أعلن باحثون في الصين تطوير أول نظام ألياف ضوئية في العالم يعتمد ما يشبه "الطريق السريع ثلاثي المسارات"، وهي تقنية جديدة تهدف إلى زيادة قدرة شبكات الاتصالات على نقل البيانات بشكل كبير، خاصة مع النمو المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
ووفقا للفريق المطور، تمكن النظام الجديد من زيادة حجم البيانات المنقولة عبر البنية التحتية الحالية بما يصل إلى خمسة أضعاف، إلى جانب رفع سعة النقل لكل نواة داخل الليف الضوئي بنحو 50% مقارنة بالأنظمة التقليدية.
كيف تعمل الألياف الضوئية الحالية؟
تعتمد معظم شبكات الإنترنت الحديثة على الألياف الضوئية التي تنقل البيانات عبر أشعة الليزر داخل خيوط زجاجية دقيقة.
ولا يقتصر عمل هذه الألياف على تمرير شعاع ضوئي واحد فقط، بل تستخدم عدة أطوال موجية مختلفة من الضوء في الوقت نفسه، وهو ما يشبه تشغيل العديد من محطات الراديو عبر المجال نفسه دون تداخل.
وتستخدم الأنظمة التجارية الحالية عادة نطاقين رئيسيين من الأطوال الموجية الضوئية، هما:
نطاق C-band الذي يمثل العمود الفقري لمعظم شبكات الاتصالات.
نطاق L-band الذي يُستخدم عند الحاجة إلى زيادة السعة التشغيلية.
إضافة نطاق ضوئي ثالث
تمكن الباحثون الصينيون من إضافة نطاق ضوئي ثالث يعرف باسم S-band، وهو ما منح التقنية الجديدة وصف "الطريق السريع ثلاثي المسارات".
ولا يعني ذلك زيادة حجم الألياف الضوئية نفسها، بل الاستفادة من جزء أكبر من الطيف الضوئي المتاح لنقل المزيد من البيانات في الوقت ذاته.
لماذا لم يُستخدم نطاق S-band سابقا؟
واجه استخدام نطاق S-band على مدى سنوات تحديات تقنية كبيرة.
فعند انتقال الإشارات الضوئية لمسافات طويلة، تضعف الإشارة تدريجيا، لذلك تعتمد شركات الاتصالات على مضخمات بصرية موزعة على طول الشبكات للحفاظ على جودة الإرسال.
وقد صُممت معظم هذه المضخمات في الأصل للعمل بكفاءة مع نطاق C-band ثم جرى تطويرها لاحقًا لدعم L-band، بينما ظل تضخيم إشارات S-band أكثر تعقيدًا وتكلفة.
ويؤكد الفريق البحثي أنه نجح في تجاوز جزء كبير من هذه العقبات الهندسية، ما جعل الاستخدام التجاري لهذه التقنية ممكنًا لأول مرة.
ألياف ضوئية بأربعة أنوية
لم يتوقف الابتكار عند إضافة نطاق ضوئي جديد فقط، بل شمل أيضًا تطوير ألياف ضوئية متعددة الأنوية.
ففي حين تحتوي الألياف التقليدية على نواة واحدة لنقل البيانات، تضم الألياف الجديدة أربعة أنوية مستقلة داخل الليف الواحد.
ويعمل كل نواة منها وكأنها ليف ضوئي مستقل، ما يسمح بنقل كميات أكبر من البيانات بالتوازي.
وبذلك تجمع التقنية الجديدة بين:
أربعة أنوية مستقلة داخل الليف الواحد.
ثلاثة نطاقات ضوئية مختلفة تعمل في الوقت نفسه.
ويمثل هذا الدمج قفزة كبيرة في قدرات نقل البيانات مقارنة بالبنية التقليدية المعتمدة على نواة واحدة ونطاقين ضوئيين فقط.
دعم مباشر لتطبيقات الذكاء الاصطناعي
يرى الباحثون أن هذه التقنية قد تصبح عنصرا أساسيا في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقبلية.
فالنماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي تعتمد على آلاف وحدات معالجة الرسومات (GPU) التي تتبادل كميات هائلة من البيانات بشكل مستمر.
وتنقل مراكز الحوسبة المتقدمة حاليا بيانات بمعدلات تصل إلى تيرابتات في الثانية بين الخوادم والأجهزة المختلفة.
وغالبا ما تكون المشكلة الرئيسية ليست في قوة المعالجات نفسها، بل في قدرة الشبكات على نقل البيانات بينها بسرعة كافية.
لذلك فإن زيادة سعة الألياف الضوئية إلى خمسة أضعاف يمكن أن تساهم في:
تسريع تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
دعم نماذج أكبر وأكثر تعقيدا.
تقليل الازدحام داخل الشبكات.
تحسين كفاءة مراكز البيانات الضخمة.
تجربة تشغيل فعلية على شبكة اتصالات قائمة
بحسب التقارير، لم تقتصر التقنية الجديدة على المختبرات البحثية، بل جرى تشغيلها فعليا على جزء من شبكة اتصالات موجودة بطول يقارب 35 كيلومترا.
ويعد هذا الأمر من أبرز جوانب الإنجاز، إذ إن تجارب مشابهة على الألياف متعددة الأنوية والأطياف الضوئية المتعددة سبق أن ظهرت في اليابان وأوروبا والولايات المتحدة، إلا أن معظمها ظل ضمن نطاق الاختبارات المعملية.
أما النظام الصيني الجديد فقد انتقل إلى مرحلة التطبيق العملي على شبكة حقيقية.
استخدامات مستقبلية واسعة
يتوقع المطورون أن تجد التقنية الجديدة طريقها إلى شبكات الاتصالات الدولية مستقبلًا، بما في ذلك الكابلات البحرية العابرة للقارات.
كما يمكن أن تلعب دورا مهما في استراتيجية الصين المعروفة باسم "البيانات الشرقية والحوسبة الغربية"، والتي تهدف إلى نقل أحمال معالجة البيانات الضخمة من المناطق الشرقية المكتظة بالسكان إلى المقاطعات الغربية التي تمتلك موارد طاقة ومساحات أكبر لتشغيل مراكز البيانات.
ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تمثل خطوة مهمة نحو تلبية الطلب المتزايد على نقل البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية والحوسبة فائقة الأداء.