قد يتحول صوت خفيف أو همسة غامضة أو لمسة مفاجئة إلى تجربة مخيفة عندما يكون الشخص في منزل مظلم أو يشاهد فيلما مرعبا. لكن الإحساس نفسه قد لا يلفت انتباهه كثيرا في ظروف أخرى، مثل المشي في مكان مشمس برفقة صديق.
وتشير دراسة جديدة من جامعة كارنيغي ميلون الأمريكية، نشرت في مجلة Nature Communications، إلى أن الدماغ لا يكتفي باستقبال المعلومات الحسية ، بل يفسرها أيضا، ويسهم في تحديد الطريقة التي ندرك بها العالم من حولنا.
وتوضح النتائج أن الإشارة الحسية قد تكون حقيقية في الحالتين، لكن تفسير الدماغ لها يختلف تبعا للسياق والحالة الذهنية وطريقة تفاعل مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة الإحساس.
كيف يقرر الدماغ ما يستحق الانتباه؟

يعد فهم الطريقة التي يحدد بها الدماغ أهمية المعلومات الحسية من الأسئلة الأساسية في علم الأعصاب.
وقالت كيت هونغ، الأستاذة المساعدة في قسم العلوم البيولوجية ومعهد علم الأعصاب في كلية ميلون للعلوم بجامعة كارنيغي ميلون، إن الإنسان لا يرى العالم دائما كما هو في الواقع، لأن الدماغ يفسر الإشارات باستمرار لمساعدتنا على فهم ما يحدث في البيئة المحيطة.
وأضافت أن اهتمامها يتركز على كيفية تحويل الدماغ المدخلات الحسية إلى إدراك للعالم.
وفي الدراسة الجديدة، أظهرت هونغ وزملاؤها أن الإدراك ليس عملية سلبية يكتفي فيها الدماغ باستقبال الإشارات، بل ينشأ من التواصل بين مناطق عصبية مختلفة، من بينها القشرة الحسية الجسدية والأكيمة العلوية.
وتشير النتائج إلى أن التفاعل بين هاتين المنطقتين يسهم في تحديد ما إذا كان الإحساس سيصبح ملحوظا ويدفع الشخص إلى الإبلاغ عنه.
وقالت أليس نام، الباحثة الرئيسية في الدراسة، والتي كانت طالبة دراسات عليا في مختبر هونغ عند إجراء البحث، إن فهم الدماغ يتطلب النظر إليه بوصفه منظومة متكاملة، إذ تتعاون مناطق مختلفة ومجموعات متعددة من الخلايا العصبية لإنجاز الوظائف الإدراكية.
كيف اختبر العلماء طريقة إدراك الإحساس؟
ركز الباحثون على جانبين مختلفين من الإدراك الحسي.
الأول هو الحساسية الحسية، أي قدرة الكائن على التمييز بين وجود المثير الحسي وغيابه.
أما الثاني فهو الانحياز في اتخاذ القرار، ويشير إلى مدى ميل الكائن إلى الإبلاغ عن شعوره بإحساس معين.
ولدراسة هذين الجانبين، درب الفريق فئران التجارب على اكتشاف حركات دقيقة جدا في شواربها، التي تستخدمها لاستكشاف البيئة المحيطة، بطريقة تشبه استخدام الإنسان لأطراف أصابعه في تحسس الأشياء.
وكان على الفئران الإبلاغ عما إذا كانت قد شعرت بالمثير، من خلال لعق منفذ مخصص للإجابة «نعم»، أو منفذ آخر للإجابة «لا».
وأتاح هذا الاختبار للباحثين التمييز بين قدرة الحيوان على اكتشاف المثير نفسه وبين ميله إلى الإبلاغ عن اكتشافه.
وأوضحت هونغ أن عتبة الإحساس قد تتغير تبعا للظروف المحيطة. فقد يصبح الدماغ أكثر انتباها إلى احتكاك خفيف بالجلد في ظروف معينة، بينما قد لا يلفت الاحتكاك نفسه الانتباه في ظروف أخرى.
وضربت مثالا بشخص يمشي في مقبرة، حيث قد يصبح شديد الانتباه إلى كل صوت أو همسة، في حين قد تمر الأصوات نفسها من دون ملاحظة خلال نزهة نهارية هادئة مع صديق.
وبحسب هونغ، حتى عندما يبقى الإحساس كما هو، قد ترتفع أو تنخفض العتبة التي تدفع الشخص إلى الإقرار بأنه شعر به أو إلى ملاحظته بوعي.
تعطيل منطقة دماغية كشف نتيجة غير متوقعة
كان الباحثون يتوقعون أن تؤدي القشرة الحسية الجسدية دورا رئيسيا في التجربة، لأنها تعد مركزا أساسيا لمعالجة الإحساس باللمس.
واستخدم الفريق تقنية تعرف باسم «علم البصريات الوراثي» (Optogenetics)، تتيح التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء. ومن خلال هذه التقنية، تمكن الباحثون من تثبيط نشاط القشرة الحسية الجسدية مؤقتا بينما كانت الفئران تنفذ مهمة اكتشاف اللمس.
وكان التوقع أن تصبح الفئران أقل حساسية للمثيرات اللمسية. لكن النتائج جاءت مختلفة.
