مقالات
"حربُ القوّةِ الناعمةِ: المعركةُ التي لا تُرى" بقلم المهندس باسل قس نصر الله
المهندس باسل قس نصر الله
24 نيسان 2025 , 20:10 م


قد تكونُ الحربُ اليومَ بلا جيوشٍ تزحفُ، ولا دباباتٍ تجتاحُ، ولا طائراتٍ تقصفُ، لكنّها في أقسى تجلّياتِها: أهدأُ، وأخطرُ. إنّها "حربُ القوّةِ الناعمةِ"، تلك التي تتحرّكُ كنسمةٍ، وتتركُ أثراً كالإعصارِ. القوّةُ التي لا تُرعبُكَ، بل تُغريكَ؛ لا تُجبرُكَ، بل تُقنعُكَ؛ لا تأتيكَ بالسوطِ، بل بالوردةِ.

في هذا السياقِ، تحوّلتِ الاستراتيجيّةُ الأميركيّةُ منذ تسعينيّاتِ القرنِ الماضي، وتحديدًا منذ أن قدّمَ جوزيفُ ناي "Joseph Nye" مفهومَ "القوّةِ الناعمةِ" عامَ 1990، من نمطِ التدخّلِ العسكريِّ إلى استراتيجيّةٍ أكثرَ دهاءً: التأثيرُ من الداخلِ. لم يعدِ المطلوبُ أن تُغيّرَ نظاماً بالقوّةِ، بل أن تُغيّرَ المجتمعَ نفسَه ليُطالبَ هو بالتغييرِ. يُرادُ للناسِ أن يعتنقوا ما تُريدهُ أمريكا دون أن تُشعرَهم بأنّها فرضتْه عليهم.

لكن، ما هي هذه القوّةُ الناعمةُ التي صارتْ كلمةَ السرِّ في السياسةِ الدوليّةِ؟ ناي، الذي شغلَ مناصبَ رفيعةً في حكومةِ كلينتون وأسسَ مفاهيمَ أثّرتْ في عهدِ أوباما، قدّمَها كقدرةٍ على "جعلِ الآخرينَ يريدونَ ما تُريدُ"، عبر أدواتٍ غيرِ عسكريّةٍ: الثقافةٍ، التعليمِ، الإعلامِ، الاقتصادِ، القيمِ، وحتّى الطعامِ والسينما.

بمعنى أوضحَ: أن تُحبّكَ الشعوبُ، فتتبعَكَ.

ولعلّ الشرقَ الأوسطَ هو المسرحُ الأبرزُ لتفعيلِ هذه الأدواتِ، إذ أخذتْ الولاياتُ المتحدةُ، منذ 2004، تسعى لعزلِ حزبِ اللهِ مثلاً عن بيئتِهِ الاجتماعيّةِ من خلالِ نزعِ شرعيّتِهِ ثقافيّاً وسرديّاً، لا فقط عبرَ محاصرتِهِ عسكريّاً. فتهميشُ الأفكارِ والإيديولوجيا باتَ أكثرَ فاعليّةً من استهدافِ الجغرافيا.

إنّ القوّةَ الناعمةَ لا تُغيّرُ السلوكَ مباشرةً، بل تُغيّرُ "البيئةَ التي يُتّخذُ فيها السلوكُ". فهي تشتغلُ تحت جلدِ المجتمعِ، من خلالِ إعادةِ تشكيلِ بنيتِهِ المعرفيّةِ، وهويتِهِ الثقافيّةِ، ونظامِ قيمِهِ. الاستطلاعاتُ، نتائجُ الانتخاباتِ، المسوحاتُ النفسيّةُ، كلّها أصبحتْ أدواتٍ لقياسِ نجاحِها، ولو أنّ قياسَها – كما يقولُ ناي – يبقى صعباً، لأنّ تأثيرَها غيرُ ملموسٍ، ويعتمدُ على تصوّراتِ الآخرينَ.

القوّةُ الناعمةُ، إذاً، ليستْ كافيةً وحدَها. لكنّها ضروريّةٌ. فكما أنّ اللذّةَ الناعمةَ لا تُفكُّ عن الجسدِ، كذلك لا تُفكُّ عُرى المجتمعاتِ من ثقافتِها بسهولةٍ. هي معركةُ نفسٍ طويلةُ الأمدِ، وناجحةٌ فقط عندما تُبنى على مشتركٍ ثقافيٍّ بين الفاعلِ والمُستهدَفِ.

هذا ما تفعلهُ الصينُ منذ 2007، حين أعلنتْ رسميّاً في عهدِ هو جين تاو Hu Jintao، تعزيزَ الثقافةِ كجزءٍ من استراتيجيّتِها الناعمةِ، مستخدمةً الاقتصادَ كذراعٍ ممدودٍ. وهكذا فعلتْ روسيا، لكنْ متأخّرةً، كما اعترفَ وزير خارجيتها لافروف عام 2013، قائلاً: "بدأنا بالسيطرةِ على أدواتِ القوّةِ الناعمةِ متأخّرينَ جدّاً".

