قراءة في توظيف التصعيد العسكري للهروب من الأزمات الداخلية، ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة
في كل مرة تشتد فيها الأزمات الداخلية في تل أبيب، تتصاعد معها نبرة التهديد تجاه عواصم المنطقة. لكن ما نشهده اليوم قد يتجاوز مجرد محاولة لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية أو استثمار التوتر في الحسابات الانتخابية؛ فالتصعيد قد يتحول إلى مسار عسكري فعلي، تدفع إليه حسابات الردع، وضغوط السياسة الداخلية، والخوف من تآكل صورة القوة.
فالتهديدات المتصاعدة ضد لبنان وسوريا وإيران لا تعني بالضرورة نشوب صراع يتجاوز السقف المتوقع، بل أن يشعل حرباً لم يكن أي طرف يعلن رغبته في خوضها.
إن نتنياهو، المحاصر بالأزمات السياسية والقضائية والانقسامات الداخلية، يدرك أن التصعيد الخارجي قد يمنحه فرصة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، وتوحيد قطاعات من المجتمع خلف خطاب الأمن والتهديد الوجودي. لكن المفارقة أن الأداة التي قد يستخدمها لتأجيل أزماته يمكن أن تتحول إلى مغامرة عسكرية يصعب التحكم بنتائجها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ما زالت الحرب مجرد ورقة ضغط سياسية، أم أن الحسابات المتشابكة تجعل وقوعها احتمالاً أرجح من السابق؟
أولاً: من التصعيد المحسوب إلى الحرب المفروضة بالحسابات
ليس ضرورياً أن تتخذ القيادة ~الإسرائيلية~ قراراً نهائياً بالحرب حتى تصبح الحرب احتمالاً جدياً. ففي بيئة مشحونة بالتهديدات المتبادلة، قد يعتقد كل طرف أن التراجع سيضعف ردعه، وأن توجيه ضربة استباقية سيمنحه أفضلية ميدانية أو سياسية.
وهكذا، تتحول التهديدات إلى التزامات يصعب التراجع عنها، وتصبح المناورات العسكرية والضربات المحدودة وردود الفعل المتبادلة حلقات في مسار تصعيدي قد يتجاوز إرادة الأطراف نفسها.
في هذه الظروف، لا تعود الحرب مجرد خيار تدرسه الحكومات، بل تصبح نتيجة محتملة لتراكم الحسابات الخاطئة، وضيق هامش المناورة، وغياب الثقة بقدرة الطرف الآخر على ضبط ردوده.
ثانياً: كيان منقسم.. وأزمة لا تحلها الحروب
لم تكن ~إسرائيل~ يوماً خالية من التناقضات الداخلية، لكن الانقسامات حول هوية الكيان وطبيعة نظامه السياسي وحدود سلطة الحكومة والمحاكم، إضافة إلى الخلافات بين التيارات العلمانية والدينية والقومية، كشفت عن أزمة أعمق من خلاف عابر على السياسات.
وقد أظهرت أزمة التعديلات القضائية حجم التصدع داخل المجتمع، فيما عمّقت الحرب وتداعياتها الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية السياسية، وإدارة الأمن، ومستقبل القيادة.
هذه الانقسامات لا تعني أن الانهيار الداخلي أصبح حتمياً أو وشيكاً، لكنها تضع القيادة أمام معضلة حقيقية: كيف تحافظ على تماسك الجبهة الداخلية في ظل إخفاقات أمنية، وتكاليف اقتصادية متزايدة، وخلافات حول أهداف الحرب ونتائجها؟
وقد يوفر التصعيد الخارجي تعبئة مؤقتة للمجتمع، لكنه لا يستطيع إلغاء أسباب الانقسام. بل إن حرباً طويلة أو مكلفة قد تعيد هذه التناقضات إلى الواجهة بصورة أشد.
ثالثاً: تآكل الثقة بالمؤسسة العسكرية
لطالما شكّل الجيش إحدى الركائز المركزية في بنية الكيان ~الإسرائيلي~ وصورته عن نفسه.
غير أن إخفاقات السابع من أكتوبر، والخلافات بشأن المسؤولية عن تلك الإخفاقات، والتوترات بين القيادة السياسية والأمنية، أثارت أسئلة جدية حول كفاءة القيادة وحدود القوة العسكرية.
كما أن استمرار التعبئة العسكرية وتكاليف الخدمة والقتال، إلى جانب الخلافات السياسية بشأن إدارة الحرب، يضع المجتمع أمام اختبار طويل الأمد.
لكن الخطر الأكبر يكمن في أن تحاول القيادة ~الإسرائيلية~ معالجة أزمة الثقة باستعراض القوة بدلاً من معالجة أسبابها. فالتصعيد قد يفرض تماسكاً مؤقتاً، لكنه إذا انتهى بنتائج محدودة أو بخسائر مرتفعة، فقد يوسّع الفجوة بين المجتمع وقيادته.
