ميشيل كلاغاصي/ هل تتحالف فرنسا وبريطانيا مجدداً ضد ألمانيا ؟
مقالات
ميشيل كلاغاصي/ هل تتحالف فرنسا وبريطانيا مجدداً ضد ألمانيا ؟
ميشيل كلاغاصي
5 تشرين الأول 2022 , 21:49 م



اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , وضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية , وفرض ضرائب جديدة باعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة ، بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز، "بما يساعد الدول الأعضاء على شراء الغاز لإنتاج الكهرباء"... ويعكس اقتراحها مصلحة ألمانيا على حساب فرنسا واّخرين , وأثار غضبهم.


لم تعبّر العلاقات الفرنسية البريطانية عبر التاريخ عن علاقاتٍ جيدة وحسن جوار , على الرغم من التاريخ الطويل الذي جمعهما معاً أو وجهاً لوجه , واتسمت علاقاتهما بالتعقيد والتوترات والخلافات , وخاضا بسببها عدة حروب ومواجهات على امتداد سنوات العصور الوسطى ، كدولتين عدوتين , كحرب المائة عام ، وحروب الثورة الفرنسية ، وحرب السنوات السبع , والحروب "النابليونية".

ومع ذلك فقد السلام حل بينهما مع توقيعهما ما عرف بإلاتفاق الودي عام 1904، وتحالفا ضد ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وساهمت الجيوش البريطانية ، في تحرير فرنسا من النازيين , ووقفتا خلال الحرب الباردة ، في وجه الإتحاد السوفييتي ، وكانتا من بين الأعضاء المؤسسين لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة , لكن هذا لم يمنع استمرار الإختلاف حول عديد القضايا البينية والأوروبية والعالمية , وغالباً ما يُشار إليهما على أنهما "الخصمين التاريخيين". 

وفي العصر الحديث استمرت الخلافات في فترة حكم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ، والرئيس الفرنسي شارل ديغول ، على الرغم من انتصارهما على النازية , نتيجة سعي كلٌ منهما إلى قيادة أوروبا ، ولكن التوجهات والمسارات المختلفة والمتضادة بينهما لتحقيق ذلك حدد تشكل العلاقة بين قادة البلدين إلى يومنا هذا.

وتأثرت علاقات البلدين بشكلٍ كبير مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي , خصوصاً مع إعتبار باريس أن لندن لم تلتزم بالإتفاق المنصوص عليه بعد البريكست ، والذي يقضي بالسماح للصيادين الأوروبيين بمواصلة العمل في جزء من المياه التابعة لبريطانيا , الأمر الذي تطور لاحقاً وأدى إلى لنشوب نزاعٍ حاد بينهما , خصوصاً أن المياه في محيط جزيرة جيرسي البريطانية والقريبة من السواحل الفرنسية باّنٍ واحد غنية بالأسماك , ناهيك عن الأزمة الدبلوماسية الحادة بينهما على خلفية إتفاق "أوكوس" الذي أبرمته بريطانيا مع استراليا والولايات المتحدة ، والذي تم بموجبه إلغاء استراليا صفقة الغواصات المبرمة مسبقاً مع فرنسا , الأمر الذي أغضب فرنسا وألحق بها الضرر الكبير.

ولم تتوقف العدائية بين البلدين , وانتهى لقاء بوريس جونسون بالرئيس ماكرون في 24 تشرين الثاني / نوفمبر عام 2021, حول قضية غرق 27 مهاجراً أثناء محاولتهم عبور بحر المانش ، بدون أي إتفاق , وعلى إثر هذا اللقاء وصف الرئيس ماكرون جاره الإنكليزي بوريس جونسون بـ"المهرج" ... أمورٌ بمجملها تؤكد أن فرنسا وبريطانيا , جارين وحليفين استراتيجيين ، لكنهما يقفان على طرفي نقيض.  


ومع إعلان تشارلز الملك البريطاني الجديد , أن زيارته الأولى ستكون إلى فرنسا , يطرح السؤال نفسه , هل تعود بريطانيا وفرنسا إلى "الود" ثانيةً ، وهل يحمل لقاء ماكرون – تروس , على هامش لقاءات الجمعية العمومية للأمم المتحدة , دلالة ما ؟, بالتوازي مع تطلعات العديد من الفرنسيين نحو علاقاتٍ وثيقة مع بريطانيا ، تؤدي من النتيجة إلى الإبتعاد التدريجي عن ألمانيا , بفضل بهمسٍ فرنسي تحول إلى بوحٍ علني , أطلقته مارين لوبان عام 2021 , بـ "إبعاد الفرنسيين عن ألمانيا لصالح علاقات وثيقة مع بريطانيا" , نتيجة إعتقادها بالتأثير الألماني السلبي على الإقتصاد الفرنسي.


