كتب د. علي حجازي:
ثقافة
كتب د. علي حجازي: "الجنازة الحامية والميّت ..." قصّة قصيرة
د. علي حجازي
28 تموز 2023 , 23:25 م

 قصّة قصيرة

حلبة السباق واسعة جدّاً ، ومترامية الأطراف. ومعدّة إعداداً متقناً .

الفرسان على ظهور الخيل استعداداً لِانطلاق الصافرة .

أبو قيس يزهو بالذهب والفضّة وبالثياب الفاخرة.يداه المرتعشتان من خدر لاتقويان على الإمساك باللجام المزركش بشكلٍ لافت.

وقف نديمُ أبي قيس وحبيبُه يرقب السباق من على شرفة القصر منتشياً هو الآخَرُ، بتلك الخمرة التي شرباها معاً قبل قليل، فأبو قيس نديمه الوحيد والمفضّل لديه، والعزيز على فؤاده.

حصان أبي قيس أصيل . ساءه أن يعتلي صهوته هذا المخلوق المسخ ، فهزّ رأسه احتجاجاً مرّات مستنكراً تلك الإهانةَ الكبيرة التي تلحقه الساعة.

أَطلقت الصفارةُ صوتاً عالياً ، فراحت الخيلُ تعدو مسرعة. أمّا حصان أبي قيس فشرّع رجليه للريح التي اشتدت. حاول أبو قيس الثبات جاهداً فلم يقدر،فسقط ومات ميتةً شنيعة ، بعدما داسته الجيادُ العاديةُ بحوافرها .

صاح يزيد:

- ويحكم ، لقد قضى حبيبي ونديمي. وا حزني عليه ، مَنْ يُنادِمُني بعده؟

حُمِلَ أبو قيس إلى دار الإمارة وسط حزن شديد بادٍ على وجوه الحاضرين من حاشية الأمير ، ومن الخدم والحشم الذين علا بكاؤهم،وذرفوادموعاً غزيرةًحزناً على الفقيد الكبير.

أعلن الأمير الذي اربدّ وجهُه الحِدادَ العام ، وأمر بتغسيل أبي قيس وتكفينه بأغلى الأكفان.

بعد ذلك انطلقت الجنازةُ المَهيبة، يسير خلفها الأميرُ مُحاطاً بالوجهاء والأعيان ، وبعدد كبير من الخدم المكلّفين رعايةّالكلابِ المُزَيَّنَةَبأساورِالذهب، والجلال المنسوجة منه ، وبقربها تسير جماعة القرود التي خسرت بفقد أبي قيس قرداً ذا حظوة عند الأمير جعلها معزّزة مكرّمة عنده.

المشيّعون صامتون ، خافضوا الرؤوس يمشون.

وحدها فرقةُ الموسيقى تعزفُ لحناً جنائزياً مصحوباً بالصنوجِ التي تصدح بأصواتها إلى البعيد ، والمزامير تنسجم مع الآلات الأخرى مضفية إلى الجوقة مسحة أُخرى من الحزن .

عند الضريح الكبير وقف يزيدُ بنُ معاوية كاسفَ اللونِ ، ظاهرَ الحزن.مقطّبَ الجبين باكياً كان، وأنشديقول:

كم من كرام وقوم ذوي محافظة جاؤوا لنا ليعزّوا بِأبي قيس،

شيخ العشيرة أمضاها وأجملها على الرؤوس وفي الأعناق والريس

لا يبعد الله قبراً أنت ساكنه فيه جمال وفيه لحية التيس.

أنهى كلامه الذي يقطر حزناً، على نديمِه الذي كان يسقيه أفضل ما يشرب،ويطعمه أطيب ما يأكل، وطلب إلى الناس القدومَ للتعزيةِ به ، وبتعليقِ الراياتِ السوداءِحزناًفي أرجاءِ الخلافة كلّها.

ولما رأتِ الجموعُ الغفيرةُ تلك الراياتِ تساءلت عن السبب، وبكت كثيراً لدى معرفتها أن ّ الفقيد الكبير هو قردُ يزيدَ المحبوب.

فتح المؤرخون دفاترهم،بعدماعزفت أكياسُ الذهبِ في أَكُفِّهِم نشيدَ الدُّنيا المطلوبة وشهواتها،

فمسّدوا لِحاهُمُ التي كانت تقطرُ دمعاً مُستفاضاُ وخمراً، ودوّنوا في صفحات تلك الدّفاتر:

رحمك الله أبا قيس ، ستفتقدك مجالس الشراب والسمر ، وستحِنُّ إليك مجالسُ الأُنسِ والطربِ كثيراً.

وانتشر الخبر في الآفاق، ودلف من الأبواب والنوافذ، بعدماجال الشوارعَ والأحياء:

مات أبو قيس فليُعلَنِ الحِداد.

تلفّعت الأُمّةُ بصمتٍ قاتل، وأحنى أبناؤها رقابَهم خاضعين ومبايعين حبيبَ أبي قيس بالخلافة.

وقف رجل واحد في هذه الأمّة التاعسة ، وشرع يردِّدُ عبارةَ جدِّه، صلّى الله عليه وآله: "حسين منّي وأنا من حسين "، ثمّ قال:

- مثلي لا يبايع مثلَه.

عفوك يا أرحمَ الراحمين.

الإصلاحَ الإصلاح، حَيَّ على الإصلاح.

حاول الأقربون ثَنْيَهُ عنِ الخروج؛ لكنّهُ صاح:

-والله ِ،لم أخرُجْ أَشَراً ولا بَطَرا، و إنّما خرجتُ طالباً الإصلاح في هذِهِ الأُمّةِ التي وصلت أمور الناس فيها إلى يزيدَ، شاربِ الخمر، مُلاعِبِ القِرَدَة ، وقاتل ِالنّفْسِ المحترمة.

قبريخا- جبل عامل

27/7/2023

ملحوظة.

للأمانة العلميّة :

المعلومات الواردة في هذه القصّة القصيرة منقولة من كتب الرواة والمؤرخين

المصدر: موقع إضاءات الإخباري