غالبا ما يُقال لنا إن قضاء الوقت في الطبيعة مفيد للجسد والعقل على حد سواء. وتؤكد أبحاث علمية واسعة أن التواصل مع البيئات الطبيعية يحقق فوائد صحية متعددة، من تقليل التوتر وتعزيز جهاز المناعة، إلى تحسين الأداء الأكاديمي لدى الأطفال.
لكن هذه الفوائد لا تشمل الجميع.
فبعض الأشخاص يشعرون بالخوف أو النفور أو الاشمئزاز من الحيوانات أو الأماكن الطبيعية. ويُعرف هذا النمط من المشاعر باسم الخوف من الطبيعة، وهو مفهوم لم يحظَ بالاهتمام الكافي في دراسات العلاقة بين الإنسان والبيئة، بحسب موقع The Conversation.
مفهوم الخوف من الطبيعة
لا يزال الخوف من الطبيعة ظاهرة غير مفهومة بشكل كامل، إذ لا توجد إجابة حاسمة حول أسباب ظهوره أو أفضل السبل للتعامل معه. وتشير دراسات حديثة إلى أن معدلات النفور من الطبيعة آخذة في الارتفاع، ما يزيد من أهمية فهم هذه الظاهرة وتأثيراتها النفسية والاجتماعية والبيئية.
الخوف من الطبيعة في مقابل حب الطبيعة
يُطلق على النقيض من الخوف من الطبيعة مصطلح حب الطبيعة، وهو الميل الفطري للتفاعل الإيجابي مع العالم الطبيعي. وينحدر المفهومان من علم النفس التطوري، الذي يفترض أن مشاعر الانجذاب أو النفور من الطبيعة هي آليات تكيفية نشأت استجابةً للموارد والمخاطر.
أما اليوم، فيُستخدم مفهوم الخوف من الطبيعة بشكل أوسع ليشير إلى النفور العام من البيئات الطبيعية وما يترتب عليه من علاقة سلبية مع العالم الطبيعي.
علاقات سلبية تقلل الفوائد الصحية وتضر بالبيئة
يتخذ النفور من الطبيعة أشكالا متعددة، لكنه يشترك في نتيجة أساسية واحدة: تقليل تعرض الأفراد للفوائد الصحية المرتبطة بالطبيعة، إلى جانب إضعاف الدعم المجتمعي لجهود حماية البيئة.
ولهذا، فإن فهم الطيف الكامل للعلاقة بين الإنسان والطبيعة — من الارتباط الإيجابي إلى النفور والرهبة — يُعد أمرا ضروريا على المستويين الصحي والبيئي.
دراسة علمية عن النفور من الطبيعة حول العالم
في دراسة حديثة أُجريت بالتعاون مع باحثين آخرين، جرى تحليل 196 دراسة علمية تناولت ظاهرة الخوف أو النفور من الطبيعة حول العالم، مع ملاحظة تركّز نسبي للأبحاث في الدول الغربية.
ورغم أن عدد هذه الدراسات أقل بكثير مقارنة بالأبحاث التي تركز على الجوانب الإيجابية للتواصل مع الطبيعة، فإن الاهتمام العلمي بهذا الموضوع يشهد نموا متسارعا.
وقد توزعت هذه الدراسات على مجالات متعددة، من بينها:
علم النفس
العلوم الاجتماعية
علوم حماية البيئة
لكن الباحثين أشاروا إلى وجود فجوات واضحة بين التخصصات، إضافة إلى تركيز غير متوازن على أنواع معينة من الطبيعة دون غيرها.
أسباب متعددة للخوف من الطبيعة
خلصت الدراسة إلى أن النفور من الطبيعة ناتج عن مجموعة متداخلة من العوامل، يمكن تقسيمها إلى:
عوامل خارجية
البيئة المحيطة وطبيعة التعرض للكائنات الحية
المواقف الاجتماعية والثقافية
دور الإعلام، مثل الأفلام التي تزرع الخوف من حيوانات معينة (كما فعل فيلم Jaws مع أسماك القرش)
عوامل داخلية
مستوى المعرفة بالطبيعة والكائنات الحية
العمر
الحالة الصحية والشعور بالقوة أو الضعف
فمثلا، يرتبط انخفاض المعرفة بالأنواع الحيوانية بزيادة النفور منها، بينما يرتبط الشعور بالضعف الجسدي بارتفاع الخوف من الحيوانات الكبيرة أو المفترسة.
حلقة مغلقة من الخوف والسلوكيات السلبية
لا يقتصر الخوف من الطبيعة على المشاعر فقط، بل ينعكس بوضوح على السلوكيات والمواقف.
فالأشخاص الذين يعانون من هذا النفور قد:
يتجنبون أماكن طبيعية معينة
يدعمون سياسات القضاء على الحيوانات البرية مثل الذئاب والدببة وأسماك القرش
ولا يقتصر هذا النفور على الحيوانات الخطرة فحسب، بل قد يشمل أنواعا غير مؤذية أو حتى مفيدة، مثل بعض أنواع الضفادع المحلية.
هل يمكن التغلب على الخوف من الطبيعة؟
نظرا للفوائد الكبيرة لقضاء الوقت في الطبيعة، يطرح الباحثون سؤالا محوريا: هل يمكن الحد من هذا الخوف أو معالجته؟
لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع، لكن الدراسة حددت ثلاث فئات رئيسية من التدخلات:
1. التعرض التدريجي
ويشمل التدرج في التواجد داخل البيئات الطبيعية، وصولا إلى العلاجات النفسية المتخصصة، مثل علاج رهاب العناكب عبر التعرض المتدرج وإعادة بناء الأفكار.
2. التثقيف والمعرفة
من خلال التعليم أو اللوحات الإرشادية في المحميات الطبيعية، ما يساعد على فهم سلوك الكائنات الحية وتقليل الخوف غير المبرر.
3. الحد من الصراعات
وذلك عبر تقليل الأضرار الناتجة عن التفاعل مع الطبيعة، مثل تعويض المزارعين عن خسائر المحاصيل التي تسببها الحيوانات البرية.
فجوة بين العلوم الاجتماعية والبيئية
لاحظ الباحثون وجود انفصال واضح بين التخصصات:
تركز دراسات علم النفس على تأثير الخوف من الطبيعة على الإنسان، لكنها غالبا ما تُبسّط مفهوم الطبيعة
بينما تركز علوم البيئة على حماية النظم الطبيعية، مع إغفال السياقات الاجتماعية والنفسية
ويؤكد الباحثون أن دمج هذين المنظورين ضروري لفهم الظاهرة ومعالجتها بفعالية.
لماذا يتزايد الخوف من الطبيعة؟
تشير الأدلة إلى أن الابتعاد المتزايد عن البيئات الطبيعية، والعيش في مدن مزدحمة تصبح فيها النباتات والحيوانات البرية مجرد ذكرى بعيدة، يسهم في تنامي هذا النفور.
ولهذا، فإن الحفاظ على علاقة صحية مع الطبيعة لم يعد رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على:
الصحة الجسدية والنفسية
استقرار النظم البيئية
إذا كنت تشعر بالراحة والسعادة في الطبيعة، فأنت من الأغلبية. لكن تزايد الخوف من الطبيعة يُعد إنذارا مبكرا لتدهور علاقتنا بالعالم الطبيعي، والاعتراف بوجود هذا النفور هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء علاقة متوازنة وصحية مع البيئة.