كتب الأستاذ حليم خاتون: لبنان، تعتير معيشي أم تعتير في الوعي؟
مقالات
كتب الأستاذ حليم خاتون: لبنان، تعتير معيشي أم تعتير في الوعي؟
10 تموز 2022 , 15:44 م


"أيديولوجية التعتير" سقطت...

لم تسقط فقط في مسرحية نزل السرور لزياد الرحباني؛ سقطت في اميركا اللاتينية وأفريقيا وكل بلدان البؤس...

سقطت في لبنان!!!...

التعتير المعيشي لا يولد ولا يخلق ثورات... التعتير المعيشي لم يمنع راعيا معدما من خيانة الثوار وتسليم غيفارا إلى مقصلة الإعدام الفاشية التابعة لاميركا...

التعتير المعيشي مصيبة فعلاً، لكن مصيبة المصائب هي في التعتير في الوعي...

التعتير في الوعي يؤدي تلقائيا إلى غياب العامل الذاتي ليس فقط للثورات، بل لأي تقدم في حياة الشعوب...

البؤس، البطالة، الفقر، الإنهيار الاقتصادي... كل هذه عوامل موضوعية كي تنتفض الشعوب وتكسر القيود وترمي الطبقة الحاكمة في النار والجحيم...

لكن التعتير في الوعي يمنع الناس من التفكير خارج علب العبودية التي غالبا ما تكون قيودا تقليدية وعادات اجتماعية قد يطلق عليها البعض صفة الطائفية أو المذهبية أو الدين أو العائلة أو العشيرة أو أي شيء آخر يقف في وجه الفكر الحر والتقدم لخير المجتمع...

في لبنان، العامل الموضوعي للثورة موجود ولا أفق لأي حلول خارج ثورة شاملة تقفل كل الابواب والنوافذ والحدود وتبدأ باستعمال كل أدوات التنظيف من صابون وجافيل ومكانس صلبة قوية قادرة على اقتلاع كل البقع والزيوت والاوساخ المتمثلة في اقل من واحد في المئة من الشعب اللبناني عملت خلال عقود على الفساد والنهب والسمسرة وكل ما يخطر على البال مما تحويه اللغة العربية وكل لغات العالم من كلمات السوء...

لكن هل يمكن قيام ثورة، دون وجود ثوار؟

هل يمكن وجود فعل دون وجود فاعل؟

هل يوجد في لبنان ثوار فعلاً؟

هل نموذج سامي الجميل أو پولا يعقوبيان أو ديما صادق أو أي من هؤلاء أو أمثال هؤلاء يمكن أن يطابق توصيف الثورة والثوار...

بلا لف ودوران...

هؤلاء جميعا لا يختلفون بشيء عن طبقة الاوليغارشيا الحاكمة والمتحكمة بكل امور هذا البلد...

بأي شيء يختلف سامي الجميل عن أبيه أمين الذي لا يختلف بشيء عن ميشال عون وجبران باسيل...

بأي شيء تختلف پولا عمن كانت هي نفسها البوق والطبل والفرقعة الإعلامية لمشاريع انتهت بهذا البلد إلى هذا الإنهيار...

بين الثوار المزعومين لن يستطيع أي اسم شيعي الوصول إلى حلقة "نواب التغيير" لأن الثنائي الشيعي وضع كل من هو خارج هذا الثنائي في خانة عملاء السفارة الأميركية، في أكبر عملية تغطية لمن يقبعون داخله ولهم مع الأميركيين صلات ليس آخرها التطبيل للخط ٢٣...

بماذا يختلف هؤلاء عن فؤاد السنيورة بطل النقطة رقم واحد التي أعطت إسرائيل ٢٢٩٠ كلم٢ من مياه لبنان الاقتصادية..؟

بماذا يختلف هؤلاء عن وليد جنبلاط وسمير جعجع اللذين يطبلان ليل نهار لنظرية خط ازرق بحري يتخلى نهائيا عن ١٤٣٠كلم٢ بالإضافة إلى كل ما يمكن أن يطلبه هوكشتاين الإسرائيلي قبل أن يكون أميركيا...