الأمر الذي يعززه السلوك الألماني خلال أزمة الطاقة الحالية , بعدما كشف تقرير لمركز الأبحاث الأوروبي ، إتجاه ألمانيا منذ أكثر من 20 عام نحو مشاريع الطاقة البديلة على حساب الطاقة النووية , السياسة التي صدقها ودعمها ماكرون وسار بها , وأغلق 17 محطة نووية خلال فترة حكمه الأولى , واليوم تدفع فرنسا ثمن هذا الخطأ , في وقتٍ لا يزال ماكرون يصر على مشاريع الطاقة الخضراء , وابتهج مغرداً قبل أيام على موقعه على تويتر , ومتباهياً بتدشين مشروع صغير للمراوح الهوائية لتشغيل توربينات إنتاج الكهرباء ويقول أنها "ستعين الفرنسيين في هذا الشتاء" !, وهو يعلم تماماً أن المشروع لا يمكنه تعويض الغاز الروسي , وقد نال نصيبه من السخرية والتعليقات القاسية من المتابعين .


بالإضافة للمقترح الغريب الذي أطلقته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , بوضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية ، وبفرض ضرائب جديدة , بإعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة , بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز , "بما يساعد الدول الأعضاء التي يتعين عليها شراء الغاز لإنتاج الكهرباء مثل ألمانيا" , بالتأكيد يعكس اقتراحها مصلحةً ألمانيا على حساب فرنسا وغيرها.

في وقتٍ يرى بعض الفرنسيين , أنه على ألمانيا تحمل مسؤولية ونتائج قراراتها الخاطئة على مدى 20 عام وليس على حساب الاّخرين , خصوصاً , وأن هذه الإستراتيجية الألمانية تم فضحها في كتاب نُشر حديثاً , للنائب الفرنسي ورئيس الجمعية الوطنية الفرنسية السابق , برنارد أكوير, تحت عنوان "محاولة لإفشال الصناعة النووية الفرنسية", تحدث فيه عن تاّمر ميركل بدعم من الإتحاد الأوروبي وحزب الخضر الفرنسي على فرنسا , عن طريق فرض تشريعات أوروبية تساعد منتجي الطاقة والكهرباء عبر المحطات النووية على الإنتاج بأسعارٍ منخفضة , كذلك النصحية التي قدمها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للمستشارة ميركل عام 2007 , بعدم تخلي ألمانيا عن الطاقة النووية , لرغبته بأن يكون لفرنسا وألمانيا طموحات موحدة حيال الطاقة , لكن ميركل رفضت الإنصات لنصائحه , وتقدمت بعد أربع سنوات نحو الإلغاء التدريجي لجميع المفاعلات النووية الألمانية السبعة عشر ، وأطلقت في الوقت نفسه حملة للضغط على فرنسا لتحذو حذوها.


ويرى البعض أن الفرنسيين لم يتمكنوا من كف يد ألمانيا عن محاولات أذيتهم , بسبب ضعف من تعاقبوا على حكم فرنسا ( فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون )، الذين ساروا وفق استراتيجية الطاقة الألمانية التي تخدم مصالح برلين , ولكنها تضرب مصالح فرنسا , لدرجة إعلان الرئيس ماكرون عن إعجابه بمقترح رئيسة المفوضية الأوروبية , واتفق مع شولتز على أن ترسل فرنسا 5% من احتياطياتها من الغاز إلى ألمانيا مع بداية الشهر المقبل ، وستحصل فرنسا بالمقابل على الكهرباء من ألمانيا. 

لقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن تصدعات وشروخ في العلاقات الفرنسية الألمانية , وبحسب مارين لوبان واّخرين , يبدو أنه "اّن الأوان كي تبحث فرنسا عن شركاء أوروبيين آخرين" , وقد تكون بريطانيا وجهتهم القادمة.

الأكثر قراءة أنواع النكاح عند العرب قبل الإسلام, قراءة سريعة
أنواع النكاح عند العرب قبل الإسلام, قراءة سريعة
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً