د. عامر الربيعي / قراءة في الوضع اللبناني بعيدا عن المحاور الإقليمية
مقالات
د. عامر الربيعي / قراءة في الوضع اللبناني بعيدا عن المحاور الإقليمية
د.عامر الربيعي
4 آب 2021 , 22:48 م
د. عامر الربيعي / قراءة في الوضع اللبناني بعيدا عن المحاور الإقليمية

 


يعتبر لبنان الصغير بحجمه ، الكبير بمقاومته وتحريره الارض من الكيان الصهيوني ،  مثال صارخ حول مفهوم الصراع الامبريالي، ومفهوم المقاومة العربي الإسلامي.


  نأخذ لبنان نموذج لهذا العنوان لعدة عوامل أبرزها:


1- التفاعل السريع لقضايا الشرق الأوسط التي ترمي بثقلها على الساحة اللبنانية بعد مرحلة داعش والنصرة, وحرب السعودية على اليمن، وتفاعل الساحات المتضررة-العراق وسوريا واليمن بالإضافة  للساحة الإيرانية - مع الساحة اللبنانية من جهة، وتفاعل  كل تلك الساحات المتضررة ودول الخليج وباقي دول الوطن العربي مع ساحة  القضية الفلسطينية من جهة ثانية، وبروز انشقاق  في الموقف من مفهوم الإرهاب، والتطبيع  الذي أحدث رؤيتين داخل كل هذه الدول وخاصة في دول محور المقاومة ولبنان من أكثر الساحات التي تعاني منذ ثمانينيات القرن الماضي  من تبلور هاتين الرؤيتين. 


2- تصاعد في الفترة الأخيرة،  صراعا امبرياليا ، على أرض لبنان ، هذا الصراع تأتى من فقدان هذه الإمبريالية لمواقع الارتكاز التي تقف عليها في لبنان،  أدى إلى استخدام منظومة الحكم لغرض تفكيك الساحة التي تميل نحو المقاومة ، من خلال تفجير ساحة المقاومة وبيئتها بمختلف الوسائل،  فمنها ما يشهده لبنان اليوم من انهيار اقتصادي ، وارتفاع سعر صرف الدولار ، ومنها استهداف المقاومين من قبل كوادر ذات ايديولوجية يعرفها لبنان مسبقا ، وشهد فيها معارك في جرود عرسال والقصير ، وغيرها... 
دوائر الاستكبار عندما تدرس الحالة اللبنانية،  فإنها ستتعاطى مع المحور المقاوم ، الذي يكون حاجز امام تقدمها ، فيقوم- الخط الإمبريالي- بتطويع واستخدام  كل الميكانزمات الاصلية التي يتحرك بها ودفعها إلى الواجهة لغرض إذابة هذا الحاجز  ، وأسلوب  الاذابة هذا   يزداد حدته  كلما كان الحاجز قويا مانعا ، لا تستطيع هذه الدوائر اختراقه. 


التفاضلية في الاستراتيجية من خلال تراكم تجارب لبنان ، في الحفاظ على السيادة والمنعة ، عبر تاريخه ، اثبت ان لبنان اليوم يعيش مخاض التحرير من قبضة الاستكبار ، واخراج لبنان من تغلغل هذه القبضة في مفاصل الدولة اللبنانية،   وأن القضايا المفصلية التي يطالب بها لبنان ، من عودة ما تبقى من الارضي المحتلة من قبل الكيان الصهيوني للوطن ، والحفاظ على  ثلاثية الجيش،  الشعب ،المقاومة بمنأى عن المزايدات الإمبريالية في الساحة اللبنانية من قبل كوادرها الحكومية ، والذهاب إلى  ترسيم الحدود البرية والبحرية بما يضمن حق لبنان بثرواته المختلفة في البحر المتوسط .

كل هذه الملفات التفاوضية وصلت إلى ضرورة خروج لبنان منها وهو يحمل سيادته من دون الاذعان للشروط والمطالب، وهنا تكمن  نقطة الخلاف من جهة الإمبريالية  كما هو واضح ، لان قوة لبنان متأتية من قوة المقاومة ، ومن خلال مفهوم الثبات الذي يتحرك به حزب الله بما يخص سيادة لبنان على نقيض التخلخل الذي تعاني منه الساحة اللبنانية في ضوء فقدان الاستراتيجيات الحكومية للخطط السيادية لانقاذ لبنان ، مما يجعل مفهومان "الثبات والتخلخل" ، مفهومان يسيران بشكل متوازي الأول غير مجرب من حيث السياسة الخارجية،  والثاني طرق كل أبواب الدول العالمية  ووصل إلى طريق مسدود، وهو انهيار الاقتصاد اللبناني.
نستخلص من ذلك محورية حزب الله في الساحة اللبنانية، ومحوريته في محور المقاومة ،  ومحورية دوره في ايقاف إرهاب الجماعات الإرهابية في دول هذا المحور ، وضبط أسلوب التفاوض بين الحكومة اللبنانية في موضوع الطاقة المكتشفة ، ومحاولاته الجادة في تسمية رئيس وزراء للبنان ، نابع من مفهوم الثبات الذي يقف عليه لبنان ، وعليه إكمال مسيرته رغم كل ضغوط مفهوم التخلخل. 

