قراءة في سلوك الولايات المتحدة في مرحلة الأفول
منوعات
قراءة في سلوك الولايات المتحدة في مرحلة الأفول
يوسف حسن
29 تشرين الأول 2025 , 08:35 ص


يوسف حسن يكتب -

تبدو الولايات المتحدة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى كأنّها تاجر كان يوماً ما أغنى رجال السوق، لكنه الآن يقف أمام دفاتر خالية من الأرصدة وسمعة منهارة، ومع ذلك لا يزال يحاول أن يتظاهر بعظمةٍ وقدرةٍ لم تعد موجودة.

إنّ التدهور الاقتصادي المتدرّج، وأزمة الديون، والتصدّع في النسيج الاجتماعي، وانهيار الشرعيّة السياسيّة الداخليّة، كلّها عوامل قلّصت دائرة القوّة الفعلية لأمريكا، حتى بات الحفاظ على صورتها كـ«قوّة عظمى» لا يتمّ إلاّ عبر المناورات الإعلاميّة والإجراءات الاستعراضيّة.

وسلوك واشنطن الأخير على الساحة العالميّة – من وساطاتٍ زائفة في «السلام» بالشرق الأوسط، إلى تحرّكاتٍ عسكريّة محدودة ضدّ إيران وفنزويلا وقوى محور المقاومة – إنما هو انعكاسٌ لهذه الحالة: استعراضُ قوّةٍ في ظلّ إفلاسٍ حقيقي.

٢. مؤشّرات إفلاس القوّة

الإفلاس في السياسة، كما في الاقتصاد، يحدث عندما تتجاوز كلفة الحفاظ على المصداقيّة حدود القدرة الفعليّة للدولة.

وخلال العقود الأخيرة برزت مؤشّرات عدّة على هذا المسار في الولايات المتحدة، من أبرزها:

* تراجع القوّة الاقتصاديّة الحقيقيّة: تجاوز الدين الفدرالي ٣٥ تريليون دولار، وتراجعت حصة الولايات المتحدة من الناتج العالمي إلى أقل من ٢٥٪.

* تآكل القوّة العسكريّة في الميدان: الانسحاب المتعجّل من أفغانستان، والعجز عن السيطرة على تطوّرات أوكرانيا، وتراجع الردع أمام محور المقاومة، كلّها دلائل على ضعف القدرات الميدانيّة.

* تفكّك التماسك الداخلي: الانقسام السياسي العميق، وأزمة الشرعيّة الانتخابيّة، وفقدان الثقة الشعبيّة بالمؤسّسات السياسيّة، بلغت مستويات غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي.

في ظلّ هذه الوقائع، تجد القوّة العظمى السابقة نفسها مضطرّة إلى انتهاج سياساتٍ منخفضة الكلفة عالية الضجيج، لتجنّب الانهيار الكامل لصورتها القديمة.

٣. المناورات منخفضة الكلفة: سياسة استعراض القوّة

كما يسعى التاجر المفلس للحفاظ على سمعته في السوق من خلال صفقات صغيرة ولكن صاخبة، تتّبع السياسة الخارجيّة الأمريكيّة النهج ذاته:

* عقوبات انتقائيّة ومؤقّتة: أضحت العقوبات اليوم أداة تهديد إعلامي أكثر من كونها وسيلة ضغطٍ فعليّة.

* عمليّات عسكريّة محدودة: الضربات بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ في سوريا والعراق واليمن تهدف بالأساس إلى خلق تأثيرٍ إعلامي، لا إنجازٍ ميداني.

* وساطات زائفة: من عروض ترامب «للسلام» في الشرق الأوسط إلى مظاهر وساطة بايدن في أزمة أوكرانيا، كلّها محاولات لإبقاء الولايات المتحدة في مشهدٍ فقدت نفوذها فيه.

إنّ هذه التحرّكات تشبه تماماً مناورات شركةٍ مفلسةٍ تحاول، عبر دعاياتٍ براقة، إقناع المستثمرين بأنّها ما زالت حيّة.

٤. التكاليف الخفيّة والنتائج البعيدة

رغم أنّ استعراض القوّة قد يخلق وهماً بالهيمنة في المدى القصير، فإنّ نتائجه على المدى الطويل مدمّرة:

* تآكل ثقة الحلفاء: بلدانٌ كالسعودية وتركيا وحتى أوروبا أدركت بوضوح أنّ واشنطن لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأمنيّة.