وفي خضمِّ هذا السباقِ العالميِّ، لا بدّ من الإشارةِ إلى أنّ المسلمينَ والعرب في الغربِ يحملونَ على عاتقِهم مسؤوليّةً مضاعفةً: فهم الوجهُ الناعمُ للإسلامِ في مجتمعاتِهم، وسلوكُهم الحضاريُّ يُعزّزُ مكانةَ دينِهم أكثرَ من أيِّ خطابٍ. القوّةُ الناعمةُ هنا ليستْ خياراً، بل ضرورةً وجوديّةً.

وإذا كانتِ القوّةُ الذكيّةُ هي المزجَ بين الصلابةِ والنعومةِ، فإنّ من لا يمتلكُ الأولى، عليه أن يُتقنَ الثانيةَ. ومن لا يفهمْ أنّ الأغنيةَ قد تُسقِطُ حاكماً، وأنّ الفكرةَ قد تُفجّرُ ثورةً، فإنّه يعيشُ في عالمٍ لم يَعُدْ موجوداً.

في النهايةِ، حربُ القوّةِ الناعمةِ ليستْ حرباً نائمةً. هي صاخبةٌ بلا ضجيجٍ. جذّابةٌ بلا إكراهٍ. وحين تكونُ أدواتُها الفنَّ، والدراما، والتعليمَ، والدبلوماسيّةَ، فإنّ انتصاراتِها لا تُقاسُ بعددِ القتلى، بل بعددِ العقولِ التي تمّ تغييرُها، ولو كانتْ تظنُّ أنّها اختارتْ ذلك بإرادتِها.

فمن يُفكُّ عنّا هذا الغرامَ الناعمَ؟ وأيُّ أصابعَ تُمسكُ بذاك الخيطِ الذي يشدُّكَ إلى حيثُ لا تدري؟