رابعاً: سقوط صورة الملاذ الآمن
قامت الفكرة ~الصهيونية~، ضمن مرتكزاتها الأساسية، على تقديم فلسطين بوصفها ملاذاً آمناً لليهود. إلا أن أحداث السابع من أكتوبر والحروب التي أعقبتها ألحقت ضرراً بالغاً بصورة الأمن التي قامت عليها هذه الرواية.
كما أن الإجلاء من المناطق الحدودية، وتكاليف الحرب، والضغوط الاقتصادية، ومخاوف المستقبل، تثير تساؤلات عن قدرة الدولة على ضمان الاستقرار لمواطنيها.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الهجرة الفعلية، ومغادرة البلاد مؤقتاً، وامتلاك جنسيات أجنبية، والرغبة في الهجرة؛ فهذه مؤشرات مختلفة لا يجوز جمعها في رقم واحد من دون بيانات موثوقة.
لكن الخلاصة السياسية تبقى واضحة: كلما طال أمد انعدام الأمن، ارتفعت كلفة استمرار الوضع القائم، وأصبحت قدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها جزءاً من معركتها على المدى البعيد.
خامساً: لماذا أصبحت الحرب احتمالاً أكثر جدية؟
هناك أربعة عوامل تجعل احتمال المواجهة العسكرية جدياً في ظل الظروف الراهنة:
ضغط السياسة الداخلية: قد ترى القيادة أن إظهار الحزم العسكري يساعدها على احتواء الانتقادات وإعادة ترتيب أولويات الرأي العام.
حسابات الردع: قد يعتقد كل طرف أن عدم الرد على خصمه سيشجعه على الذهاب أبعد، ما يضيّق مساحة التسويات.
تعدد جبهات التوتر: كلما تشابكت الملفات الإقليمية، ارتفع احتمال انتقال المواجهة من جبهة إلى أخرى، أو خروج حادث محدود عن السيطرة.
تآكل الثقة بالحلول السياسية: عندما تفشل المسارات الدبلوماسية في تقديم ضمانات مقنعة، تصبح الخيارات العسكرية أكثر حضوراً في حسابات صناع القرار، حتى لو كانت تكلفتها مرتفعة.
ومع ذلك، فإن ارتفاع احتمال الحرب لا يعني أنها حتمية. فالكلفة البشرية والاقتصادية، ومخاطر اتساع المواجهة، والضغوط الدولية، كلها عوامل قد تدفع الأطراف إلى التراجع أو احتواء التصعيد.
سادساً: المفارقة الكبرى.. حرب لتأجيل الانهيار قد تسرّع التآكل
تاريخياً، لم تكن الحروب الخارجية ضمانة لبقاء الدول أو الأنظمة؛ فقد تمنح بعض القيادات وقتاً إضافياً، لكنها قد تكشف أيضاً ضعفها وتضاعف أزماتها إذا لم تحقق أهدافها.
وفي الحالة ~الإسرائيلية~، قد تنجح مواجهة محدودة في إعادة ترتيب المشهد السياسي مؤقتاً، لكن حرباً واسعة وممتدة قد تفرض أثماناً أمنية واقتصادية واجتماعية يصعب احتواؤها، خصوصاً إذا اتسعت الجبهات وتعذّر تحقيق نتائج حاسمة.
وهنا تكمن المفارقة: قد تدخل القيادة الحرب الإسرائيلية لتقوية الردع واستعادة المبادرة، ثم تجد نفسها أمام استنزاف يضعف قدرتها على إدارة الداخل، ويعيد طرح الأسئلة التي حاولت تأجيلها.
الخلاصة
إن الكيان ~الاسرائيلي~ يواجه تحديات داخلية عميقة، لكن الحديث عن سقوطه الحتمي أو القريب يظل استنتاجاً سياسياً لا حقيقة محسومة. وفي المقابل، فإن احتمال الحرب لا ينبغي التقليل منه، لأن التهديدات المتبادلة، وضغوط الداخل، وحسابات الردع، وتعدد الجبهات، قد تدفع المنطقة نحو مواجهة واسعة حتى من دون قرار مسبق بحرب شاملة.
قد تكون الحرب، في حسابات بعض صناع القرار، وسيلة لاستعادة المبادرة وتأجيل الأزمات. لكنها قد تتحول أيضاً إلى الاختبار الأخطر لقدرة الكيان على تحمّل نتائج خياراتها.
الخطر الحقيقي ليس أن الحرب أصبحت حتمية، بل أن الحسابات التي تجعلها تبدو مفيدة لبعض الأطراف قد تدفع الجميع إلى مواجهة يصعب التحكم بنهايتها.