عَبْدُ الْحَمِيدِ كَنَاكْرِي خُوجَة: التَّغْرِيبُ لَا التَّقْرِيبُ... مِنْ سُمُومِ التَّطَرُّفِ وَالتَّرْهِيبِ.
«حِينَ يَتَحَوَّلُ الْخِطَابُ إِلَى خَطَرٍ:
لَيْسَ أَشَدَّ خَطَرًا عَلَى الدِّينِ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَهُ بَعْضُهُمْ سِتَارًا لِلْكَرَاهِيَةِ، وَلَا أَفْدَحَ مِنْ أَنْ تُسْتَخْدَمَ الْمَنَابِرُ لِتَحْوِيلِ الِاخْتِلَافِ إِلَى عَدَاءٍ، وَالْعَقِيدَةِ إِلَى ذَرِيعَةٍ لِلْإِقْصَاءِ وَالْعُنْفِ. فَبَيْنَ دِينٍ يَهْدِي إِلَى الْحِكْمَةِ، وَخِطَابٍ يُغَذِّي الْفِتْنَةَ، مَسَافَةٌ لَا تَقِيسُهَا الشِّعَارَاتُ، بَلْ تَكْشِفُهَا الْمَوَاقِفُ وَالثِّمَارُ».
إِنَّ الْمُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي تَعَدُّدِ الْمَدَارِسِ، فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ تَارِيخِ الْأُمَّةِ وَتَنَوُّعِ اجْتِهَادَاتِهَا؛ وَإِنَّمَا الْخَطَرُ فِي مَنْ يُحَوِّلُ هَذَا التَّنَوُّعَ إِلَى مُسَوِّغٍ لِلتَّكْفِيرِ وَالتَّحْرِيضِ، وَيَسْتَبْدِلُ بِأَخْلَاقِ الْحِوَارِ مَنَاهِجَ الْإِقْصَاءِ وَالِاحْتِقَارِ. فَلَيْسَ كُلُّ اخْتِلَافٍ فِتْنَةً، وَلَا كُلُّ تَمَسُّكٍ بِالتُّرَاثِ تَطَرُّفًا؛ إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ أَنْ يُجْعَلَ التُّرَاثُ مِشْنَقَةً لِلْمُخَالِفِ، وَأَنْ يُسْتَخْدَمَ الدِّينُ لِمَنْحِ الْكَرَاهِيَةِ صِكَاكَ بَرَاءَةٍ زَائِفَةً.
حِينَ تَتَزَيَّا الْفِتْنَةُ بِزِيِّ الدِّينِ:
إِنَّ الْغُلُوَّ لَا يَصْنَعُ إِيمَانًا أَعْمَقَ، بَلْ قَدْ يَصْنَعُ وَهْمًا أَشَدَّ صَلَابَةً؛ وَالتَّكْفِيرُ لَا يُقِيمُ بُرْهَانًا، بَلْ يَفْتَحُ أَبْوَابًا لِلْعَدَاوَةِ وَالْعُنْفِ. وَمَا أَسْهَلَ أَنْ يَرْفَعَ الْمُحَرِّضُ شِعَارًا مُقَدَّسًا، وَمَا أَصْعَبَ أَنْ يَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّةَ الدِّمَاءِ وَالْأَحْقَادِ الَّتِي قَدْ تُسْفِرُ عَنْهَا كَلِمَاتُهُ! فَالْكَلِمَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِ مُتَصَدِّرٍ لِلْمَشْهَدِ قَدْ تَتَحَوَّلُ، فِي عَقْلٍ مُغْلَقٍ، إِلَى إِذْنٍ بِالْعُدْوَانِ، وَفِي نَفْسٍ مَشْحُونَةٍ إِلَى رَصَاصَةٍ لَا تَحْمِلُ اسْمَ صَاحِبِهَا.
وَمِنْ هُنَا، يَجِبُ أَنْ يَنْصَبَّ النَّقْدُ عَلَى الْأَفْكَارِ وَالْمُمَارَسَاتِ الَّتِي تُسَوِّغُ التَّكْفِيرَ وَالْعُنْفَ، لَا عَلَى عُمُومِ أَصْحَابِ دِيَانَةٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ. فَحِينَ نُنَاقِشُ بَعْضَ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَشَدِّدَةِ لِخِطَابٍ تَشَكَّلَ فِي بِيئَاتٍ دَعَوِيَّةٍ مُنْغَلِقَةٍ، وَتَغَذَّى عَلَى تَضْيِيقِ مَفْهُومِ الْإِسْلَامِ وَتَوْسِيعِ دَائِرَةِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ، فَإِنَّنَا لَا نُصْدِرُ حُكْمًا عَلَى الْكُلِّ، وَلَا نُسَوِّي بَيْنَ التَّدَيُّنِ وَالتَّطَرُّفِ؛ بَلْ نُحَذِّرُ مِنْ تَحْوِيلِ تَأْوِيلٍ مُنْغَلِقٍ إِلَى أَدَاةٍ لِإِهْدَارِ الْكَرَامَةِ وَتَسْوِيغِ الْعُدْوَانِ.
وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ بَعْضَ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي تَتَشَدَّدُ فِي تَصْنِيفِ الْمُخَالِفِينَ، وَتَتَوَسَّعُ فِي التَّضْلِيلِ، قَدْ مَهَّدَتْ فِي بِيئَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِمُنَاخٍ يَسْهُلُ فِيهِ انْتِقَالُ الْخِطَابِ مِنَ الْخُصُومَةِ الْفِكْرِيَّةِ إِلَى التَّكْفِيرِ، وَمِنَ التَّكْفِيرِ إِلَى تَبْرِيرِ الْعُنْفِ. وَهُنَا تَكْمُنُ خُطُورَةُ الْمَزْجِ بَيْنَ قِرَاءَةٍ دِينِيَّةٍ أُحَادِيَّةٍ، وَتَأْوِيلٍ يُصَادِرُ حَقَّ الْآخَرِ فِي الِاخْتِلَافِ، وَخِطَابٍ يُصَوِّرُ الْمُجْتَمَعَ سَاحَةً لِلْفَرْزِ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَمُتَّهَمٍ.
وَالْأَخْطَرُ حِينَ يَتَحَوَّلُ بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الْخِطَابِ إِلَى أَبْوَاقٍ لِلْفِتْنَةِ وَالتَّضْلِيلِ، فَيَسْتَخْدِمُونَ الْمَنَابِرَ لِتَخْدِيرِ الْوَعْيِ، وَتَحْشِيدِ الْجُمُوعِ، وَتَشْوِيهِ الْمُخَالِفِينَ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَأْتِي عِبَارَةُ «مَشَايِخِ النَّاتُو» وَصْفًا نَقْدِيًّا لِمَنْ يُسَخِّرُونَ الْخِطَابَ الدِّينِيَّ لِخِدْمَةِ أَجَنْدَاتٍ خَارِجِيَّةٍ، لَا تَصْنِيفًا جَامِعًا لِعُلَمَاءِ الدِّينِ، وَلَا اتِّهَامًا لِكُلِّ مَنْ خَالَفَنَا فِي الرَّأْيِ. فَالْمِعْيَارُ هُوَ الْمَوْقِفُ وَالدَّلِيلُ، لَا الْهَوَى وَالتَّخْمِينُ؛ وَالْعَالِمُ يُعْرَفُ بِمَا يُنِيرُ مِنْ بَصِيرَةٍ، لَا بِمَا يُشْعِلُ مِنْ خُصُومَاتٍ.
وَتَتَجَلَّى خُطُورَةُ هَذَا الْمَسَارِ أَيْضًا فِي كُتُبٍ وَمُؤَلَّفَاتٍ وَمَقَاطِعَ تَتَدَاوَلُهَا بَعْضُ الْجَمَاعَاتِ الْمُتَشَدِّدَةِ، فَتَنْتَقِي مِنَ النُّصُوصِ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهَا، وَتَعْزِلُهُ عَنْ سِيَاقِهِ، ثُمَّ تَرْفَعُهُ فَوْقَ النَّقْدِ وَالْمُرَاجَعَةِ. وَعِنْدَمَا تُقَدَّمُ أَقْوَالُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَأَنَّهَا نِهَايَةُ الْفَهْمِ وَمُنْتَهَى الْحَقِيقَةِ، يَتَحَوَّلُ الِاقْتِدَاءُ مِنْ تَعَلُّمٍ وَتَبَصُّرٍ إِلَى تَقْلِيدٍ أَعْمَى، وَيَغْدُو الشَّبَابُ الْمُسْتَهْدَفُونَ بِالتَّعْبِئَةِ أَسْرَى مَنْظُومَةٍ تُعَلِّمُهُمُ الْخُصُومَةَ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ، وَالْإِدَانَةَ قَبْلَ الْفَهْمِ، وَالْعُنْفَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا قِيمَةَ الْحَيَاةِ.