 

*منظومة الحريري و المنظومة المالية المحركة للبنان*


لعل حادثة اغتيال رفيق الحريري،  الشخص الذي أسس جمعية المستقبل والأساس الذي وقف عليه تيار المستقبل فيما بعد ، يعتبر الحدث الأكثر عنفا ، الذي تم البناء عليه لمستقبل تيار المستقبل ، الذي يعتبر الممثل الأكبر الطائفة السنية،  وهذا ما نعتبره نقل ملكية القرار  لايار المستقبل والطائفة التي يمثلها إلى سعد الحريري الابن الاكبر لرفيق الحريري. 


لتيار المستقبل ثقل وهيكلية تمتد اذرعها في العملية السياسية و المنظومة الحكومية برمتها ، ولعل أبرزها هي وزارة المالية ، و انتماء الحاكم لمصرف لبنان إلى كتلة تيار المستقبل وخاصة وانه تم تعيينه من قبل رفيق الحريري الاب .


 ولعل حادثة اعتقال سعد الحريري واجباره على الاستقالة من قبل محمد بن سلمان ، دليل على الحجم الذي يمثله الحريري وتياره،  لدى السعودية الممول الأكبر لهذا التيار ، ومن أنه ورقة ضغط لا أكثر، ليتبعها ضرب للبنان كله من خلال تفجيرات مرفأ بيروت ، والنفس الطويل في تفعيل الأزمات،  وتداخل الأدوار بين ثلاثي (السفيرة الأمريكية في لبنان  دورثي شيا ، والحلف الصهيوامبريالي الذي لا يخلو من دوائر استعمارية تعمل على المحافظة على تبعية الأقليات اللبنانية للمستعمر ، و المنظومة المالية التي تقود لبنان والمسؤول عنها تيار المستقبل) لكل عنوان من هذه العناوين لها السلطة والقدرة على الإمساك بعنق لبنان،  وتصب بالنهاية إلى الحلف الصهيوامبريالي .


تعتبر السفيرة دروثي شيا حلقة الوصل الرسمية والقانونية والتي توفر الغطاء لتحركات  هذا الحلف فوق الاراضي اللبنانية. اما المنظومة المالية ، والتي تعتبر الاهم ، والتي يتعلق بها مصير البلد المالي والاقتصادي يقوده السيد رياض سلامة. 


رياض سلامة الذي ينتمي إلى القطاع الحكومي المالي اللبناني منذ العام 1993 وإلى  الآن،  تدرج منذ انتهاء دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت ضمن  إطار  المنهج الواحد وهو الاطار الراسمالي وتدرج  العمل بأنظمة المال  الأمريكي،  على الرغم من حمله الجنسية الفرنسية،  فقد عينته فرنسا في شركة خدمات وتمويل عالمية  وبنك استثماري واستشاري في المجال المالي "ميريل لنيش "وهي تعود إلى إلبنك الام بنك اوف أمريكا،  التي اعتبرت من الشركات المتعددة الجنسيات في العام 1971. 

 

عين السيد سلامة حاكم مصرف لبنان من قبل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في العام 1993, و كما يشغل منصب عضو في مجلس صندوق النقد العربي في ابو ظبي، ممثلا للبنان في هذا المجلس،  وهناك تشابك بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق النقد العربي من خلال شخص المدير العام ورئيس مجلس الإدارة لصندوق النقد العربي الذي يحضر اجتماعات هذه المؤسسات المالية الدولية وبنفس الوقت يحضر اجتماعات مجموعة العشرين وبنك التسويات الدولية ومجلس الاستقرار المالي وغيرها ، مسؤول صندوق النقد العربي السيد عبد الرحمن الحميدي دكتور في جامعة الملك سعود . 


