جزيء طوره العلماء لمكافحة الزهايمر موجود بالفعل في الدم
دراسات و أبحاث
جزيء طوره العلماء لمكافحة الزهايمر موجود بالفعل في الدم
24 تشرين الأول 2026 , 16:35 م

تركز أبحاث كثيرة حول مرض الزهايمر على إيجاد طرق للتعامل مع التكتلات الضارة لبروتين الأميلويد بيتا، التي تتراكم بين الخلايا العصبية في أدمغة المصابين بالمرض.

‏وانطلاقا من الهدف نفسه، طور باحثون من شركة Lifemission الناشئة والأكاديمية الروسية للعلوم سابقا ببتيدا يسمى HAEE، وصيغته الكيميائية (Ac-His-Ala-Glu-Glu-NH2)، بهدف منع تشكل هذه التكتلات، من خلال حجب أيونات الزنك التي يُعتقد أنها تعمل بمثابة مادة لاصقة بيولوجية تساعد على تجمع البروتينات.

‏وأظهرت تجارب سابقة على الفئران أن هذا الببتيد قادر على تقليل عدد لويحات الأميلويد بيتا في الدماغ.

‏لكن المفاجأة ظهرت عندما طور الباحثون طريقة لقياس مستويات HAEE في دم الإنسان، تمهيدا للانتقال نحو التجارب السريرية. فقد اكتشفوا أن الببتيد موجود بالفعل في الدم، إذ عُثر عليه في جميع العينات المأخوذة من 150 متطوعا سليما.

‏والأكثر أهمية أن عينات الدم المأخوذة من أشخاص مصابين بمرض ألزهايمر أظهرت، في المتوسط، مستويات من الببتيد تقل بنحو النصف مقارنة بالمجموعة السليمة.

‏وقد يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام استخدام الجزيء مؤشرا حيويا يساعد على تشخيص المرض. ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة PNAS Nexus.

‏وكتب الباحثون في دراستهم أن دم الإنسان يحتوي على نسخة مماثلة من هذا الببتيد ينتجها الجسم بصورة طبيعية، وأن تركيزها ينخفض بشكل ملحوظ لدى المرضى الذين شُخصوا سريريا بمرض ألزهايمر.

‏وأضافوا أن النتائج تكشف عن جزيء جديد في الجسم البشري، وتشير إلى أن نقص HAEE الطبيعي قد يؤدي دورا مهما في تطور المرض.

‏لماذا انخفضت مستويات الببتيد لدى المصابين بالزهايمر؟

‏كان الهدف الأصلي من قياس الببتيد في الدم معرفة كيفية تحلله بمرور الوقت، وتحديد الجرعة التي يمكن استخدامها بأمان، وهي معلومات أساسية يحتاج إليها العلماء قبل اختبار أي دواء في التجارب السريرية.

‏لكن النتائج الجديدة عززت الفرضية التي يعمل عليها الفريق، ومفادها أن الببتيد HAEE قد يؤثر في تطور مرض الزهايمر.

‏ومع ذلك، فإن فهم العلاقة الدقيقة بين انخفاض مستوياته والمرض، وتحديد الآليات البيولوجية المسؤولة عن ذلك، يتطلبان مزيدا من البحث.

‏ويرى مؤلفو الدراسة أن انخفاض مستويات الببتيد لدى المصابين قد يرجع إلى أحد احتمالين، أو إلى اجتماعهما معا: إما أن المرض يقلل إنتاج الجسم الطبيعي لهذا الجزيء، وإما أن الجسم يستهلكه بمعدل أسرع نتيجة استجابته لأنواع مختلفة من الضغوط المرتبطة بتطور المرض.

‏ولا يزال الباحثون غير متأكدين من التفسير الصحيح، كما أن الدراسة الحالية لا تثبت أن نقص الببتيد هو سبب مباشر للإصابة بالزهايمر.

‏هل يمكن استخدام HAEE للكشف عن الزهايمر من خلال تحليل الدم؟

‏تظهر لويحات الأميلويد بيتا في مراحل مبكرة من مرض الزهايمر، وقد تبدأ بالتشكل قبل ظهور أعراض أخرى بسنوات في بعض الحالات.

‏وهذا ما يعزز الاهتمام بإمكان استخدام مستويات HAEE مؤشرا مبكرا على المرض مستقبلا، إذا أكدت الدراسات اللاحقة فائدته التشخيصية.

