* جرى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وراء اسطورة الفتوحات العثمانية في الوطن العربي بقيادة السلطان سليم الاول،واستلهمها منه.قاد السلطان سليم جيوشه الجرارة ناحية الشام،والتقى بالمماليك عند مرج دابق بالقرب من حلب،وكان السلطان الغوريي قد علم بانباء تحركات العثمانيين فخرج من مصر لمواجهة هذا الخطر الداهم الذي يهدد دولته،واشتعلت المعركة في يوم الاحد ٢٤ اب/ اغسطس ١٥١٦.وكان النصر حليف العثمانيين،في الوقت الذي قتل فيه السلطان الغوري وتفرق جيشه ورحل من بقي منه الى مصر.واثمر هذا النصر تساقط المدن الرئيسية في ايدي العثمانيين تباعا،مثل مدينة حلب،وحماة،وحمص،ودمشق،وفلسطين،وغزة،ثم دخل السلطان سليم الاول مصر حيث انتصر على السلطان (( طومان باي )) اخر سلاطين دولة المماليك الشراكسة في معركة الريدانية في ٢٣ كانون الثاني / يناير ١٥١٧ ودخل العثمانيون القاهرة،وقضوا على كل محاولة للمقاومة التي انتهت بالقبض على (( طومان باي )) واعدامه،لتطوى بذلك صفحة دولة المماليك،وتنتقل من مسرح التاريخ الى كتبه.
* وظف اردوغان هذه الاسطورة،بعد ان زينها له الاخوان المسلمين وتحالفا مع الولايات المتحدة الامريكية لبعثها واحيائها من جديد،وذلك عبر فتح سورية دون المرور في فلسطين الى مصر والشمال الافريقي،وبدون الجيوش التركية الجرارة ولكن بجيوش الارهاب الاخوانية ومتفرعاتها من القاعدة والتركمان والايغور الى اخر القائمة الارهابية الطويلة.التي حشدها الناتو على الارض التركية واستخدموا الموانئ البحرية والحدود البرية والمطارات التركية .نزلت هذه الجيوش الارض التركية في معسكرات عديدة وفرتها تركيا لهذه الجيوش التي مولها البترودولار العربي السخي.
شكلت الولايات المتحدة منظومة دعم دولية تحت غطاء (( اصدقاء سورية ))برعاية هيلاري كلينتون ووظفت اجهزة الاعلام المختلفة وشيوخ الفتنة وعلى راسهم يوسف القرضاوي والعرعور.واستطاع القرضاوي اغراء زعيم حماس خالد مشعل للمشاركة في مؤتمر اصدقاء سورية الذي دعت اليه ونظمته هيلاري كلينتون في اسطنبول.
اجتاحت المجاميع الارهابية منطقة مرج دابق بدعم تركي في ٢٤ اب/اغسطس واستمرت في القتال لوجستي تركي وسيطرت على مدينة حلب عام ٢٠١٢..مع فارق جوهري من سيطرة السلطان سليم الاول عليها وهو ان الخصم واللاعب الوحيد الذي واجه السلطان سليم على ارض الشام المماليك.بينما السلطان اردوغان وجد نفسه في مواجهة عدد من اللاعبين الاقليميين والدوليين .قامت الولايات المتحدة بتدريب وتسليح قوات سورية الديموقراطية (( قسد )) بذريعة محاربة داعش، وانشأت معسكرات وقواعد متقدمة امريكية شرق الفرات لتقديم الدعم لقوات (( قسد ))،وقام سلاح الجوفضائي الروسي بقصف ناقلات النفط الداعشية وقواتهافي شرق الفرات ومهد الطريق لقوات ((قسد)) لتسيطر على منطقة شرق الفرات التي تساوي ثلث مساحة سورية تقريبا.
* ادرك اردوغان بعد فوات الاوان خطورة (( قسد ))والاستثمار الامريكي المستقبلي القائم على انشاء وطن وكيان كردي يمتد من كردستان ايران وكردستان العراق المستقل عمليا عن بغداد وكردستان في تركيا وصولا الى سواحل البحر الابيض المتوسط.
لم يجرؤ اردوغان على الدخول في مجابهة مباشرة مع قوات قسد مع ان تركيا ثاني اقوى دولة في الناتو بعد الولايات المتحدة الامريكية.بل قام بتشكيل ما يسمى الجيش الوطني السوري بقيادة اللواء سليم ادريس،وزجه في عملية (( درع الفرات )).
بعد تحرير مدينة حلب من المجاميع الارهابية وبمشاركة روسية استعادت الحكومة السورية السيطرة على حلب.