هناك توازن في خلفية الكوادر التي تقود النظام الاقتصادي اللبناني ، لاحتواء بنيته الاجتماعية ، من قبل كفتي البنك الدولي والنقد العربي، وقت الازمات.  والواجهة هو رياض سلامة وايدي العنكبوت التي يتحرك بها ، تحرك الساحة اللبنانية من خلفه، ولبنان على هذا الحال منذ 27 عاما عند استلام السيد رياض سلامة  وظيفته وامساكه بتمثيل لبنان المالي عربيا وعالميا ،  بالاضافة الى وزارة المالية التي هي من حصة تيار المستقبل ، فعلى سبيل المثال  منذ 2005 نفس العام الذي قتل فيه رفيق الحريري ، تم تعيين جهاد ازعور- الذي يشغل مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز في صندوق النقد الدولي حاليا-  من قبل سعد الحريري وزيرا للمالية، نظام مالي متفسخ ، يعمل وفق تدفق المساعدات ، وهذا احد ابرز مرتكزات الإمبريالية في الحاق  لبنان بالتبعية المالية للنظام المالي العالمي ، وايقافه عن العمل وفق ما ارتأت الضرورة ، ورياض سلامة لا يملك الخيارات،  لان لا برامج لديه الا برامج صندوق النقد ووصايا البنك الدولي،  ولا يستطيع لا هو ولا سعد الحريري وتياره المستقبل من الوقوف بوجه الغضب السعودي وغضب محمد بن سلمان ، والإمارات اذا أوقفوا دعم صندوق النقد العربي.


استسلام من قبل القيادات المالية والسياسية للتلاعب بالبيئة الاجتماعية في لبنان. 


إذن هناك إرادة تحققت في أجزاء عديدة منها ، وهي ذهاب لبنان نحو المجهول بعد رفع العامل الاقتصادي والمالي الدولي والعربي ، وإبقاء لبنان على فوهة بركان ، بانتظار الانفجار الذي سيأتي بطريقة اوتوماتيكية مع استمرارية  النفخ في الدخان المتصاعد من خلال تعدد الضربات للداخل ولمختلف المكونات،  وبشتى الطرق ، لاحداث خلل في قواعد الاشتباك : 


بوضع حزب الله امام إشكاليات تستنزفه،  وهو تدهور الوضع الداخلي المتفاقم من الأزمة الاقتصادية والتي تعتبر امبريالية بامتياز -كما ذكرت سابقا- من جانب ، والجماعات الارهابية والخلايا النائمة من جانب ثاني ، والكيان الصهيوني من جانب ثالث، وهو حل تراه الإمبريالية للخروج من ثقل الحاجز  لقواعد الاشتباك التي يمثلها حزب الله في لبنان، وللفت انظاره  نحو المخاطر الانفة الذكر ، لتبقى ساحة إيران امام المجتمع الدولي - وخاصة الحلف الصهيوامبريالي سلفي-  الذي اخذ يصعد من سيناريو الخروقات البحرية واتهام إيران بها ، بانتظار تبلور رؤية لصالحهم، في  قيادة  الساحتين اللبنانية والإيرانية نحو الحرب وفق العوامل الخاصة بهما بما يتناسب والوضع الإمبريالي المتأزم في المنطقة .  


اما جبهات العراق فطبيعة وكينونة النظام الحاكم لا يختلف كثيرا عن لبنان:

النظام الحكومي في العراق  سيكون هشا وقابل للتغيير أكثر مرونه في حال نشب اي نزاع في منطقة  الخليج، لا كما تتوقع دوائر الاستكبار العالمي ، اذا ما استثمرها العراق .  


 اما سوريا  ومن خلال محورها الذي تتحرك به سيكون عدو الأمس هو نفسه عدو اليوم من الأطماع التركية والجماعات الارهابية ، انها هجوم ثاني بعد مرحلة داعش التي أدخلت عنوة بعض العوامل الإمبريالية لاراضي لم تكن تحصل فيها على موطيء قدم من دون هذه الجماعات المسلحة ، أنه هجوم يضم بنطاقه الاوسع كل عوامل قوة هذا المحور  والتي يعتبرها الحلف الصهيوامبريالي حواحز تعيق حركته. 

 لكن دوما تبقى نقطة الضعف ليس أصحاب الأرض ولا أهل الارض، وإنما من حط رحاله وارهابه جاثما على الامهم،  هو من سيكون نقطة الضعف الكبرى، وستواجه مصير الاضمحلال  وبالتالي سترضخ لناموس أرض الشرق.

 

دكتور عامر الربيعي رئيس مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية العربية الاوربية في باريس

المصدر: وكالات+إضاءات