اللهمّ اشهدْ أنّي بلّغت

المصدر: موقع إضاءات الإخباري
مواضيع ذات صلة
نحن جند ٱلله جيش ٱلله حزب ٱلله لا بد ان ننصر.. شعر أبو الفواطم
أبو الفواطم - 6 نيسان 2026
نحن جند ٱلله جيش ٱلله حزب ٱلله لا بد ان ننصر.. شعر أبو الفواطم
الهزيمة المرة التي ترهق من يقف خلف ترامب ولا يعرف كيف يحضره كي يعلنها للعالم.
أم ان ارسال البنتاغون 5000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية في مهمة بلا رجعة إلى جزيرة “ خرج” قد تقلب المعادلة .؟
 الحرب على إيران وصلت الى مرحلة حرجة للغاية مع دخول الحوثيون في اليمن على الجبهة بهجمات صاروخية على إسرائيل مع إيران التي تقوم بهجوم واسع النطاق على البنية التحتية الأمريكية في دول شرق الأوسط نشرت الولايات المتحدة الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات المارينز في الشرق الأوسط والهدف ليس خوض حرب طويلة الأمد ، بل السيطرة على جزيرة خرج ، التي تملك تحتوي على 90-95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً. تسعى الولايات المتحدة إلى عماية
علي وطفي - 6 نيسان 2026
الهزيمة المرة التي ترهق من يقف خلف ترامب ولا يعرف كيف يحضره كي يعلنها للعالم. أم ان ارسال البنتاغون 5000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية في مهمة بلا رجعة إلى جزيرة “ خرج” قد تقلب المعادلة .؟ الحرب على إيران وصلت الى مرحلة حرجة للغاية مع دخول الحوثيون في اليمن على الجبهة بهجمات صاروخية على إسرائيل مع إيران التي تقوم بهجوم واسع النطاق على البنية التحتية الأمريكية في دول شرق الأوسط نشرت الولايات المتحدة الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات المارينز في الشرق الأوسط والهدف ليس خوض حرب طويلة الأمد ، بل السيطرة على جزيرة خرج ، التي تملك تحتوي على 90-95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً. تسعى الولايات المتحدة إلى عماية "الخنق الاقتصادي" لإجبار طهران على تقديم تنازلات , بالمقابل إيران حشدت جيشا قوامه مليون جندي و حوالي خمسة ملايين وضعوا انفسهم تحت تصرف القوات المسلحة دفاعا عن بلدهم ( ياريت تتعلم ، عبث) كما نقلت طائرات مسيرة إلى ميليشيات حليفة عراقية، استخدمتها لتدمير منظومات الدفاع الجوي على سطح السفارة الأمريكية في بغداد، بالإضافة إلى مروحية بلاك هوك ، الولايات المتحدة إسقاط عامل هام: اصبحت إيران تمتلك تقنية الطائرات المسيرة بالألياف الضوئية من روسيا ، وهي تقنية لم يسبق للجيش الأمريكي مواجهتها ويصعب إسقاط هذه الطائرات نظرا لصغر حجمها ومناعتها الكاملة ضد التشويش الإلكتروني وقد استخدمتها القوات الروسية مرارا وتكرارا لتدمير دبابات M1A1 أبرامز الأمريكية ومركبات قتال المشاة M - 2 برادلي التي نُقلت القوات المسلحة الأوكرانية على أرض المعركة الأوكرانية ، و العملية البرية بمثابة صراع حياة أو موت للقوات الأمريكية إنزال 5000 جندي مشاة سيكون رعايتهم الموت كما تعد جزيرة خرج/خارك، وتحصيناتها ومنشآتها النفطية، حصنًا صخريًا منيعًا ولا يفصلها عن البر الإيراني سوى 25 كيلومترًا، ما يوفر لها دعما ناريا على مدار الساعة وسوف تتعرض القوات الأمريكية التي ستنزل في الجزيرة لوابل كثيف من المدفعية والصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية باستخدام تقنية الألياف الضوئية الروسية، واستطاعت تدمير دبابات ومركبات مدرعة أمريكية رئيسية، فسيصبح جنود المشاة البالغ عددهم 5000 جندي محاصرين تماما على سطح الجزيرة المكشوفة ، دون أي غطاء، ليصبحوا أهدافًا سهلة وستتحول الجزيرة إلى فخ مميت لهم ، كون الخبراء الإيرانيون وظيفتهم التحكم عن بعد في هذه طائرات المزودةب الألياف الضوئية من ملاجئ تحت الأرض دون بث إشارات لاسلكية، مما يجعلها غير قابلة للكشف. يزعم ترامب أنه سينهي الحرب مع إيران في غضون اسبوعين أو ثلاثة ولا يكترث إن فتح مضيق هرمز بعد ذلك ، أو إن أبرمت إيران اتفاقاً هذا مثال كلاسيكي على التهرب من الهزيمة الساحقة و بغض النظر عن التصريحات المتناقضة ، فإن إيران إضافة إلى المكاسب المعنوية للنصرٍ ستصبح القوة المهيمنة في الخليج العربي، محتفظة بالسيطرة على مضيق هرمز واليوم نحو 400 سفينة من مختلف الأنواع اضطرت إلى تعليق عبورها مضيق هرمز، بانتظار قرار من السلطات الإيرانية بشأن السماح لها بالمرور عبر هذا الممر المائي ذي الأهمية الاستراتيجية و بعض السفن عند مدخل المضيق، وكذلك بالقرب من جزر إيرانية ولا تحاول العبور بسبب تحذيرات طهران ، يعد مضيق هرمز ممرا مائيا ضيقا يربط بين الخليج العربي وخليج عمان، ويكتسب أهمية استراتيجية بالغة، إذ يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، ونحو 25% من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية. علاوةً على ذلك، سيتم سحب القواعد العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة بشكل شبه مؤكد ، كما ستحسن طهران وضعها المالي بشكل كبير، و تعوض خسائرها العسكرية بسرعة وتعزز إيران جيشها بشكل ملحوظ، واعادة تجهيزه بأحدث الأسلحة، مسرعة في تطوير برنامجها الصاروخي المتطور أصلا، و قد تعلن بشكل قاطع أنها أصبحت قوة نووية. اما موقف طهران من تل أبيب و موقفها لن يزول و استمرار الصراع الوجودي مع إسرائيل بعد كل ما سببته إسرائيل لإيران من معاناة في عدوانها ، وايضا لا أمل في تخفيف حدة الخطاب تجاه الكيان اليهودي. للعلم منذ شهر كان في طهران قادة مستعدون للتسوية والتفاوض باستمرار أما الآن ، اصبحت دولة إقليمية عظمى ومتماسكة من الداخل مدركة لتفوقها في الحرب الدائرة ضد أقوى جيش في العالم وفي الشرق الاوسط ، اما العرب والخليج اليوم عليهم بدفع تكاليف الربح والخسارة (ملطشة) وكالعادة دائما يتواكلون ولا يتوكلون يضعون رهانهم على الحصان( مجازا) الخاسر كالعادة و يصرفون الملايين على شراء الاحصنة وبناء الاسطبلات لها. الخلاصة على ترامب الآن إما شن عملية برية أو الانسحاب سريعا وبشكل مخز، تاركا شريكه العزيز المدلل في ائتلاف إبستين “ نتنياهو” يغرق في مواجهة الأسد الصاعد الجديد في الشرق الأوسط.
تلازم مسار التفاوض بين لبنان وإيران، لماذا إصرار السلطة على الفصل؟ وهل يكون ترامب أول المغادرين؟
حسن علي طه - 5 نيسان 2026
تلازم مسار التفاوض بين لبنان وإيران، لماذا إصرار السلطة على الفصل؟ وهل يكون ترامب أول المغادرين؟