غرسة صغيرة تفتح طريقا جديدا لعلاج السكري من النوع الثاني
دراسات و أبحاث
غرسة صغيرة تفتح طريقا جديدا لعلاج السكري من النوع الثاني
24 تشرين الأول 2026 , 14:00 م

غالبا ما يُعالج السكري من النوع الثاني باستخدام الإنسولين أو علاجات تساعد على تنظيم مستوى الغلوكوز في الدم. لكن الإنسولين يساعد الخلايا على امتصاص الغلوكوز والاستفادة منه، ولا يتخلص مباشرة من فائضه في الجسم. وعندما تتجاوز الطاقة المستهلكة احتياجات الجسم، يمكن تخزين جزء منها على شكل دهون.

‏لذلك، يستمر بعض المصابين بالسكري من النوع الثاني في اكتساب الوزن أثناء العلاج، فيما يواصل العلماء البحث عن طرق للتحكم في مستوى السكر في الدم بصورة مباشرة.

‏وفي هذا السياق، طور باحثون في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ نظاما قابلا للزرع يعتمد على محفز كهربائي، بهدف خفض مستوى السكر في الدم عبر تحويل فائض الغلوكوز إلى مادة يستطيع الجسم التخلص منها عن طريق البول.

‏وتتميز هذه التقنية بأنها لا تعتمد على خلايا حية أو إنزيمات قد تثير استجابة مناعية، كما أن مكوناتها قد تتيح تصنيع الجهاز بطريقة أبسط. وقد نُشرت نتائج البحث في مجلة Science.

‏كيف تحول الغرسة الغلوكوز إلى مادة يتخلص منها الجسم؟

‏يعتمد الجهاز على محفز مصنوع من لباد الغرافيت، يحتوي على تجمعات نانوية من الذهب وجسيمات من البلاتين. ويعمل هذا المحفز على تحويل فائض الغلوكوز إلى مادة تسمى الغلوكونات.

‏وعلى خلاف الغلوكوز، لا يستخدم الجسم الغلوكونات مصدرا للطاقة بالطريقة نفسها، ويمكن التخلص منها عبر البول بدلا من تخزينها على شكل دهون.

‏ولا يعمل الجهاز بصورة مستمرة، بل يعتمد على نظام تحكم يتيح تشغيله عند ارتفاع مستوى السكر وإيقافه عندما ينخفض إلى المستوى المطلوب.

‏وتتضمن آلية التشغيل حلقة تحكم مغلقة، تبدأ بمستشعر خارجي يراقب مستوى الغلوكوز في الجسم، ثم يرسل البيانات عبر تقنية البلوتوث إلى هاتف ذكي أو ساعة ذكية. وبعد ذلك، تُستخدم هذه البيانات للتحكم في تشغيل المحفز الكهربائي أو إيقافه.

‏وعندما يصل مستوى السكر إلى النطاق المستهدف، يتوقف الجهاز عن العمل، بهدف الحد من استمرار خفض الغلوكوز وتجنب هبوطه إلى مستويات خطيرة.

‏أما الطاقة اللازمة لتشغيل الغرسة، فتُنقل إليها لاسلكيا باستخدام تردد يبلغ 13.56 ميغاهرتز، وهو تردد مستخدم في تطبيقات طبية.

‏ماذا أظهرت التجارب على الحيوانات؟

‏اختبر الباحثون النظام في البداية داخل خزان سعته خمسة لترات يحتوي على محلول مغذ وغلوكوز، وهو حجم يقارب حجم الدم لدى الإنسان البالغ.

‏وبعد ذلك، زرعوا الجهاز في فئران مصابة بالسكري، لمراقبة قدرته على تنظيم مستويات السكر في الدم ومدى تحمله داخل الجسم.

‏وأظهرت التجارب أن الغرسة استطاعت ضبط مستوى الغلوكوز لدى الحيوانات بدقة، كما تحملتها أجسامها بصورة جيدة. واستمر الجهاز في العمل مدة ستة أسابيع.

‏ولم تكشف التجارب عن علامات تشير إلى حدوث تلف في الأنسجة المحيطة بالغرسة بسبب الكهرباء أو الحرارة الناتجتين عن تشغيلها.

‏ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني أن الجهاز أثبت فعاليته أو سلامته لدى البشر، إذ لم يُختبر على الإنسان حتى الآن.

‏ما الذي يميز هذه التقنية عن العلاجات التقليدية؟

‏تقوم الفكرة الأساسية على تغيير طريقة التعامل مع فائض السكر في الدم.

‏فبدلا من الاعتماد حصرا على تنظيم استخدام الجسم للغلوكوز، تسعى الغرسة إلى تحويل جزء من هذا السكر مباشرة إلى مركب يمكن التخلص منه.

‏وقد يساعد هذا النهج على تطوير وسائل جديدة للتحكم في مستوى الغلوكوز، كما أن اعتماد الجهاز على محفز غير حيوي قد يقلل بعض التعقيدات المرتبطة باستخدام الخلايا الحية أو الإنزيمات في الأجهزة الطبية.

‏وأشار الباحثون إلى أن بعض مكونات التحكم الخارجي ونقل الطاقة متوافرة بالفعل في منتجات تُصنع على نطاق تجاري، وهو ما قد يساعد في تطوير التقنية إلى جهاز طبي قابل للاستخدام.

‏لكن لا تزال هناك أسئلة مهمة تحتاج إلى إجابات، منها مدى كفاءة الجهاز على المدى الطويل، وتأثير تحويل الغلوكوز إلى الغلوكونات في توازن الجسم، ومدى أمان هذه العملية لدى البشر.

‏هل تصبح الغرسة علاجا جديدا للسكري؟

‏تمثل هذه التقنية اتجاها بحثيا واعدا، لكنها لا تزال في مرحلة التجارب قبل السريرية، ولا يمكن اعتبارها علاجا متاحا للمرضى في الوقت الحالي.

‏ويخطط الباحثون لمواصلة تطوير النظام بهدف تحويله إلى جهاز طبي يمكن استخدامه في المستقبل.

‏وقبل الوصول إلى هذه المرحلة، ستكون هناك حاجة إلى دراسات إضافية لتقييم السلامة والفعالية، ثم إجراء تجارب سريرية على البشر إذا سمحت النتائج بذلك.

‏ومن المهم التأكيد أن الغرسة لا تحل حاليا محل الإنسولين أو الأدوية الموصوفة لمرضى السكري، ولا ينبغي تغيير العلاج القائم بناء على هذه النتائج الأولية.

‏وإذا نجحت التقنية في الاختبارات المستقبلية، فقد تقدم وسيلة مختلفة للتعامل مع ارتفاع سكر الدم، تقوم على التخلص من جزء من فائض الغلوكوز بدلا من الاكتفاء بتوجيه الجسم إلى كيفية استخدامه.


المصدر: Nauka Mail