* ازدياد جرأة الخصوم: الصين وروسيا وإيران وسّعت مجالات تحرّكها بعدما أدركت الفجوة بين القوّة الحقيقيّة والاستعراض الأمريكي.

* تصاعد الفوضى العالميّة: القرارات المتسرّعة وغير المتوقّعة لواشنطن تدفع النظام الدولي نحو حالةٍ من الاضطراب غير القابل للسيطرة.

في الحقيقة، كلّ عرضٍ إعلاميّ جديد للولايات المتحدة هو خطوة إضافيّة في تآكل مكانتها التاريخيّة كقوّةٍ عظمى.

أمريكا اليوم تشبه تاجراً مفلساً ما زال يرتدي بدلةً فاخرة كي لا يكتشف الدائنون إفلاسه، لكنّ الحقيقة لا بدّ أن تنكشف عاجلاً أم آجلاً: الرصيد السياسي والأخلاقي لواشنطن قد نفد، وعصر هيمنتها المطلقة قد انتهى.

إنّ العروض المحدودة والعقوبات غير الفاعلة والعمليّات الاستعراضيّة ليست سوى محاولات يائسة لإبقاء ذكرى «العصر الذهبي» حيّة.

العالم يدخل مرحلة التعدّديّة الحقيقيّة في موازين القوّة، وأمريكا – رغم ضجيجها – لم تعد اللاعب الأوحد في هذا المسرح العالمي.