أكثر ما يمكن أن يفعله هؤلاء الثوار التغييريون هو ما فعلته ماري انطوانيت حين دعت الفقراء إلى أكل البسكويت والكيكس والكرواسون بسبب اختفاء الخبز...

هؤلاء ليسوا أكثر من تلامذة نجباء لفكر جورج سوروس وبرنار هنري ليفي من أساتذة الثورات الملونة التي تهدف في النهاية إلى خدمة وكالة المخابرات المركزية الأميركية...

التعتير في الوعي، يُنتج تعتيرا ثقافياً يسلط على المجتمع أحزابا كبيرة جماهيرياً، لكن فارغة في المضمون الثوري...

إذا كان تيار المستقبل وحركة أمل والتيار العوني والقوات والتقدمي الاشتراكي يسيطرون على اكثر من نصف الجماهير، فإن الأحزاب المتفرقة الأخرى التي لا تقل عفنا وفسادا ومحسوبية تسيطر على قسم ليس بقليل من النصف الباقي...

لكن دوما، وفي كل الاوضاع الثورية، يكون هناك قوة قادرة على تخدير الشعوب كي تتمتع الجماهير بالفقر والتعتير...

عادة، وفي أغلب الأحيان، تكون هذه القوة المخدرة سلطة دينية تحافظ على الدين في الشكل، وتحرق سماء هذا الدين في الجوهر...

في لبنان، تلعب بكركي ومطرانية بيروت ودور الإفتاء المختلفة دورا توعويا في الظاهر، لكنها تعمل حثيثا على تلحين وغناء التعتير المعيشي حتى يتماشى ويترافق مع التعتير في الوعي...

من تابع ما قاله رجال الإفتاء في مناسبة عيد الاضحى يجد أناساً تابعين لاهل سلطة الفساد يتكلمون عن الفساد في صورة تذكرنا بإخوة يوسف بعد رميه في البئر...

مجموعة من الكذابين الدجالين العاملين على تخدير الناس عبر المشاركة في اللطم الذي تسبب به أولياء نعمة هؤلاء...

تفتقت عبقرية الشيخ الكردي عن انهيار الدولة في عدالة محكمة دولية صهيونية، وقضاء بائس أنتجه نظام رفيق الحريري الذي قتلته الإمبريالية بعد أن صار موته أكثر فائدة لها من حياته...

لا الشيخ الكردي ولا الشيخ قبلان ولا شيخ العقل وبالتأكيد معهم المطران عودة والبطرك الراعي... كل هؤلاء لا يجرؤون على الدعوة إلى الحل الوحيد الذي يمكن أن يعيد الحقوق لأصحابها...

ما هو هذا الحل..؟

اولا، وقبل اي شيء، يجب إقفال كل الحدود...

ثم يجب وضع كل المسؤولين دون استثناء، في خانة المتهمين حتى تثبت براءتهم...

تبدأ المحاسبة من قانون من اين لك هذا...

تبدأ المحاسبة من قانون يحاسب على كل السرقات المقوننة التي أجاز هؤلاء حصولها عبر مراسيم وفذلكات قانونية واقتصادية سمحت لهم بالنهب دون وازع ودون خوف من المحاسبة...

هؤلاء فيهم الشيعي والسني والدرزي والمسيحي...

هؤلاء يستندون إلى حماية طوائفهم التي يسيطر عليها رجال دين قاموا هم بتعيينهم في تلك المناصب...

هل من الصعب إجبار كل واحد من هؤلاء المسؤولين على إعادة ولو جزء بسيط مما قاموا بوضع اليد عليه مباشرة وفورا...