‏لكن الدراسة الحالية شملت أشخاصا شُخصوا بالفعل بالمرض، ولذلك لا تثبت أن قياس الببتيد قادر على اكتشاف الزهايمر قبل ظهور الأعراض.

‏ويشير الباحثون إلى احتمال الاستفادة من انخفاض مستويات HAEE الطبيعي في الدم بوصفه مؤشرا حيويا محتملا للمساعدة على تشخيص المرض، في حين يمكن دراسة الببتيد الاصطناعي بوصفه علاجا يستهدف تعديل مسار المرض.

‏ويعني العلاج المعدل لمسار المرض أنه يستهدف العمليات البيولوجية المرتبطة بتطوره، وليس الأعراض وحدها. ومع ذلك، لا يزال استخدام HAEE كعلاج مقترح في مرحلة البحث، ولم تثبت هذه الدراسة فعاليته أو سلامته لدى البشر.

‏ما حدود الدراسة الجديدة؟

‏أقر الباحثون بوجود عدة قيود ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسير النتائج.

‏أولا، اعتمد تشخيص ألزهايمر لدى المشاركين على التقييمات السريرية وحدها، من دون استخدام تصوير الدماغ أو اختبارات المؤشرات الحيوية. وهذا يعني أن بعض المرضى ربما كانوا مصابين بأنواع أخرى من الخرف، وليس بالزهايمر تحديدا.

‏ثانيا، وُجدت بعض الاختلافات في الأعمار بين مجموعة المصابين ومجموعة المتطوعين الأصحاء، وقد يكون لهذه الاختلافات تأثير في النتائج.

‏كما لم تُظهر مستويات HAEE اختلافات كبيرة تبعا لشدة مرض الزهايمر، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذا المؤشر على عكس تطور المرض أو تحديد مرحلته.

‏وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة إذا كان الهدف هو استخدام تحليل الدم لتقدير شدة المرض أو متابعة تغيراته بمرور الوقت.

‏تضارب المصالح والحاجة إلى دراسات إضافية

‏من المهم أيضا الإشارة إلى أن شركة Lifemission الناشئة مولت الدراسة، وأنها تمتلك براءات اختراع تتعلق باستخدام HAEE في تحليل الدم للكشف عن مرض الزهايمر. كما أن اثنين من الباحثين المشاركين في الدراسة مرتبطان بالشركة.

‏ولا يعني ذلك أن النتائج غير صحيحة، لكنه عامل ينبغي أخذه في الحسبان عند تقييمها، ويؤكد أهمية التحقق منها عبر دراسات مستقلة.

‏وعلى الرغم من هذه القيود، يمثل اكتشاف وجود نسخة طبيعية من الببتيد في دم الإنسان، مع انخفاض مستوياتها لدى المصابين بالزهايمر، نتيجة تستحق مزيدا من الدراسة.

‏وكتب الباحثون أن اكتشاف نسخة طبيعية في بلازما الدم من ببتيد سبق تطويره بهدف تقليل تراكم الأميلويد لدى المصابين بالزهايمر يعد أمرا لافتا، مشيرين إلى أن انخفاض مستويات هذا الببتيد لدى المرضى لا يقل أهمية عن اكتشاف وجوده الطبيعي.

‏هل يقربنا هذا الاكتشاف من علاج الزهايمر؟

‏لا يزال مرض الزهايمر حالة معقدة تتداخل في تطورها عوامل وآليات بيولوجية متعددة. ولذلك، فإن اكتشاف جزيء مرتبط بالمرض لا يعني بالضرورة الوصول إلى علاج فعال.

‏وتتمثل الخطوة التالية في التحقق من النتائج لدى مجموعات أكبر وأكثر تنوعا، وتحديد أسباب انخفاض مستويات HAEE، ثم اختبار مدى دقته في تشخيص المرض، بما في ذلك إمكان اكتشافه في مراحل مبكرة.

‏كذلك، يحتاج استخدام الببتيد الاصطناعي علاجا إلى دراسات مستقلة لتقييم سلامته وفعاليته لدى البشر.

‏وبالتالي، يقدم البحث مسارا جديدا يستحق المتابعة في مجال تشخيص الزهايمر وعلاجه، لكنه لا يمثل حتى الآن إثباتا لوجود علاج جديد أو اختبار دم معتمد للكشف عن المرض.

المصدر: موقع ScienceAlert