عبد الحميد كناكري خوجة: نظافة المضافة... من شيم الضيافة
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: نظافة المضافة... من شيم الضيافة
عبد الحميد كناكري خوجة|كاتب من سورية
3 تشرين الثاني 2026 , 22:22 م

«من عراقة الجذور إلى طهارة الصدور، ومن كرم الحضور إلى صون الديار؛ حكاية شعبٍ يصون الضيافة ويحمي السيادة»

حين تتحدث المضافة بلسان الحضارة:

ليست المضافة أربعة جدران، ولا الضيافة مائدةً تُمدّ ثم تُرفع؛ إنهما ثقافة شعب، وشهادة ذوق، ومرآة أخلاق. ففي نظافة المكان رسالة، وفي طيب الاستقبال دلالة، وفي إكرام الغريب أصالة لا تصنعها المظاهر ولا تشتريها الأموال. ولعلّ من الإنصاف أن ننظر إلى الشعوب بعيون تتجاوز الصور العابرة، وأن نقرأ حضاراتها من تفاصيل حياتها، ونستحضر صفحات تاريخها، وننصت إلى ما تختزنه ذاكرتها من أمجاد، وما تحمله قلوب أبنائها من مودة ووداد؛ فكم من أمة اتسعت حضارتها لاتساع تاريخها، وازدانت إنسانيتها بنبل أهلها وكرم خصالها.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية... حيث تتعانق عراقة الجذور ونخوة الحضور:

حين نتحدث عن إيران، فإننا نتحدث عن أرض ضاربة في أعماق التاريخ، وعن حضارة تعاقبت عليها القرون، وتراكمت في وجدانها الفنون والآداب والفلسفات والتقاليد. بلاد لم تكن مجرد مساحة على خارطة، بل فضاءً حضارياً حملته الذاكرة، وصاغته التجارب، وأغنته روافد الثقافات.

ومن يتأمل تقاليد الضيافة الإيرانية، يجد في كثير من مظاهرها معنى يتجاوز تقديم الطعام والشراب؛ فهناك الترحيب بالزائر، والعناية بالضيف، والمبادرة إلى المساعدة، والاعتزاز بإظهار الوجه الكريم للبلاد. إنها تفاصيل قد تبدو صغيرة في أعين العابرين، لكنها كبيرة في ميزان الحضارات؛ إذ ليست عظمة الأمم بما تشيّده من قصور فحسب، بل بما تزرعه في نفوس ضيوفها من احترام، وما تتركه في ذاكرتهم من انطباع.

فالمضافة النظيفة عنوان نفس تحترم المكان، والضيافة الكريمة عنوان روح تحترم الإنسان؛ وما أجمل أن تجتمع نظافة الأركان بنظافة الوجدان، وأن يتعانق حسن الاستقبال مع حسن الخصال!

ولعلّ هذا المعنى يفتح لنا نافذة أوسع على مفهوم النظافة؛ فهي ليست ماءً وصابوناً، ولا ترتيباً وألواناً، بل ذوق في التعامل، ووعي في السلوك، ومسؤولية تجاه المحيط. نظافة الشارع احترام للآخر، ونظافة البيت احترام للذات، ونظافة الموقف احترام للحقيقة. وإذا كانت نظافة المكان تريح العين، فإن نظافة السريرة تطمئن القلب، وإذا كان جمال المظهر يستوقف الناظر، فإن جمال المخبر يستوقف الذاكرة.

ثم إن الضيافة لا تنفصل عن السيادة، ولا الكرم عن الكرامة؛ فالشعب الذي يفتح أبوابه للزائر يعتز في الوقت ذاته بصون داره، والذي يحسن استقبال ضيفه يزداد تمسكاً بحماية وطنه. وبين الأمرين خيط أخلاقي رفيع: أن تكون منفتحاً بثقة، وكريماً بعزة، ومتسامحاً بحكمة، ومتمسكاً بحقوقك بكرامة.

ومن هنا يمكن قراءة جانب من المبادئ التي حملتها الثورة الإسلامية الإيرانية منذ عام 1979، وما رسّخته قيادتها من تأكيد على استقلال البلاد، وصون هويتها الحضارية، وحماية سيادتها وكرامة شعبها. فالوطن ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا نشيداً يُردّد عند الحماسة؛ الوطن عهد يُصان، وأمانة تُرعى، وذاكرة لا تُباع. وتزداد هذه المبادئ رسوخاً وجمالاً حين تتجسد في السلوك الحضاري، وفي احترام الإنسان، وفي العناية بالأرض والمجتمع؛ فتغدو القيم ممارسةً حيّة، وتصبح المبادئ ملامح تُرى في تفاصيل الحياة.

وليس في حب الوطن ما يمنع احترام الآخرين؛ فالأمم الواثقة من جذورها ترحب بالتواصل، والشعوب المعتزة بهويتها ترى في إكرام الضيف تعبيراً عن كرامتها، وفي حسن الجوار امتداداً لأصالتها. بل إن الانفتاح الواعي وجه من وجوه القوة، والتعارف جسر بين الثقافات، والضيافة لغة إنسانية لا تحتاج إلى ترجمان.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن يقدمه الزائر عن بلد زاره ليس صورة لقصر شاهق، ولا وصفاً لساحة فسيحة، بل شهادة صادقة عن إنسان أحسن استقباله، ويد امتدت لمساعدته، وابتسامة بددت غربته. فالأوطان تُعرف أحياناً من أبواب بيوتها، وتُقاس من أخلاق أهلها، وتبقى في الذاكرة بما تتركه في القلوب من مودة، وما تغرسه في النفوس من تقدير واعتزاز؛ وهذا من شيم هذا الشعب العريق ومكارم تقاليده الأصيلة.

نظافة المضافة من نظافة المروءة:

وهكذا تعود بنا الحكاية إلى المضافة؛ ذلك المكان الذي قد يكون متواضع البناء، عظيم المعنى، بسيط الأثاث، رفيع المغزى. فليست النظافة ترفاً، ولا الضيافة تكلّفاً، ولا حماية الأوطان ادعاءً؛ إنها منظومة أخلاقية تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، وتمتد إلى أعظم معاني الانتماء.

وإذا كانت عراقة الجذور تمنح الشعوب هويتها، فإن طهارة الصدور تمنحها إنسانيتها؛ وإذا كان كرم الحضور يفتح للغريب أبواب المودة، فإن صون الديار يحفظ للأجيال معنى السيادة.

فطوبى لشعب نظّف مضافته من الإهمال، وصان ضيافته من الابتذال، وحفظ لوطنه حقه في الاستقلال؛ إذ ليست حضارة المرء بما يملك من جدران، بل بما يسكن قلبه من وجدان.

كاتب حر في الغربة.