ما جرى في فنزويلا، وفق التقارير المتقاطعة والتصريحات العلنية والفيديوهات المتداولة، لا يمكن التعامل معه كخبر أمني أو عملية محدودة أو حتى تصعيد تقليدي في صراع سياسي، بل يجب قراءته كأخطر اختبار علني لفكرة السيادة نفسها في النظام الدولي المعاصر، واختبار أجرأ لفكرة أن رئاسة الدولة يمكن المساس بها أو كسر هيبتها علنًا، أو السماح للعالم أن يعتقد ذلك، دون أن يتحرك ميزان القوة لوقف هذا الانزلاق الخطير.
لسنا هنا أمام حادثة فنزويلية، بل أمام رسالة عالمية، والرسالة لا تحتاج إلى قرار قضائي أو رواية مكتملة كي تُفهم، لأنها صيغت منذ اللحظة الأولى على مستوى الردع النفسي والسياسي، لا على مستوى الإجراءات القانونية أو البيانات الدبلوماسية.
وسواء اكتملت العملية ميدانيًا كما رُوِّج لها، أو كانت إدارة إدراك محسوبة تُركت عمدًا في المنطقة الرمادية، فإن القرار السياسي واحد: كسر قدسية الرئاسة كخط أحمر دولي.
العملية الأمريكية: حين تتحول العلنية إلى سلاح
التقارير التي تحدثت عن ضربة عسكرية واسعة، ودخول قوات خاصة، واعتقال رئيس دولة داخل القصر الرئاسي، ثم خروج تصريحات من دونالد ترامب نفسه، مع ترك الفيديوهات تنتشر بلا نفي حاسم، تشير إلى أن واشنطن لم تكن معنية فقط بالفعل، بل بالكيفية التي يُرى بها الفعل، وبالزمن الذي يُترك فيه بلا تكذيب، وبالأثر الذي يُخزَّن في وعي الحلفاء والخصوم معًا.
عسكريًا، مجرد السماح بتداول هذا السيناريو على أنه “ممكن التنفيذ” يعني أن الولايات المتحدة أرادت اختبار ما هو أخطر من القدرة العملياتية:
اختبار قابلية العالم لتقبّل اختراق رأس الدولة دون ثمن فوري.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالإدارة الأمريكية – أو الدولة العميقة إن شئنا الدقة – لا تختبر القدرة على الوصول إلى كاراكاس، بل تختبر فكرة أن الرئاسة لم تعد حصنًا، وأن السيادة لم تعد خطًا أحمر، وأن القانون الدولي يمكن تجاوزه علنًا، ثم يُناقَش لاحقًا كوجهة نظر.
ترامب يتكلم… والرسالة أكبر من الرجل
خروج ترامب للحديث عن الملف ليس تفصيلًا جانبيًا، بل جزء من المشهد المدروس، لأن ترامب يمثل النسخة الصريحة غير المموّهة من السياسة الأمريكية، النسخة التي تقول ما تفكر به المؤسسة حين تريد إيصال رسالة صادمة بلا مكياج دبلوماسي ولا وسطاء.
حين يتكلم ترامب، وحين لا تُغلق واشنطن باب الجدل، فإنها تقول للعالم بوضوح بارد:
نعم، هذا ممكن.
نعم، يمكن التفكير فيه.
ونعم، لا أحد أوقف المسار.
وهنا لا يصبح ترامب شخصًا، بل أداة إيصال لرسالة ردع أخطر من أي ضربة عسكرية.
في هذه اللحظة، لا يُستهدف رئيس فنزويلا فقط، بل يُستهدف كل رئيس خارج المظلة الأمريكية.
من فنزويلا إلى دمشق: القانون الدولي كأداة انتقائية
وليس بعيدًا عن هذا المشهد، تتضح المفارقة التي تفضح جوهر السياسة الأمريكية بلا مواربة.
الرجل نفسه، دونالد ترامب، استقبل في البيت الأبيض الجولاني الإرهابي، المصنّف رسميًا على قوائم الإرهاب الدولية، والذي كانت الولايات المتحدة ترصد مكافآت مالية لمن يُدلي بمعلومات تؤدي إليه، قبل أن تعود اليوم لتتعامل معه كرئيس فعلي لسوريا، وتبادله الابتسامات والمصافحات داخل المكتب البيضاوي.
هنا لا نتحدث عن تغيير في السلوك، بل عن تغيير فاضح في تعريف القانون نفسه.
الإرهاب في القاموس الأمريكي ليس توصيفًا قانونيًا ثابتًا، بل وظيفة سياسية متحركة:
يُجرَّم من يُراد عزله، ويُعاد تدويره كرئيس دولة حين يخدم الدور المطلوب.
بهذا المعنى، فإن اختطاف الرئاسة في فنزويلا، واستقبال الجولاني في البيت الأبيض، ليسا تناقضًا أخلاقيًا، بل تطبيقين مختلفين لمنهج واحد:
كسر القانون الدولي حين يعيق المصالح، وإعادة تعريفه حين يخدمها.
روسيا والصين: اختبار الهيبة لا موازين القوة
الردود الروسية والصينية، مهما بدت محسوبة أو هادئة أو مؤجلة، لم تكن بمستوى الصدمة التي سُمح بوقوعها.
القضية لم تعد فنزويلا، بل صورة الحليف، وصورة القدرة على الحماية، وصورة الخط الأحمر الذي قيل للعالم لسنوات إنه قائم.
روسيا لم تُهزم عسكريًا، والصين لم تتراجع اقتصاديًا، لكن الهيبة تلقت ضربة حقيقية، لأن سابقة من هذا النوع – إن مرّت بلا ثمن واضح – تعني أن التحالفات خارج المظلة الأمريكية باتت مكشوفة نفسيًا قبل أن تكون مكشوفة عسكريًا.
والنظام الدولي لا يسقط بضربة واحدة، بل بسابقة تُترك بلا رد.
الحلفاء الصغار: الصدمة بلا مظلة
كوبا، نيكاراغوا، بوليفيا، إيران، وكوريا الشمالية، عبّرت عن رفض وإدانة، لكن الحدث كشف المعضلة الجوهرية:
محور يرفع شعار كسر الهيمنة، لكنه لا يمتلك حتى اللحظة آلية حماية فورية مشتركة تمنع تحويل الرؤساء والحكومات إلى أوراق ضغط.
وهنا تحديدًا ضربت واشنطن، لا في كاراكاس فقط، بل في فكرة “الأمان السياسي” لكل من يخرج عن بيت الطاعة.
الخلاصة النهائية
فنزويلا ليست نهاية القصة، بل بدايتها.
وما جرى – أو ما أُدير بهذه الطريقة المقصودة – هو إعلان غير مكتوب بأن العالم دخل مرحلة تُختَبَر فيها الدول لا بقدرتها على المقاومة فقط، بل بقدرتها على حماية رأسها السياسي.
المسؤول عن هذا الانحدار ليس حدثًا منفردًا، بل منظومة دولية سمحت بتآكل الخطوط الحمراء، ثم فوجئت بانهيارها.
فحين تُكسر الرئاسة علنًا، تنهار فكرة الدولة من الأساس.
وإما أن يُواجَه هذا المسار بردع حقيقي،
أو يصبح العالم ساحة مفتوحة،
لا تُقاس فيها السيادة بالشرعية،
بل بقدرتك على منع اختطافك…
أو اختطاف فكرتك.
— محمودموالدي،
رؤية تحليلية