د. عامر الربيعي/  برلمان فرنسي معارض
مقالات
د. عامر الربيعي/  برلمان فرنسي معارض
د.عامر الربيعي
26 حزيران 2022 , 01:12 ص



فرنسا بين العولمة والعلمانية، هل استجاب كلا المصطلحين لمتطلبات الدولة الفرنسية والشعب؟

تعتبر فرنسا احد المرتكزات الأساسية التي يقف عليها الاتحاد الأوربي , وبالتالي فهي احد الدول المؤثرة في هذه القارة , وذات ثقل في توجيه العديد من المقررات الخاصة بهذا الاتحاد في علاقاته الخارجية مع أي من دول العالم , اجمالا كانت لهذا الدور الخصوصية الفرنسية الى حد معين . لكن نلاحظ منذ تسلم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون , انيط بفرنسا حركية استقطابية اطلق على نفسه اسم المركز الذي يوازن الثقل بين دفتي القيادة الفرنسية , لذلك أنيط بمانويل ماكرون تفعيل هذا الدور في حركة فرنسا الجديدة , سواء في اخراج اوربا من مرحلة الجمود , او دور هذا الاتحاد في الحاق بعض دول اوربا الشمالية الى حلف الناتو ,و منافسة الشركات الفرنسية للشركات الإيطالية في ليبيا او في قبرص ومصر , وحركاته البهلوانية ضد دونالد ترامب وتلميحاته من ان حلف الناتو اصبح بحكم الميت , .. والعديد من الإشكالات.

دور فرنسا منذ عهد شال ديغول كان يميل الى الحياد، وخاصة بعد انتفاء وانسحاب فرنسا الديغولية من مصطلح فرنسا دولة استعمارية، تتوسع من خلال الاحتلال على حساب ساحات متعددة وأبرزها كانت ساحات شمال وجنوب افريقيا والشرق الأوسط واسيا.

إشكالية: هل التزمت فرنسا الحديثة بسياسة الحياد واحترام سيادة الدول في عهد الرؤساء ساركوزي، هولاند، ماكرون؟


تمر فرنسا اليوم في ظل تقلبات عديدة تمر على الساحة الاوربية , رمت بتداعياتها على الساحة الفرنسية , بالإضافة الى ان منبع هذه التقلبات متاتي من تداعيات الجيوبوليتك السياسي والاقتصادي الذي انخرطت فيه فرنسا , من خلال تحالفاتها الإقليمية و الدولية وخاصة مع الولايات المتحدة وحركة الأخيرة في ساحات العالم , ولعل من ابرز الصور التي ابرزت هذه التداعيات , هو النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات الفرنسية الأخيرة وما حملته من تقلبات وانقسامات :[ حزب رئيس الدولة الفرنسية ايمانويل ماكرون ’’ معا’’ حصل على 245 مقعد , قوى اليسار بقيادة جون لوك ميلانشون حصل على 131, حزب اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان :89 مقعد , الحزب الجمهوري: 61 مقعد]

من خلال هذه النتائج تتضح الأقطاب المتنافرة في قيادة البرلمان الفرنسي القادم، ولابد لقيادة هذا البرلمان من قبل جهة معينة وبأغلبية، يتوجب عليه ان تكون هناك توافقات وتحالفات، للوصول الى 289 مقعد لغرض الحصول على الغالبية المطلقة.

من خلال هذه النتائج نطرح الإشكالية الضرورية في مسار هذه الانتخابات:

إشكالية: لماذا لم تحصل قائمة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على الأغلبية كما حصل هو على غالبية الأصوات في الانتخابات الرئاسية، وخاصة وان ما يفصل الانتخابات البرلمانية عن الانتخابات الرئاسية هو شهرين فقط، وامام نفس القوائم المنافسة له؟

تعتبر هذه النتائج نوعا ما جديدة على المجتمع الفرنسي , النائم بين ضفتي اليمين واليسار , وخاصة اذ ما علمنا ان جذور وبدايات ايمانويل ماكرون , ورئيسة الوزراء اليزابيث بورن , ابرز قيادات تجمع ’’ معا’’ في انهم قادمون من قوى اليسار, وكما هو معروف من ان اليسار بفلسفته العميقة سواء منها الاشتراكية او الشيوعية الماركسية , لا يرحب ببقاء كيان الدولة فوق طبقات الشعب الكادحة, لكن في ظل التقلبات والانقسامات التي تطرأ على الساحة الدولية و وخاصة تصاعد قطبي الصين وروسيا , فما هو شكل الدولة الفرنسية القادم وما هي طبيعة الطبقات التي سيتم الدفاع عنها , ولا تسمح للدولة بتجاوزها ؟ من خلال هذه الإشكالية نلمس كم التناقض الذي اخذ يصعد في جسد الطبقة الفرنسية الحاكمة، وهل سيتم علاجه من خلال التوافق او المساومات او التحالفات، كما تحالفت الطبقات العمالية مع الطبقة الحاكمة، وكلما غضبت الأولى من الثانية تعلن الاضراب..

اذن نحن امام مشهد فرنسي سيقوم على التحالفات، واذ لم تحدث التحالفات ستكون المراضاة وهذا ما سيفتح الباب لتوجهات ومساومات عديدة تقود هذه الدولة، وقد تنبأ العديد من الباحثين بخطر هذه التركيبة في البرلمان الفرنسي، لكن اين تكمن خطورة هكذا تجاذبات تقود فرنسا ونظامها التشريعي؟ وما هي التداعيات على الاستقلال الوطني والمجتمع الفرنسي؟ هل هناك صراع بدأ ينشأ وبدأت تطفوا على السطح، كنوع من طفح الكيل ضد العديد من الإشكاليات التي تعيق البرلمان الفرنسي من الحركية، ونتائج الانتخابات هي احدى الوسائل التي تخرجه من الرتابة والانقيادية والروتين والانصياع لأوامر ومقررات الرئيس، وتكبح جماح ايمانويل ماكرون في تنفيذ مشاريعه، وخاصة اندفاعه في الحرب الأوكرانية الروسية؟

قد تعتبر من ناحية أخرى هذه الحركية ضرورية , وصعود معارضة قوية في البرلمان الفرنسي و وخاصة وان فرنسا واوربا مقبلين على اتخاذ أوضاع تتبع التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية التي بدأت تأخذ طريقا مجهولا , لانعدام السبل البديلة , في تامين الطاقة والغاز والمواد الغذائية الرئيسية من الحبوب , بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية , هذه الحرب التي ابرزت إشكالية , مدى فاعلية مفهومي العولمة لكل دول العالم ومنها فرنسا و فاعلية مفهوم العلمانية لفرنسا تحديدا , عدم ايفاء وعدم استجابة العولمة لمتطلبات الدولة الفرنسية بل على العكس تم توظيف العديد من دول العالم لخدمة نظام العولمة , الذي احد أركانه الأساسية هي عولمة حركة راس المال وفتح الساحات امام ملكيته , أي بمعنى ان نظام العولمة جعل من دول عديدة أداة ليتم عن طريقها تحقيق متطلبات هذا النظام , ومنافسة سلطة الدولة , وافقاد الاطار الوطني الاستقلالية .

اذن البرلمان الفرنسي في ظل هكذا مستجد – الحرب الأوكرانية الروسية- على الساحة الدولية و ان يحاول ان يستند الى اضلاع العملية السياسية الفرنسية برمتها بأقطابها الأساسية المكونة لها وهم اليسار واليمين والمتطرف , وبقاء ماكرون في المركز , والتي عن طريق المنابع الفلسفية التي انطلق منها قياديوا فرنسا ,تتحرك جوانبه الثقافية والسياسية والعسكرية , والتحالفات الدولية , وخاصة فرنسا الحديثة فان المجتمع الفرنسي مجتمع متعدد الأعراق والأديان وهو بحاجة ماسة لقوى اليسار للحفاظ على هذا الجزء من المجتمع الفرنسي , وفي ظل هذه التعددية تصبح الهوية الوطنية عامل موحد , والعولمة عامل مفكك , لكن هذا لا يمنع ان تحاول بعض قوى اليمين الضرب على ذاكرة العلمانية الفرنسية : [ منبع هذا الضرب على الذاكرة العلمانية متاتي من بروز حركة ايريك زمور وما رافق هذه الشخصية الهزيلة من تطبيل اعلامي , تفرع أريك زمور وهو من يهود الجزائر عن اليمين المتطرف وخلق فقاعة سياسية متشددة , تسلق فيها أسلوب شارل ديغول , فاقد للاتزان الأخلاقي في حملاته الانتخابية مع بعض شرائح المجتمع الفرنسي , عادى مفاهيم العلمانية القائم على حرية الاعتقاد , ووجه جام غضبه على الإسلام , وبعد فشله أضاف ما كسبه من رصيد معنوي وعددي الى حزب اليمين , وهذه الأساليب أدت الى انزواء العلمانية عن المجتمع الفرنسي , وابدالها بالتشدد] اذن الهوية الوطنية والتشدد من مفرزات الانتخابات الفرنسية , وهذا ليس بالامر الجديد ,هذا المشهد السياسي اخرج فرنسا بصورة واضحة من الانتفاع من مفهوم العلمانية , كمغذي دستوري لمسيرته بالكامل.