وَلَيْسَ مِنَ الْمُنْصِفِ أَنْ نَجْعَلَ كُلَّ كِتَابٍ مَسْؤُولًا عَنْ جَرِيمَةٍ، أَوْ كُلَّ تَيَّارٍ مَسْؤُولًا عَنْ أَفْعَالِ أَفْرَادٍ يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ؛ وَلَكِنَّ الْإِنْصَافَ نَفْسَهُ يَقْتَضِي أَلَّا نُغْفِلَ أَثَرَ الْأَفْكَارِ حِينَ تُقْرَأُ قِرَاءَةً تَحْرِيضِيَّةً، وَتُسْتَخْدَمُ لِتَسْوِيغِ اسْتِبَاحَةِ الْآخَرِ. فَالْكَلِمَةُ لَا تُدَانُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهَا فِي كِتَابٍ، بَلْ بِمَا يَصْنَعُهُ بِهَا الْمُحَرِّضُ، وَبِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْوِيلِهَا مِنْ مَوَاقِفَ وَمُمَارَسَاتٍ.
وَالْأَشَدُّ مُفَارَقَةً أَنَّ بَعْضَ الْجِهَاتِ الَّتِي أَسْهَمَتْ، فِي مَرَاحِلَ تَارِيخِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فِي تَهْيِئَةِ الْبِيئَاتِ الْفِكْرِيَّةِ أَوِ السِّيَاسِيَّةِ لِهَذِهِ التَّيَّارَاتِ، قَدْ أَعَادَتْ حِسَابَاتِهَا أَوْ تَبَرَّأَتْ مِنْ بَعْضِ مَسَارَاتِهَا حِينَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهَا النَّتَائِجُ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يَزَالُ بَعْضُ الْمُتَعَلِّقِينَ بِهَذَا الْمِيرَاثِ يَتَعَامَلُونَ مَعَهُ كَأَنَّهُ نَصٌّ مُغْلَقٌ لَا يَجُوزُ مُرَاجَعَتُهُ، وَيَتَشَبَّثُونَ بِشُعَارَاتِهِ بَعْدَ أَنْ تَغَيَّرَتْ حِسَابَاتُ بَعْضِ مَنْ رَوَّجُوا لَهَا. وَكَأَنَّ الْأَفْكَارَ، بَعْدَ أَنْ تَتَجَاوَزَ حَاجَةَ صَانِعِهَا، تَسْتَقِلُّ بِمَسَارِهَا، وَتَتَحَوَّلُ إِلَى أَسْرٍ فِكْرِيٍّ يَصْعُبُ عَلَى أَتْبَاعِهِ الِانْفِكَاكُ مِنْهُ. وَهُنَا يَجِبُ أَنْ يُطْرَحَ السُّؤَالُ: إِذَا كَانَتِ الْمُرَاجَعَةُ مُمْكِنَةً لِمَنْ صَنَعَ الْخِطَابَ أَوِ اسْتَثْمَرَهُ، فَلِمَاذَا تُعَدُّ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ وَرِثَهُ؟ وَمَنْ يَدْفَعُ ثَمَنَ الْبَقَاءِ أَسِيرًا لِأَفْكَارٍ لَمْ يَعُدْ بَعْضُ مُرَوِّجِيهَا يَتَبَنَّوْنَهَا بِالصُّورَةِ نَفْسِهَا؟
وَقَدْ تَتَقَاطَعُ نَتَائِجُ هَذَا الْخِطَابِ، عَمْدًا أَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، مَعَ مَصَالِحِ قُوًى اسْتِعْمَارِيَّةٍ وَمَعَ حِسَابَاتِ الْكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ؛ إِذْ يُمْكِنُ لِلْفِتْنَةِ الدَّاخِلِيَّةِ أَنْ تُضْعِفَ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَتَسْتَنْزِفَ طَاقَاتِهَا، وَتَصْرِفَ أَنْظَارَهَا عَنْ أَسْبَابِ أَزَمَاتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ. وَلَكِنَّ إِثْبَاتَ التَّبَعِيَّةِ أَوِ التَّنْسِيقِ يَحْتَاجُ إِلَى أَدِلَّةٍ؛ فَالنَّتِيجَةُ الَّتِي تَخْدُمُ طَرَفًا لَا تَكْفِي وَحْدَهَا لِإِثْبَاتِ أَنَّهُ صَنَعَ الْحَدَثَ أَوْ وَجَّهَهُ. وَهَذَا مَا يَجْعَلُ النَّقْدَ الْمَسْؤُولَ أَقْوَى مِنَ الِاتِّهَامِ الْمُرْسَلِ، وَالْحُجَّةَ أَبْقَى مِنَ الشِّعَارِ.
