نتنياهو على رأس التلة
مقالات
نتنياهو على رأس التلة
م. زياد أبو الرجا
25 كانون الثاني 2024 , 20:19 م


وقف نتنياهو على راس التلة متقمصا شخصية موسى وبيده عصا الاطلسي وعلى يمينه يواف غالانت متقمصا شخصية "هرون" وعلى يساره بيني جانتز متقمصا شخصية "حور" واصدر اوامره لهرتزي ليفي المتقمص لشخصية "يشوع" (( اقض على حماس قضاءا مبرما وطهر غزة عرقيا من "عماليق" وقومه بالمذابح والتهجير الى سيناء, عليك ان تمحو ذكرهم من تحت السماء)). كل الصهاينة الذين حطوا ونزلوا على ارض فلسطين القدماء والمستجدين ومن ولد منهم على ارض فلسطين يؤمنون ايمانا عميقا بان ابادة الفلسطينيين هي فرض وتكليف رباني يؤجرون ويثابون عليه. (( واتى عماليق وحارب اسرائيل في "رفيديم"* فقال موسى ليشوع انتخب لنا رجالا واخرج حارب عماليق* وغدا اقف انا على راس التلة وعصا الله في يدي* ففعل يشوع كما قال له موسى ليحارب عماليق* واما موسى وهرون وحور فصعدوا على راس التلة* وكان اذا رفع موسى يده ان اسرائيل يغلب واذا خفض يده ان عماليق يغلب* فلما صارت يدا موسى ثقيلتين اخذا حجرا ووضعاه تحته فجلس عليه ودعم هرون وحور يديه الواحد من هنا والاخر من هناك. فكانت يداه ثابتتين الى غروب الشمس*فهزم يشوع عماليق وقومه بحد السيف* فقال الرب لموسى اكتب هذا تذكارا في الكتاب وضعه في مسامع يشوع فاني سامحو ذكر عماليق من تحت السماء. فبنى موسى مذبحا ودعى اسمه يهوه نسئ وقال ان اليد على كرسي الرب. للرب حرب مع عماليق من دور الى دور)). سفر الخروج الاصحاح السابع عشر.

ان الكيان الصهيوني الاستيطاني قادة ومستوطنين يعشعش في رؤوسهم الفكر التوراتي الذي يعتبر الضفة الغربية لنهر الاردن (( يهودا والسامرة)) جوهر المشروع الاستيطاني وحبل الربط والصلة بارض فلسطين المبني على ما دونه محررو التوراة (( ان محرري التوراة الذين عكفوا على تدوين اسفاره منذ اواخر القرن السادس قبل الميلاد كانوا يهدفون الى التاصيل للديانة اليهودية التي اخذت ملامحها بالتوضح عقب عودة بقية سبي يهودا من بابل , وابتكار جذور للمعتقد التوراتي في تاريخ فلسطين القديم. وقد عمدوا في سبيل ذلك الى الاستفادة من كل ما وقع تحت ايديهم من اخبار مملكتي اسرائيل ويهودا وهما مملكتان فلسطينيتان محليتان لم تعرفا قط الديانة اليهودية. وفسروا هذه الاخبار بما يتلائم والايديولوجية التوراتية. اضافة الى استخدامهم لمادة قصصية شعبية في المنطقة تروي احداثا مغرقة في القدم يختلط فيها التاريخ بالخرافة وصاغوا من كل ذلك رواية مضطربة مليئة بالفجوات والثغرات )). فراس السواح الحدث التوراتي والشرق الادنى القديم.

على الرغم من علمانية قادة الحركة الصهيونية وعرابيها الاوائل الذين سعوا لخلق كيان استيطاني وظيفي في خدمة المشروع الاستعماري في المنطقة. الا انهم استخدموا الفكر والايديولوجية التوراتية من اجل تحشيد يهود العالم لانجاز مشروعهم وبما انه مشروع استيطاني اجلائي تصبح معه الابادة الجماعية والتطهير العرقي عقيدة سياسية وممارسة عملية يقدّم المعتقد التوراتي المبرر والمسوغ الاخلاقي والديني لممارستها دون تانيب ضمير او استحياء انساني. اما وقد استولى عتاة التطرف الديني على السلطة في الكيان وحولوا المجتمع الغاصب الى مجتمع اشد تطرفا منهم من خلال مئات المدارس الدينية التي يديرونها داخل الكيان. بحيث اصبح اكثر من اربعين بالمائة منهم خريجي هذه المدارس فلم يعد داخل هذا الكيان اي وجود يذكر للعلمانيين او ما يسمى بدعاة السلام.

اقدم الكيان الصهيوني على اكبر عملية تمويه لوظيفته في الاقليم وساعده امريكا والاطلسي والمتصهينين العرب وبدا على انه كيان يريد السلم والسلام مع الفلسطينين والعرب الذين طرحوا مشاريع متعددة غايتها النهائية تصفية القضية الفلسطينية مرة والى الابد. فتم توقيع كامب ديفيد ووادي عربة واوسلو وحل الدولتين والمبادرة العربية في قمة بيروت 2002م والانسحاب من غزة ولتحقيق حلم الصهيونية في الهيمنة على الاقليم المتجسد في شعار (( حدودك يا اسرائيل من الفرات الى النيل )) المكتوب على مدخل الكنيست الصهيوني. تبنت امريكا ومعها الاطلسي والمتصهينين العرب ومخلب الناتو اردوغان وحزب الاخوان مشروع ما يسمى بالربيع العربي الذي جندت له مئات الاف الارهابيين من تنظيم القاعدة واخواتها ومتطوعي الاخوان المسلمين ورصدت مئات المليارات لتمويل هذا المشروع الاجرامي مما دفع امريكا الى الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة للكيان وضم الجولان المحتل وجعل امراء النفط والغاز طليقي الايدي وبلا لجام او عنان ليقدموا على التطبيع مع الكيان على كافة الصعد. وفي ظل ذلك قام الكيان بالاستيطان المكثف والتمدد داخل الضفة مما ادى الى انكشاف السلطة / الجيتو من خلال التنسيق الامني مع الكيان والتماهي مع المتصهينين العرب. تمادى المتطرفون الصهاينة في انتهاكاتهم المتكررة للمسجد الاقصى وضرب المدافعين عنه من المدنيين المرابطين في ساحاته. ورغم تحذير وانذار محور وفصائل المقاومة من مغبة الاستمرار بهذه الانتهاكات الا ان الصهاينة واصلوا وبشكل متكرر ومكثف تدنيسهم للمقدسات الاسلامية والمسيحية. في غمرة هذه الاحداث فاض طوفان الاقصى في السابع من تشرين الاول / اكتوبر 2023م وكان رد فعل الكيان ان شن عدوانا وحشيا على قطاع غزة. بعد فشله في تحقيق اهداف العدوان بالقضاء على حماس وتهجير السكان الى سيناء وتورطه في الثقب الاسود الفلسطيني الذي اخذ يبتلع جيش الكيان بعتاده وعديده اماط اللثام عن وجهه القبيح وخلع الثياب البيضاء المموهة وشمر عن قفازاته الحديدية ووضع برنامجه على الطاولة لا لحل الدولتين وان كل الارض الواقعة غرب نهر الاردن هي منطقة امنية اسرائيلية وراح يؤكد مرة تلو الاخرى ولا زال ان لا وقف للحرب الا بالقضاء على حماس وتهجير اهل غزة. دابت راعيته امريكا على بيع العرب بان الكيان لا يريد قطاع غزة خاليا من سكانه ولكن امريكا لا تريد وجود حماس والمقاومين فيها في الوقت الذي ذهبت فيه دول الشرق والغرب تردد الاسطوانة المشروخة ويرقص على انغامها عرب الردة واولهم السلطة / الجيتو بان الوقت قد حان لحل القضية الفلسطينية على اساس الدولتين. انهم يبيعوننا قبض ريح وغير جادين في ذلك. ان اي تفكير جدي للحل يتطلب منهم ان يذهبوا الى مجلس الامن ويفعلوا قراراته بشان القضية الفلسطينية التي تنص على قيام دولة فلسطينية على ارض فلسطين حسب قرار التقسيم وعودة اللاجئين الى ديارهم. ان كل ما يطرح من حلول ومبادرات هو ماساة وملهاة في ان معا. ماساة استمرار الابادة الجماعية والتطهير العرقي وملهاة الوعود بفك الحصار عن غزة وادخال المواد الاغاثية والعمل على مشروع حل الدولتين. ان انتصار المقاومة الفلسطينية في غزة الان يشكل بداية تفكك المستوطنة الام " الكيان " وما خلفته من مستوطنات. لقد دنت ساعة الهزيمة المدوية لحرب الوكالة التي شنها الاطلسي ضد روسيا من وعلى الارض الاوكرانية لكن هزيمة الكيان الحتمية وعلى يدي محور المقاومة ستكون تداعياتها على الغرب الاطلسي صاحب الثكنة / الكيان اشد وطئا وثقلا لان انهيار مشروع الكيان سيفضي جدليا الى سقوط ركائز ودعائم المشروع الاستعماري التي تشكل سايكس-بيكو ووعد بلفور اسسها القوية. وستسقط الجغرافيا السياسية التي قامت على تفتيت بلاد الشام الى جغرافيات سياسية ضعيفة وسيعود لبلاد الشام "سورية الكبرى" جغرافيتها السياسية الكبرى بعاصمتها دمشق مدينة الياسمين التي انطلقت منها جيوش العرب الى الشمال الافريقي واسبانيا. واهم من يعتقد بان الغرب الاستعماري سيترك عنق قاعدته المتقدمة في الاقليم بين النطع وسيوف المقاومين وستكون الحرب الاوكرانية نزهة بالنسبة لما سيقوم به الغرب الاطلسي من تحشيد جيوشه وتفعيل عملائه وستقوم القيامة والحرب العالمية الثالثة. دليل ذلك ان امريكا وباقي قوى الاطلسي حملت الاسلحة والذخائر على عشرات سفن الشحن وطائرات النقل العملاقة في اول ايام طوفان الاقصى, وهرع كل قادة ورؤساء الحلف الغربي الى الكيان يقدمون الدعم المعنوي والسياسي وحشدوا الاساطيل لرفع معنوياته المنهارة. نحن على ثقة بان انتشار وتعميم ثقافة المقاومة بين جماهير امتنا سيعزز محور المقاومة وان الجولة الختامية في هذا الصراع ستكون انتصارا " لعماليق وقومه" على " يشوع وحلفائه " انه امرحتمي ونصر الهي .

م/ زياد ابو الرجا

المصدر: موقع إضاءات الإخباري