التداعيات التي تعاني منها فرنسا المتمثل في نتائج الانتخابات لم يأتي من فراغ , وانما له قواعده التي أسست له , واثمرت عن هذه النتائج , وفق التحالفات التي أحاطت فرنسا بها , وأول تلك التحالفات , هو اتحاد الرؤية في الجيوبوليتك الدولي من قبل دول الاتحاد الأوربي و المعسكر الرأسمالي ووفقه فان فرنسا تتحرك في بعدها الإقليمي من جهة , وانخراطها دوليا من جهة ثانية , تتعقب فيه خطوات الولايات المتحدة بعد انتهاء فترة جاك شيراك , حيث نلاحظ ان كل من ساركوزي والاشكالية الليبية ومقتل القذافي كانت تمثل وحدة كاملة في الرؤية الامريكية والفرنسية , وفرانسوا والاشكالية السورية وأيضا تدخل في ظل متطلبات النظام الراسمالي ومتطلبات نظام العولمة , وماكرون اليوم وانخراطه منذ الأيام الأولى متخذا جانب أوكرانيا والولايات المتحدة ضد روسيا , على الرغم من الساحة التي يقوم فيها الصراع هي اوروبا بإطارها الكبير.

وعند الوقوف عند شخصية الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، نراه انه جاء كحالة طارئة على العملية السياسية الفرنسية , طل برأسه من حزب اليسار، ظهر نجمه بشعار المركز او ما يعرف بالوسط بين اليمين واليسار، تعتبر فترته من أعنف الفترات التي شهد فيها المجتمع الفرنسي تقلبات عديدة، نتجت هذه التقلبات من تداعيات نقل الدولة الفرنسية الاشتراكية ذات التوجهات الاجتماعية الى النظام الرأسمالي، وفتح أبواب فرنسا للشركات المتعددة الجنسيات، وامتلاكها النفوذ الاقتصادي فيها عملية النقل من الاشتراكية الى الرأسمالية للمجتمع الفرنسي أدى الى خلق ارتدادات على مختلف جوانب الدولة والمجتمع , أولها عدم استقرار العملة الاوربية اليورو امام الدولار , وعدم استقراره امام الأنظمة المالية المنافسة-اعلان روسيا عن نظام مالي جديد قابل للاستخدام- للنظام المالي الفرنسي التابع للنظام المالي الرأسمالي , للتتراكم تباعا أزمات عديدة في النظام الاجتماعي , وتأثيره على سوق العمل والتأثير على القدرة الشرائية وبالتالي على قدرة الفرنسي في دفع الضرائب , والفواتير المختلفة وارتفاع أسعار المحروقات , والتي استمرت بالارتفاع الى يومنا هذا كجزء من تداعيات الموقف الفرنسي من الازمة الأوكرانية الروسية .

اما من ناحية طريقة تعاطي ايمانويل ماكرون مع المعضلات التي تصيب المجتمع الفرنسي فانه فشل في إدارة ملفات اجتماعية عديدة ومنها على سبيل المثال حركة السترات الصفراء , التي انتفضت على سياسات ماكرون الاقتصادية , وتم ضرب هذا الحراك بعنف من قبل المؤسسة الأمنية , اما دوره في التصدي لوباء كورونا الذي اخذ ما يقارب السنتين من فترة حكمه ,فقد انشغل الشارع الفرنسي بهذا الوباء والتزام الحجر المنزلي , واكتفى الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بإطلالاته المتكررة عبر شاشات التليفزيون لشرح حالة البلاد اثناء وباء كورونا , من خلال ما تقدم يظهر جليا , من ان الرئيس الفرنسي ومن خلال الاطار العام الذي يتحرك به يتجاوز اليمين واليسار , وليس مستغربا بان ينادي بحكم الأغلبية البرلمانية بعد ان فشل في الحصول على الأغلبية المطلقة , وخاصة وان اليسار واليمين من المعارضين لدخول فرنسا حربا ضد روسيا , فما هي الخيارات امام مشاريع ايمانويل ماكرون , الذي اضحى ’’ انا ’’ من دون ’’ معا ’’