وَمَا حَدَثَ فِي الْأُرْدُنِّ يُذَكِّرُنَا بِفَدَاحَةِ هَذَا الْخَطَرِ؛ فَقَدْ تَعَرَّضَتْ كَنِيسَةٌ أُرْثُوذُكْسِيَّةٌ فِي مُحَافَظَةِ الْكَرَكِ، يَوْمَ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أُكْتُوبَرَ 2026، لِهُجُومٍ مُسَلَّحٍ أَثْنَاءَ مَرَاسِمِ جَنَازَةٍ، أَسْفَرَ، وَفْقَ تَقْرِيرٍ لِوَكَالَةِ «رُويْتَرْز» فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ نَفْسِهِ، عَنْ مَقْتَلِ تِسْعَةِ أَشْخَاصٍ وَإِصَابَةِ أَرْبَعِينَ آخَرِينَ. وَهِيَ جَرِيمَةٌ مُدَانَةٌ بِكُلِّ مَعَايِيرِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْقِيَمِ الدِّينِيَّةِ؛ فَلَا حُرْمَةَ لِمَقَامٍ دِينِيٍّ إِذَا اسْتُبِيحَتْ حُرْمَةُ الْإِنْسَانِ، وَلَا مَجَالَ لِتَبْرِيرِ اسْتِهْدَافِ الْمَدَنِيِّينَ بِاسْمِ عَقِيدَةٍ أَوْ شِعَارٍ. وَنُعَبِّرُ عَنْ تَعَازِينَا لِأُسَرِ الضَّحَايَا، وَنَتَمَنَّى الشِّفَاءَ لِلْمُصَابِينَ، وَنُؤَكِّدُ أَنَّ حِمَايَةَ دُورِ الْعِبَادَةِ وَحُرِّيَّةَ الْمُتَدَيِّنِينَ وَكَرَامَةَ الْمُخَالِفِينَ مَسْؤُولِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ وَمُجْتَمَعِيَّةٌ. أَمَّا الْمَبْدَأُ فَوَاضِحٌ: لَا يُبَرِّرُ الدِّينُ قَتْلَ الْأَبْرِيَاءِ، وَلَا تَمْنَحُ الْعَقِيدَةُ أَحَدًا حَقَّ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْإِنْسَانِ. وَإِنَّ أَيَّ تَحْقِيقٍ جَادٍّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْجَرَائِمِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ وَدَوَافِعَهُ وَشَبَكَاتِ التَّحْرِيضِ إِنْ وُجِدَتْ، دُونَ اسْتِبَاقٍ لِلنَّتَائِجِ أَوْ تَحْمِيلٍ لِلْأَبْرِيَاءِ تَبِعَاتِ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ.
إِنَّ غَسْلَ الْعُقُولِ بِسُمُومِ الْفِكْرِ الْمُتَطَرِّفِ أَشَدُّ وَقْعًا وَأَعْمَقُ أَثَرًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ صُوَرِ الْعُدْوَانِ الْمُبَاشِرِ؛ فَالْعُنْفُ قَدْ يَسْتَهْدِفُ جَسَدًا، أَمَّا التَّحْرِيضُ فَيَسْتَهْدِفُ الْوَعْيَ، وَيَزْرَعُ فِي الْأَذْهَانِ بُذُورًا قَدْ تُنْبِتُ أَحْقَادًا تَتَنَاقَلُهَا الْأَجْيَالُ. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ مُوَاجَهَةَ التَّطَرُّفِ أَوْ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِالسَّلَفِيَّةِ الْجِهَادِيَّةِ لَا تَكْتَمِلُ بِالْمُعَالَجَةِ الْأَمْنِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى تَرْبِيَةٍ عَلَى التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَخِطَابٍ دِينِيٍّ مَسْؤُولٍ، وَإِعْلَامٍ يَتَحَرَّى الْحَقِيقَةَ، وَقَضَاءٍ يَحْمِي الْحُقُوقَ، وَعَدَالَةٍ تَحْفَظُ الْكَرَامَةَ، وَتَجْفِيفٍ لِمَنَابِعِ التَّحْرِيضِ وَالتَّجْنِيدِ وَالتَّضْلِيلِ.
