسؤول عن تجعد الأصابع

‏يتمثل أحد الأدلة المهمة على أن هذه العملية نشطة وليست مجرد استجابة سلبية للجلد في الملاحظات التي أجريت على المرضى الذين يعانون تلفا في الأعصاب.

‏ففي ثلاثينيات القرن الماضي، لاحظ الجراحون أن قطع العصب المتجه إلى أحد الأصابع يمنع ظهور التجاعيد عند غمره في الماء.

‏وفي وقت لاحق، تمكن الباحثون من تحديد دور العصب المسؤول عن هذه الاستجابة، وهو العصب المتوسط الذي يمتد من منطقة الذراع إلى اليد، ويسهم في تنظيم التعرق وتدفق الدم في الأصابع.

‏وعندما يُغمر الإصبع في الماء، تتغير الظروف المحيطة بمسام العرق والتوازن الملحي في الجلد، ما يؤدي إلى تنشيط إشارات تنتقل عبر الألياف العصبية الودية.

‏وتؤدي هذه الإشارات إلى انقباض الأوعية الدموية الموجودة تحت الجلد، فتظهر التجاعيد.

‏ولهذا السبب، لا يزال الأطباء يستخدمون اختبار تجعد الأصابع في الماء بوصفه فحصا سريعا للمساعدة في تقييم وظيفة بعض الأعصاب الطرفية.

‏فإذا لم تتجعد الأصابع في الظروف المناسبة للاختبار، فقد يشير ذلك إلى وجود خلل في الألياف العصبية الودية.

‏وتبلغ حساسية هذا الاختبار نحو 71%، بينما تصل نوعيته إلى 73%، وفقا للأرقام الواردة في التقرير. وهذا يعني أنه اختبار مساعد، ولا يكفي وحده لتأكيد وجود تلف عصبي أو استبعاده.

‏هل تساعد التجاعيد على الإمساك بالأشياء المبللة؟

‏إذا كان تجعد الأصابع عملية نشطة يتحكم فيها الجهاز العصبي، فقد يكون لهذه الظاهرة دور وظيفي.

‏وفي عام 2011، اقترح عالم الأعصاب مارك تشانغيزي من جامعة بينغهامتون تفسيرا محتملا، مفاده أن تجاعيد الأصابع تساعد الإنسان على الإمساك بالأشياء المبللة.

‏وشبّه تشانغيزي هذه التجاعيد بأخاديد إطارات السيارات. فالأخاديد الموجودة على الإطارات تساعد على تصريف الماء من منطقة التلامس مع الطريق، ما يحسن تماسك الإطار.

‏وبالمثل، قد تساعد التجاعيد الموجودة على الأصابع في تصريف الماء من سطح التلامس مع الجسم الذي يحاول الشخص الإمساك به، ما يحسن ثبات القبضة.

‏تجربة اختبرت قدرة الأصابع المتجعدة على الإمساك بالأشياء

‏في عام 2013، اختبر الباحث كيراكوس كاريكلاس وزملاؤه من جامعة نيوكاسل هذه الفرضية من خلال تجربة شارك فيها أشخاص طُلب منهم نقل كرات زجاجية مبللة من وعاء إلى آخر.

‏استخدم بعض المشاركين أصابع جافة، بينما غمر آخرون أصابعهم في ماء دافئ مدة 30 دقيقة قبل إجراء المهمة.

‏وأظهرت النتائج أن المشاركين ذوي الأصابع المتجعدة أنجزوا المهمة بسرعة أكبر عند التعامل مع الكرات المبللة. لكن التجاعيد لم تؤثر في أدائهم عند نقل الأجسام الجافة.

‏وقد دعمت هذه النتيجة الفرضية القائلة إن تجاعيد الأصابع قد تمنح الإنسان ميزة عند التعامل مع الأشياء المبللة.

‏لماذا لا يتفق جميع العلماء على فائدة التجاعيد؟

‏لم يتفق جميع الباحثين مع فكرة أن تجعد الأصابع يمنح الإنسان ميزة واضحة في الإمساك بالأشياء.

‏ففي عام 2014، أعادت مجموعة من الباحثين في مركز ماكس ديلبروك الطبي في برلين إجراء تجارب مشابهة، لكنها لم تجد فروقا واضحة في سرعة الإمساك بالأشياء أو قوة القبضة بين الأصابع المتجعدة والأصابع الملساء.

‏وخلص الباحثون إلى أن هذه الظاهرة قد لا تمنح بالضرورة ميزة تطورية، أو أن فائدتها المحتملة لم تُثبت بصورة قاطعة.

‏وفي عام 2021، نشر نيك ديفيس من جامعة سنترال لانكشاير دراسة في مجلة PLoS One، ركز فيها على قياس قوة القبضة بدلا من سرعة الأداء.

‏وأظهرت النتائج أن الأصابع المتجعدة تقلل القوة التي يحتاج الشخص إلى بذلها للإمساك بجسم مبلل. ويعني ذلك أن القبضة قد تصبح أكثر كفاءة، حتى لو لم يكن الإمساك بالأشياء أسرع بالضرورة.

‏وهكذا، لا تزال الأدلة العلمية بشأن الفائدة الوظيفية للتجاعيد متفاوتة، ولا يوجد اتفاق نهائي على أنها تحسن القبضة في جميع الظروف.

‏دراسة حديثة تكشف سر ثبات نمط التجاعيد

‏في عام 2025، نشر باحثون من جامعة بينغهامتون، بقيادة غاي هيرمان، دراسة أظهرت أن نمط التجاعيد الذي يظهر على الإصبع يتكرر بصورة متشابهة عند غمره في الماء في كل مرة.

‏ويشير ذلك إلى أن أماكن انقباض الأوعية الدموية تؤثر في شكل التجاعيد؛ فعندما تنقبض الأوعية في المناطق نفسها، تتكون الطيات بأنماط متشابهة.

‏وتدعم هذه النتيجة فكرة أن تجاعيد الأصابع ليست عشوائية، بل ترتبط بالبنية التشريحية للأوعية الدموية الموجودة تحت الجلد.

‏الخلاصة: لماذا تتجعد الأصابع في الماء؟

‏لا تتجعد الأصابع بسبب انتفاخ الجلد وامتصاصه الماء، بل نتيجة عملية نشطة يتحكم فيها الجهاز العصبي، تؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية تحت الجلد وانكماش الأنسجة الموجودة أسفله، فتتشكل التجاعيد.

‏أما الغرض من هذه الظاهرة، فلا يزال موضع بحث. إذ تشير بعض الدراسات إلى أن التجاعيد قد تساعد على الإمساك بالأشياء المبللة بكفاءة أكبر، بينما لم تجد دراسات أخرى فائدة واضحة لها.

‏ومع ذلك، فإن الآلية الأساسية لتكون التجاعيد أصبحت مفهومة بدرجة كبيرة، كما أن اختبار تجعد الأصابع لا يزال يُستخدم في الممارسة الطبية للمساعدة في تقييم وظيفة الأعصاب الطرفية.