انسحبت جبهة النصرة والقوات الارهابية الاخرى الى محافظة ادلب،ودخلت قوات الجيش التركي المحافظة واقامت نقاط مراقبة ( معسكرات قتالية متقدمة )فيها وعلى خطوط التماس مع الجيش العربي السوري وعلى طول طريق الاتوستراد الواصل بين اللاذقية وحلب.وبالدعم التركي الكامل اقامت هيئة تحرير الشام الارهابية دولة داخل الدولة.قفز اردوغان ومعه تنظيم الاخوان العالمي من الجغرافيا الشامية الى الجغرافيا التونسية والليبية والمصرية وسيطر الاخوان على الحكم في مصر،الذي لم يدم طويلا،وامتد اردوغان الى السودان واقام موطيء قدم عسكري على الساحل بالاتفاق مع الحكومة السودانية.وقدمت قطر القواعد العسكرية للقوات التركية.
فمن كوباني ( عين العرب )في شمال شرق سوريةوحلب الى سيناء والقاهرة،وطرابلس الغرب،تحطمت اوهام اردوغان والاخوان في بعث العثمانية من جديد.دفعت الشعوب العربية من دماء ابنائها وثرواتها وكياناتها الغالي والنفيس على مذبح اوهام اردوغان والاخوان.فالنفط الليبي تنهبه الشركات الغربية الاوروبية ويحكمها سلطات قبلية متعددة ابرزها بنغازي في الشرق وطرابلس في الغرب.
* تشبت اردوغان بالوهم الوحيد وهو السيطرة على سورية،وتقدمت كل مجاميع الارهاب وراس حربتها هيئة تحرير الشام بقيادة ابو محمد الجولاني وبدعم تركي،وسيطرت على حلب،وحماة،وحمص،ودمشق العاصمة في عملية سريعة بدت وكانها عملية استلام وتسليم.وما زالت سرا من الاسرار..وتم تتويج الجولاني رئيسا للجمهورية العربية السورية.
حاول اردوغان اعادة ترميم القواعد الجوية السورية لاستخدامها،الا ان سلاح الجو الاسرائيلي قام بقصفها ليزيد خرابها خرابا،في تحذير لاردوغان واعتبرت ذلك خطا احمر.وحذرت الجولاني من العبث بمحافظة السويداء ذات الاغلبية الدرزية واعلنت حمايتها،ووجهت رسالة لاردوغان بان (( قسد))الحليف الموثوق لاسرائيل.ثلاث محافظات سورية تحت الاحتلال الاسرائيلي وحليفان في الداخل..
واقع الحال في سورية ان لا الدول الاقليمية عدا قطر،ولا الولايات المتحدة،ولا اسرائيل تقبل بدور تركي فاعل ومؤثر في سورية.والاخوان بعد كل ما قدموه من خدمات لاسقاط الدولة والنظام،ليس لهم اي دور،على الرغم من ان قوات المغاوير الاخوانية التي انطلقت من قاعدة التنف الامريكية وصلت العاصمة دمشق قبل قوات الجولاني.
* فشل اردوغان والجولاني في اقناع او ارغام زعيم قسد مظلوم عبدي القائد العسكري،وهو مهندس مدني خريج جامعة حلب،في دمج قسد مع الجيش العربي السوري.فمظلوم عبدي ينشئء الاسس والاعمدة للكيان الكردي الذي اخفق زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله اوجلان في تحقيقه.مظلوم عبدي لديه عدة اوراق قوة اقليمية تعود الى اتصاله الجغرافي مع كردستان العراق،والقوات الامريكية في شرق الفرات وفي العراق ويرفض عبدي عودة ٩٠٠ الف لاجئ سوري في تركيا بلداتهم وقراهم الخاضعة لسيطرة قواته،تحول مظلوم عبدي الى معقد الامل لاربعين مليون كردي يناضلون من اجل كردستان المستقلة.
ان قيام كيان كردي يمتد من كردستان ايران الى البحر الابيض المتوسط،يشكل الصدع الزلزالي السياسي في الجنوب التركي،والموازي للصدع الزلزالي شمال الاناضول.فاردوغان الذي اعمته احلامه العثمانية،وانخراطه في مشاريع الناتو في الاقليم،القائمة على تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ،ليس للاقليم العربي وانما يشمل تركيا وايران،وتركيا لا يعصمها من ذلك كونها عضو في الناتو. فالولايات المتحدة الامريكية لم تعد تحتمل مشاركتها في الناتو وتعمل على تقويضه،وتعتمد على قوتها وقدراتها العسكرية وتعمل على تجريد اردوغان من اقوى حلفائه الاخوان،واعلن ترامب ان الاخوان تنظيم ارهابي يجب محاربته..
على اردوغان الان ان يتجرع كاس السم الذي طبخه وينطبق عليه قول الشاعر العربي جرير
انا الموت الذي أتى عليكم
فليس لهارب مني نجاء
وكذلك المثل العربي
((طباخ السم يذوقه )).
مهندس زياد ابو الرجا