هذا الجزء البسيط والقليل كفيل بإدخال عدة مليارات من الدولارات فورا إلى خزينة الدولة...

هل من الصعب إعادة النظر في قوانين الضرائب وجعلها تصاعدية مع تصاعد الثروة..؟

هل من المعقول أن تستمر الضرائب غير المباشرة مثل ال TVA، أو الضرائب على الرواتب هي المصدر الأساسي للدخل في خزينة الدولة، حيث يدفع الفقير نفس الضريبة التي يدفعها سعد الحريري أو فؤاد السنيورة أو نبيه بري أو ميقاتي أو جنبلاط أو جعجع أو عون أو اي واحد من هؤلاء الحاكمين بأمر الله على أرض هذا الوطن المنكوب...

لو تم فقط وضع قانون ضرائب عصري يلزم الأغنياء على دفع ما عليهم كما في كل البلاد التي تحرص فعلا على بناء دول وليس مزارع طائفية ومذهبية يكون الرعايا فيها مجرد ملكية لهذا الزعيم المتزعم أو غيره...

شعب يذهب إلى الحج لرمي الجمرات على صنم حجري في الجزيرة العربية، ثم يعود لتقبيل أيدي شياطين البلد...

أي شعب هذا...؟

أي وعي هذا...؟

في سيريلانكا، اقتحم الشعب الجائع قصر الرئيس، بينما يخدم شعب لبنان بكل فئاته في قصور قامت على ما تم سرقته من قوت هذا الشعب نفسه...

رحم الله رؤوف افندي منظر الثورة في "نزل السرور"...

"الثورة هي حزب... فجريدة حزب... ف... ف...!!!؟؟؟"

أحزاب على مد عينك والنظر، وليس بينها حزب واحد قادر على التخلص من فايروس المذهب والطائفة، بما في ذلك الأحزاب التي تدعي العلمانية ثم تمشي على قانون الطوائف والمذاهب في كل شيء، بما في ذلك في الحياة اليومية للبنانيين...

عن أي وعي يمكن الحديث وكل طائفة تحفر للطائفة الأخرى، وكل فرد في الطائفة يحفر لأخيه في نفس الطائفة أو في الطوائف الأخرى...

وعندما يظهر إلى العلن أناس قديسون من أمثال الرئيس سليم الحص، ينتخب البيروتيون بفخر تمثال خشبي غرزه رفيق الحريري صاحب الثروة غير المعروف أصولها وشرعيتها...

ما يصح في الطائفة السنية، يصح في كل الطوائف اللبنانية دون استثناء...

أحزاب من جماهير يغلب على أغلبها الغباء والزبائنية بينما يتحكم في قيادة هذه الأحزاب أناس اعتادوا على الطاعة العمياء تارة باسم رفيق الحريري، وتارة أخرى باسم بشير الجميل وتارة ثانية وثالثة باسم كمال جنبلاط أو السيد موسى الصدر أو... واو... واو... دون مساواة كل هؤلاء فيما بينهم...

شعب غبي ينتظر خطط تعافي تقوم على الإمعان في سرقة ما تبقى وعلى سرقة كل ما سوف يأتي في المستقبل...

شعب من أربعة أو ستة ملايين، لا يهم؛ لا يخرج منهم سوى فرد واحد فقط يقتحم مصرفا لاسترداد ماله...

شعب غبي يذهب كالنعاج إلى انتخابات تخضع لقانون لا يمكن أن يوصل الى البرلمان سوى لصوص أو عاجزين سواء كانوا حزبا أو كتلة أو مخلوطة من البشر...

شعب جائع لا يخرج على الناس شاهرا سيفا، لا يمكن أن يكون سوى شعب من العبيد لا يستحق حتى الشفقة التي تجوز على الحيوانات غير الناطقة لكنها لا تجوز على حيوانات ناطقة والكثير منهم يدعي العلم والمعرفة والثقافة...


المصدر: موقع إضاءات الإخباري