فقد ظلت الحيوانات قادرة على اكتشاف المثيرات، لكنها أصبحت أقل ميلا إلى الإبلاغ عن شعورها بها في بعض الظروف.
وقالت هونغ إن المفاجأة كانت أن تعطيل نشاط القشرة لم يغير حساسية الحيوانات ببساطة، بل أثر في ميلها إلى الإجابة بأنها شعرت بالمثير. كما اختلفت الاستجابة تبعا للجانب من الدماغ الذي جرى تثبيط نشاطه، فأصبحت الفئران أكثر أو أقل ميلا إلى اختيار إجابة «نعم».
وتشير هذه النتيجة إلى أن قدرة الدماغ على اكتشاف الإشارة الحسية لا تتطابق بالضرورة مع قراره بشأن الإبلاغ عنها أو التعامل معها بوصفها إحساسا يستحق الانتباه.
ما دور الأكيمة العلوية في إدراك الإحساس؟
دفعت النتائج الباحثين إلى دراسة منطقة أخرى من الدماغ تسمى «الأكيمة العلوية»، وهي بنية قديمة تطوريا تشارك في اكتشاف الأحداث المهمة والمساعدة على إطلاق استجابات سريعة للمؤثرات البصرية والسمعية واللمسية.
وتساعد هذه المنطقة على تنسيق ردود الفعل السريعة تجاه التغيرات المحيطة. فعندما ينقر شخص على كتفك بصورة مفاجئة، قد تستدير برأسك نحوه بشكل تلقائي قبل أن تفكر في سبب اللمسة، وتشارك الأكيمة العلوية في تنسيق مثل هذه الاستجابات.
وتوجد لدى الضفادع بنية دماغية تؤدي وظيفة تطورية مماثلة، تعرف باسم السقف البصري. فعندما تلاحظ الضفدعة حشرة، يمكنها الاستجابة بسرعة وإطلاق لسانها لالتقاطها.
أما لدى البشر، فقد تطورت القشرة الدماغية لتصبح أكبر وأكثر قدرة على معالجة المعلومات الحسية المعقدة والاستدلال والتذكر واتخاذ القرارات. ومع ذلك، لم تختف البنى الدماغية الأقدم، بل استمرت في العمل بالتعاون مع المناطق الأكثر تطورا.
وقالت هونغ إن النتائج توضح أن القشرة الحسية الأولية تتفاعل مع هذه المنظومة العصبية القديمة حتى عند اتخاذ قرار بسيط نسبيا، مثل تحديد ما إذا كان المثير الحسي موجودا أم لا.
الدماغ لا يستقبل الإحساس فحسب، بل يفسره
تشير نتائج الدراسة إلى أن الإدراك ينشأ من التفاعل بين مناطق مختلفة في الدماغ، وليس من نشاط منطقة واحدة مسؤولة عن وظيفة محددة.
فالدماغ يوازن باستمرار بين الإشارات الحسية الواردة والتوقعات والسياق والحالة الذهنية قبل تحديد ما يستحق الانتباه.
وهذا يساعد على تفسير سبب اختلاف استجابة الشخص للإحساس نفسه من موقف إلى آخر. فالصوت الخافت الذي لا يثير القلق في بيئة مألوفة قد يبدو مقلقا في الظلام، ليس بالضرورة لأن الصوت تغير، بل لأن الدماغ يفسر الإشارة ضمن سياق مختلف.
ومع ذلك، لا تعني النتائج أن الخوف أو التوقع وحدهما يفسران جميع الاختلافات في الإدراك، بل توضح أن معالجة الإشارات الحسية تتأثر بتفاعل منظومة عصبية متعددة المناطق.
ما الخطوة التالية في أبحاث الإدراك الحسي؟
يسعى مختبر هونغ إلى فهم كيفية انتقال الدماغ من اكتشاف مثير بسيط، مثل اللمس، إلى إصدار أحكام إدراكية أكثر تعقيدا، مثل تحديد مصدر الإحساس أو تفسير سببه.
فاكتشاف أن شيئا ما لمس الجلد يختلف عن معرفة ما الذي تسبب في اللمسة، إذ يتطلب الأمر الثاني معالجة معلومات إضافية.
وترى هونغ أن تطور القشرة المخية الحديثة لدى البشر لم يؤد إلى استبدال البنى الدماغية الأقدم، بل أتاح قدرات جديدة من خلال العمل معها والاستفادة من وظائفها التي ساعدت الحيوانات على البقاء عبر التطور.
وقد يسهم فهم هذه الآليات الأساسية مستقبلا في دراسة التغيرات التي تطرأ على المعالجة الحسية والسلوك بعد إصابات الدماغ، وكذلك لدى الأشخاص المصابين بحالات مرتبطة بالنمو العصبي، مثل التوحد.
الخلاصة: لا تعتمد تجربتنا للإحساس على الإشارة التي تصل إلى الدماغ وحدها، بل تتأثر أيضا بطريقة تفسير الدماغ لها وتفاعل مناطقه المختلفة. وتكشف الدراسة أن اكتشاف المثير الحسي والاستعداد للإبلاغ عنه عمليتان يمكن أن تتأثرا بآليات عصبية مختلفة، وهو ما يساعد على فهم سبب اختلاف إدراكنا للمواقف من حولنا رغم تشابه المؤثرات الحسية.