فَلَا يَكْفِي أَنْ نُدِينَ الْجَرِيمَةَ بَعْدَ وُقُوعِهَا، ثُمَّ نَتْرُكَ الْمَنَابِرَ وَالْمَنَصَّاتِ تُعِيدُ إِنْتَاجَ الْخِطَابِ الَّذِي يُهَوِّنُ مِنْ كَرَامَةِ الْمُخَالِفِ أَوْ يُصَوِّرُهُ عَدُوًّا مُطْلَقًا. وَلَا يَكْفِي أَنْ نَسْتَنْكِرَ الْإِرْهَابَ بِلِسَانِنَا، إِذَا كُنَّا نَتَسَاهَلُ مَعَ الْمُقَدِّمَاتِ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي تُهَيِّئُ لَهُ الْمَنَاخَ وَتَمْنَحُهُ لُغَةً تَتَسَتَّرُ بِهَا الْكَرَاهِيَةُ. فَالْمُرَاجَعَةُ الشُّجَاعَةُ لَيْسَتْ طَعْنًا فِي الدِّينِ، بَلْ حِمَايَةٌ لَهُ مِنَ الِاسْتِغْلَالِ؛ وَالنَّقْدُ الْمُنْصِفُ لَيْسَ عَدَاءً لِلتُّرَاثِ، بَلْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مَا يُنِيرُ الْعَقْلَ وَمَا يُسْتَخْدَمُ لِإِظْلَامِهِ.
دِينٌ يَجْمَعُ، لَا خِطَابٌ يُفَرِّقُ:
إِنَّ الْأُمَمَ لَا تَسْتَقْوِي بِتَكَاثُرِ الْخُصُومَاتِ، بَلْ بِرُشْدِ الْوَعْيِ، وَتَمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِ، وَاحْتِرَامِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ. فَلْنُوَاجِهْ التَّطَرُّفَ بِالْبُرْهَانِ، وَالتَّحْرِيضَ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالْجَهْلَ بِالْمَعْرِفَةِ؛ وَلْنَفْصِلْ بَيْنَ قَدَاسَةِ الدِّينِ وَمَنْ يَسْتَغِلُّ اسْمَهُ لِتَبْرِيرِ الْعُنْفِ.
فَالدِّينُ نُورٌ يَهْدِي، لَا سُمٌّ يُحْقَنُ فِي الْعُقُولِ؛ وَرِسَالَةٌ تَجْمَعُ الْإِنْسَانِيَّةَ، لَا رَايَةٌ تُرْفَعُ لِتَبْرِيرِ الْإِرْهَابِ وَإِشْعَالِ الْفِتَنِ. وَمَنْ يَتَّخِذُ مِنَ الْمَنَابِرِ سُلَّمًا إِلَى الشُّهْرَةِ عَلَى حِسَابِ الْوِئَامِ، وَمِنْ تَكْفِيرِ الْآخَرِينَ وَسِيلَةً لِتَكْرِيسِ نُفُوذِهِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ تَأْجِيجَ الْكَرَاهِيَةِ لَيْسَ بُطُولَةً، وَأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَفْقِدُ مَنَاعَتَهُ الْفِكْرِيَّةَ يَصِيرُ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِمَنْ يَسْتَثْمِرُ انْقِسَامَاتِهِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْوَعْيَ حِصْنُ الْأُمَمِ، وَالْحِكْمَةَ مِيزَانُ الْمَوَاقِفِ، وَالتَّعَايُشَ جِسْرُ الْعُبُورِ مِنْ ضِيقِ التَّعَصُّبِ إِلَى رَحَابَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. فَلَا تَغْرِيبَ يُبْنَى عَلَى إِقْصَاءِ الْآخَرِ، وَلَا تَقْرِيبَ يَصْدُقُ بِشِعَارَاتٍ تُخْفِي أَسْبَابَ التَّنَازُعِ؛ بَلْ تَقَارُبٌ تَحْرُسُهُ الْبَصِيرَةُ، وَاخْتِلَافٌ تَضْبِطُهُ الْأَخْلَاقُ، وَحِوَارٌ تَسْتَنِيرُ بِهِ الْعُقُولُ.
فَحِينَ تَسْقُطُ أَقْنِعَةُ الْكَرَاهِيَةِ، يَبْقَى الْإِنْسَانُ بِكَرَامَتِهِ، وَيَبْقَى الدِّينُ بِسَمَاحَتِهِ، وَتَبْقَى الْحَقِيقَةُ أَقْوَى مِنْ ضَجِيجِ الْمُحَرِّضِينَ، وَأَبْقَى مِنْ شِعَارَاتِهِمُ الزَّائِلَةِ. فَلَا يَسْتَقِيمُ تَقْرِيبٌ تَحْتَ رَايَةِ التَّكْفِيرِ، وَلَا يُبْنَى سَلَامٌ عَلَى تَرْبِيَةِ الْأَجْيَالِ عَلَى الْبُغْضِ؛ إِنَّمَا يَبْدَأُ الْإِصْلَاحُ حِينَ نَتَحَرَّرُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَفْكَارِ، وَنَضَعُهَا جَمِيعًا أَمَامَ مِيزَانِ الْعَقْلِ وَالْأَخْلَاقِ وَمَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ.