«حين يصبح التجويع سلاحاً والإبادة وجهاً للعدوان؛ نداء إلى شعوب وجيوش دول جوار فلسطين لكسر حاجز الصمت، واستنهاض الإرادة، وتحويل واجب الأخوّة من شعارات معلّقة إلى مواقف تُنقذ الإنسان وتصون الكرامة»
حين يُستباح الإنسان، لا يعود الصمت موقفاً يحتمل التأويل؛
ثمة مآسٍ لا تكفيها الدموع، وفواجع تعجز عن حملها القواميس، وجرائم حين تتكرر أمام أعين العالم، لا تكشف وحشية مرتكبيها فحسب، بل تكشف أيضاً مقدار ما تبقى في ضمائر المتفرجين من حياة.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة تنزف، ولا حكاية عابرة في سجل الحروب؛ إنها مأساة إنسانية تتكسر على صخورها أبسط حقوق البشر. أطفال يُنتزعون من أحضان أمهاتهم، وأمهات يفتشن عن أبنائهن بين الأنقاض، وعائلات تُباد تحت سقوف منازلها، وأجساد ينهكها الجوع والعطش والمرض، فيما يُحاصَر الخبز، ويُمنع الدواء، وتُغلق منافذ الحياة.
أيُّ جريمة أفدح من أن يصبح رغيف الطفل رهينة، وجرعة الدواء حلماً، والماء أمنية؟ وأيُّ سقوط أخلاقي أبلغ من أن تُشاهَد هذه الفظائع، ثم تُترك بلا رادع يوقفها أو حساب يلاحق مرتكبيها؟
إن ما يجري ليس مأساة تستدعي التعاطف وحده، بل عدوان يستوجب الإدانة والمحاسبة والتحرك العاجل. فلا يجوز أن يتحول حق الإنسان في الحياة إلى ورقة ضغط، ولا أن يُمنح القاتل حصانة القوة، بينما يُترك الضحية وحيداً في مواجهة الموت.
أولاً: غزة تنزف... والعالم أمام مسؤولية لا تسقط بالتقادم؛
ليس من حق أحد أن يطلب من غزة الصبر إلى ما لا نهاية، وليس من حق العالم أن يتعامل مع دماء أبنائها باعتبارها أرقاماً قابلة للنسيان. فالطفل الذي يموت جوعاً ليس تفصيلاً في نشرة، والأم التي تفقد أبناءها ليست صورة عابرة، والبيت الذي يُهدم على ساكنيه ليس مجرد حجر فقد مكانه.
إن سياسة التجويع والترويع، واستهداف المدنيين، وتدمير مقومات الحياة، ومنع الإغاثة، جرائم وانتهاكات لا تمنحها القوة شرعية، ولا تمنحها الحسابات السياسية عذراً. فالاحتلال لا يُحوّل الباطل إلى حق، والتفوق العسكري لا يصنع حصانة أخلاقية، والصمت الدولي لا يمحو مسؤولية الجناة.
لقد آن الأوان لكسر اعتياد المشهد؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسانية ليس أن ترى المأساة فحسب، بل أن تتعلم التعايش معها!
ثانياً: يا دول جوار فلسطين... الجغرافيا تناديكم، والضمير يستنهضكم!
إلى مصر والأردن ولبنان وسوريا، شعوباً وجيوشاً وقيادات ومؤسسات: إن غزة ليست بعيدة عنكم، ولا يجوز أن تكون استغاثتها بعيدة عن مسامعكم. فأنتم الأقرب جغرافياً، والأقدر بحكم موقعكم وإمكاناتكم على الإسهام في فتح مسارات الإغاثة وتوسيع ميادين التحرك.
يا شعوب هذه الدول، اكسروا حاجز الصمت، ولا تسمحوا للخوف أو الاعتياد أو تشتت المواقف بأن يخمد صوت الضمير. ارفعوا نداءاتكم السلمية، وحركوا المبادرات الشعبية والإنسانية، واضغطوا بالوسائل المشروعة من أجل إنقاذ المحاصرين وإيصال المساعدات ووقف الجرائم.
وإلى قيادات دول الجوار: إن اللحظة لا تحتمل مزيداً من التأجيل، ولا تحتمل بيانات تتقن وصف الكارثة ثم تعود إلى أدراجها. المطلوب تنسيق عاجل، ومواقف عملية، وتحرك سياسي ودبلوماسي وقانوني مكثف، وفتح المعابر والممرات الإنسانية، وضمان وصول الغذاء والماء والدواء والوقود والمستلزمات الطبية دون عوائق.
إن الجوار ليس امتيازاً جغرافياً فحسب، بل مسؤولية حين يستغيث القريب، وامتحان حين يصبح الصمت أثقل من الواجب.
ثالثاً: إلى جيوش دول الجوار... اجعلوا من قوة الإمكانات جسراً للحياة؛
يا جيوش مصر والأردن ولبنان وسوريا، إن الشعوب لا تقيس مكانة جيوشها بما تختزنه مستودعاتها من عتاد فحسب، بل بما تقدمه من حماية وإغاثة، وما تمتلكه من استعداد لتحمل مسؤولياتها الوطنية والإنسانية.
إننا نناديكم اليوم بأن يكون لكم دور عاجل وفاعل في إنقاذ المدنيين، وتسخير الإمكانات الطبية واللوجستية، وتنظيم قوافل الإغاثة، وتأمين المساعدات، ودعم الجهود الرامية إلى حماية المستشفيات والعاملين في المجال الإنساني، والتنسيق المشترك لوقف الحصار والعدوان بكل الوسائل المشروعة.
لسنا دعاة توسيع دائرة الدم، ولا أنصار مغامرات تحرق ما تبقى من حياة؛ إنما دعاة موقف شجاع لا يساوم على حرمة الإنسان، ولا يجعل من تعقيدات السياسة ذريعة لتعطيل واجب الإغاثة والحماية.
فيا أصحاب البزات العسكرية، إن التاريخ لا يحفظ عدد الأوسمة وحدها، بل يسجل أيضاً مواقف المؤسسات حين تنادي الإنسانية. وما أعظم أن تتحول الإمكانات إلى نجدة، والجاهزية إلى إغاثة، والقوة إلى حماية!
رابعاً: إلى أصحاب المواقف الشريفة... لا تدعوا صوت المتخاذلين يطغى على صوت الأمة
ليس جميع الحكام العرب سواء، ولا يجوز أن تُطمس المواقف النبيلة في غمرة نقد المتخاذلين. فثمة من اتخذ مواقف مساندة، ومن بذل جهداً سياسياً أو إنسانياً، ومن وقف في حدود إمكاناته إلى جانب المظلومين، وهؤلاء يستحقون التقدير لا الإنكار.
لكن التقدير لا يمنع المحاسبة، والإشادة بالمواقف الشريفة لا تعفينا من مساءلة من امتلك القدرة واختار الاكتفاء بالمشاهدة، أو جعل حسابات المصالح أعلى من حرمة الدماء.
إلى أصحاب القرار الذين ما زالوا يملكون أوراق ضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية: استخدموا ما لديكم لوقف العدوان، وأوقفوا كل أشكال التعاون العسكري التي يمكن أن تسهم في استهداف المدنيين، وراجعوا العلاقات التي تتعارض مع حماية الإنسان وحقوقه، ولا تجعلوا المصالح التجارية والدبلوماسية مظلة تحجب مشهد الأطفال الجائعين والبيوت المهدمة.
إن التاريخ لا يطلب من الجميع المستحيل، لكنه لا يعفي القادر من واجب الممكن.
خامساً: من الغضب الشعبي إلى الفعل الدولي والمحاسبة؛
لقد خرجت الشعوب في عواصم ومدن كثيرة، وارتفعت أصوات المنظمات الحقوقية والإنسانية مطالبة بوقف الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها. وهذه الأصوات ليست ضجيجاً عابراً، بل شهادة على أن الضمير الإنساني لم يمت، وأن رواية القوة لا تستطيع إلى الأبد إسكات حقيقة الضحايا.
ومن هنا، فإن المطلوب وقف إمدادات السلاح التي يمكن استخدامها في قتل المدنيين، وفرض الضغوط اللازمة لإنهاء الحصار، وفتح تحقيقات دولية مستقلة وجادة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن جرائم الحرب والانتهاكات، وضمان وصول المساعدات دون اشتراطات أو ابتزاز.
كما أدعو إلى توسيع التحركات القانونية والدبلوماسية، ودعم المبادرات الحقوقية، وإنهاء أشكال التطبيع والتعاون التي تتعارض مع واجب حماية المدنيين ورفض الانتهاكات.
فلا قيمة لقانون يُستحضر عند الضعفاء ويُعطّل أمام الأقوياء، ولا معنى لعدالة تتوقف عند أبواب أصحاب النفوذ. إن العدالة لا تُجزّأ، وحرمة الدم لا تتبدل بتبدل هوية الضحية.
إما أن نستعيد صوت الموقف... أو نترك للتاريخ حق مساءلتنا؛
يا غزة، لستِ رقماً في ذاكرة العالم، ولا جرحاً مؤقتاً في ضمير أمة؛ أنتِ امتحان انكشف فيه معدن المواقف، وظهر الفرق بين من جعل من الإنسانية عقيدة عمل، ومن جعل منها عبارة للاستهلاك الإعلامي.
وإلى شعوب مصر والأردن ولبنان وسوريا، وإلى جيوشها ومؤسساتها: لا تنتظروا أن تصبح المأساة خبراً من الماضي حتى تكتشفوا أن اللحظة كانت تستحق موقفاً. اكسروا حاجز الصمت، وحركوا طاقاتكم، واجعلوا من التضامن فعلاً، ومن الأخوّة مسؤولية، ومن القرب الجغرافي قرباً في الموقف والوجدان.
وإلى الشعوب العربية كافة: لا تتركوا غزة وحيدة في مواجهة الجوع والدمار، ولا تسمحوا بأن تتحول دموع أطفالها إلى مشهد مألوف. فالتاريخ لا يرحم من رأى واستطاع أن يفعل، ثم اختار أن ينتظر.
أما المجتمع الدولي، فعليه أن يدرك أن بيانات القلق لا توقف القنابل، وأن عبارات الأسف لا تطعم الجائعين، وأن العدالة التي لا تلاحق الجناة ليست سوى وعد مؤجل.
إننا لا نطالب بمعجزة، بل بموقف؛ ولا نستجدي عاطفة، بل نستنهض مسؤولية؛ ولا ندعو إلى مزيد من الموت، بل إلى وقف القتل وإنقاذ الحياة.
فيا أصحاب القرار، ويا جيوش الجوار، ويا شعوب الأمة: لا تجعلوا حدود الجغرافيا أوسع من حدود ضمائركم، ولا تجعلوا حسابات السياسة أضيق من مساحة الإنسانية.
غزة اليوم تنادي، وغداً سيُفتح سجل التاريخ؛ وحينها لن يكون السؤال: من امتلك القوة؟ بل من امتلك الشجاعة ليستخدم ما لديه في نصرة الحياة؟
فليس العار أن يعجز المرء عن تغيير العالم وحده، بل العار أن يملك القدرة على إنقاذ حياة، ثم يتذرع بالصمت حتى يفوت الأوان.
كاتب دمشقي حر في الغربة.