مواضيع ذات صلة
​السيادة المذبوحة على
عدنان علامه - 6 نيسان 2026
​السيادة المذبوحة على "قسطل مياه"؛ بين التحرير العسكري والإرتهان السياسي
الخليج بين وثائق الاستخبارات وحروب الواقع
ا. خالد الحديدي / مصر - 6 نيسان 2026
الخليج بين وثائق الاستخبارات وحروب الواقع
الهزيمة المرة التي ترهق من يقف خلف ترامب ولا يعرف كيف يحضره كي يعلنها للعالم.
أم ان ارسال البنتاغون 5000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية في مهمة بلا رجعة إلى جزيرة “ خرج” قد تقلب المعادلة .؟
 الحرب على إيران وصلت الى مرحلة حرجة للغاية مع دخول الحوثيون في اليمن على الجبهة بهجمات صاروخية على إسرائيل مع إيران التي تقوم بهجوم واسع النطاق على البنية التحتية الأمريكية في دول شرق الأوسط نشرت الولايات المتحدة الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات المارينز في الشرق الأوسط والهدف ليس خوض حرب طويلة الأمد ، بل السيطرة على جزيرة خرج ، التي تملك تحتوي على 90-95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً. تسعى الولايات المتحدة إلى عماية
علي وطفي - 6 نيسان 2026
الهزيمة المرة التي ترهق من يقف خلف ترامب ولا يعرف كيف يحضره كي يعلنها للعالم. أم ان ارسال البنتاغون 5000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية في مهمة بلا رجعة إلى جزيرة “ خرج” قد تقلب المعادلة .؟ الحرب على إيران وصلت الى مرحلة حرجة للغاية مع دخول الحوثيون في اليمن على الجبهة بهجمات صاروخية على إسرائيل مع إيران التي تقوم بهجوم واسع النطاق على البنية التحتية الأمريكية في دول شرق الأوسط نشرت الولايات المتحدة الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات المارينز في الشرق الأوسط والهدف ليس خوض حرب طويلة الأمد ، بل السيطرة على جزيرة خرج ، التي تملك تحتوي على 90-95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً. تسعى الولايات المتحدة إلى عماية "الخنق الاقتصادي" لإجبار طهران على تقديم تنازلات , بالمقابل إيران حشدت جيشا قوامه مليون جندي و حوالي خمسة ملايين وضعوا انفسهم تحت تصرف القوات المسلحة دفاعا عن بلدهم ( ياريت تتعلم ، عبث) كما نقلت طائرات مسيرة إلى ميليشيات حليفة عراقية، استخدمتها لتدمير منظومات الدفاع الجوي على سطح السفارة الأمريكية في بغداد، بالإضافة إلى مروحية بلاك هوك ، الولايات المتحدة إسقاط عامل هام: اصبحت إيران تمتلك تقنية الطائرات المسيرة بالألياف الضوئية من روسيا ، وهي تقنية لم يسبق للجيش الأمريكي مواجهتها ويصعب إسقاط هذه الطائرات نظرا لصغر حجمها ومناعتها الكاملة ضد التشويش الإلكتروني وقد استخدمتها القوات الروسية مرارا وتكرارا لتدمير دبابات M1A1 أبرامز الأمريكية ومركبات قتال المشاة M - 2 برادلي التي نُقلت القوات المسلحة الأوكرانية على أرض المعركة الأوكرانية ، و العملية البرية بمثابة صراع حياة أو موت للقوات الأمريكية إنزال 5000 جندي مشاة سيكون رعايتهم الموت كما تعد جزيرة خرج/خارك، وتحصيناتها ومنشآتها النفطية، حصنًا صخريًا منيعًا ولا يفصلها عن البر الإيراني سوى 25 كيلومترًا، ما يوفر لها دعما ناريا على مدار الساعة وسوف تتعرض القوات الأمريكية التي ستنزل في الجزيرة لوابل كثيف من المدفعية والصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية باستخدام تقنية الألياف الضوئية الروسية، واستطاعت تدمير دبابات ومركبات مدرعة أمريكية رئيسية، فسيصبح جنود المشاة البالغ عددهم 5000 جندي محاصرين تماما على سطح الجزيرة المكشوفة ، دون أي غطاء، ليصبحوا أهدافًا سهلة وستتحول الجزيرة إلى فخ مميت لهم ، كون الخبراء الإيرانيون وظيفتهم التحكم عن بعد في هذه طائرات المزودةب الألياف الضوئية من ملاجئ تحت الأرض دون بث إشارات لاسلكية، مما يجعلها غير قابلة للكشف. يزعم ترامب أنه سينهي الحرب مع إيران في غضون اسبوعين أو ثلاثة ولا يكترث إن فتح مضيق هرمز بعد ذلك ، أو إن أبرمت إيران اتفاقاً هذا مثال كلاسيكي على التهرب من الهزيمة الساحقة و بغض النظر عن التصريحات المتناقضة ، فإن إيران إضافة إلى المكاسب المعنوية للنصرٍ ستصبح القوة المهيمنة في الخليج العربي، محتفظة بالسيطرة على مضيق هرمز واليوم نحو 400 سفينة من مختلف الأنواع اضطرت إلى تعليق عبورها مضيق هرمز، بانتظار قرار من السلطات الإيرانية بشأن السماح لها بالمرور عبر هذا الممر المائي ذي الأهمية الاستراتيجية و بعض السفن عند مدخل المضيق، وكذلك بالقرب من جزر إيرانية ولا تحاول العبور بسبب تحذيرات طهران ، يعد مضيق هرمز ممرا مائيا ضيقا يربط بين الخليج العربي وخليج عمان، ويكتسب أهمية استراتيجية بالغة، إذ يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، ونحو 25% من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية. علاوةً على ذلك، سيتم سحب القواعد العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة بشكل شبه مؤكد ، كما ستحسن طهران وضعها المالي بشكل كبير، و تعوض خسائرها العسكرية بسرعة وتعزز إيران جيشها بشكل ملحوظ، واعادة تجهيزه بأحدث الأسلحة، مسرعة في تطوير برنامجها الصاروخي المتطور أصلا، و قد تعلن بشكل قاطع أنها أصبحت قوة نووية. اما موقف طهران من تل أبيب و موقفها لن يزول و استمرار الصراع الوجودي مع إسرائيل بعد كل ما سببته إسرائيل لإيران من معاناة في عدوانها ، وايضا لا أمل في تخفيف حدة الخطاب تجاه الكيان اليهودي. للعلم منذ شهر كان في طهران قادة مستعدون للتسوية والتفاوض باستمرار أما الآن ، اصبحت دولة إقليمية عظمى ومتماسكة من الداخل مدركة لتفوقها في الحرب الدائرة ضد أقوى جيش في العالم وفي الشرق الاوسط ، اما العرب والخليج اليوم عليهم بدفع تكاليف الربح والخسارة (ملطشة) وكالعادة دائما يتواكلون ولا يتوكلون يضعون رهانهم على الحصان( مجازا) الخاسر كالعادة و يصرفون الملايين على شراء الاحصنة وبناء الاسطبلات لها. الخلاصة على ترامب الآن إما شن عملية برية أو الانسحاب سريعا وبشكل مخز، تاركا شريكه العزيز المدلل في ائتلاف إبستين “ نتنياهو” يغرق في مواجهة الأسد الصاعد الجديد في الشرق الأوسط.