مادورو يُعتقل… وفنزويلا تعود إلى طاولة الكبار: صراع النفط والنفوذ من جديد
مقالات
مادورو يُعتقل… وفنزويلا تعود إلى طاولة الكبار: صراع النفط والنفوذ من جديد
اسماعيل أحمد ديوب
7 كانون الثاني 2026 , 19:27 م

اسماعيل أحمد ديوب

صحفي مستقل وباحث في الشؤون اليسباسية والاقتصاد الدولي

لن يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، حدثًا عابرًا في

سجل الأخبار الدولية، بل شكّل نقطة انعطاف كبرى أعادت فنزويلا إلى قلب الصراع بين القوى العظمى،

فالحدث تجاوز كونه إجراءً أمنيًا أو قانونيًا، ليكشف عن صراع عميق على النفط، والديون، والنفوذ، وحدود

القوة الأمريكية في مواجهة الصين وروسيا.

على مدى سنوات، لم يكن مادورو مجرد رئيس لدولة تعاني أزمة اقتصادية خانقة، بل كان ركيزة في معادلة

جيوسياسية معقّدة جعلت من فنزويلا عقدة تقاطع بين مشاريع نفوذ متنافسة. ومع خروجه القسري من المشهد،

تعود البلاد إلى “طاولة الكبار”، لا بوصفها دولة مستقرة، بل كساحة مفتوحة لإعادة رسم الخرائط.

فنزويلا بعد مادورو: الدولة أمام فراغ السلطة

داخليًا: يفتح اعتقال مادورو الباب على مرحلة شديدة الحساسية. فقد قام النظام على توازن دقيق بين القيادة

السياسية، والجيش، وقطاع النفط، وشبكات الاقتصاد "غير الرسمي"، ومع انهيار هذا التوازن، يبرز خطر

الفراغ السياسي والأمني، واحتمال تفجر صراعات داخل النخبة الحاكمة نفسها.

لم يعد السؤال المطروح هو هوية الرئيس المقبل، بل قدرة أي سلطة انتقالية على فرض سيطرتها على مفاصل

الدولة ( الجيش، شركة النفط الوطنية، الموارد، والشارع الغاضب ). وفي بلد أنهكته العقوبات والانقسام، يصبح

أي فراغ داخلي مدخلًا مباشرًا لتدخلات خارجية بأشكال مختلفة.

الصين: النفط أولًا… والسياسة لاحقًا

بالنسبة للصين لا تُختزل فنزويلا في شخص مادورو، فبكين تنظر إلى البلاد باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا

طويل الأمد، بُني على نموذج «النفط مقابل القروض»، فمنذ عام 2007، وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن

الصين هي الدائن الأكبر لفنزويلا، وقد ضمنت عبر هذا النموذج تدفقات نفطية مستقرة، وحصصًا مباشرة في

الإنتاج، واختبرت في الوقت نفسه آليات مالية تقلّص الاعتماد على الدولار.

اعتقال مادورو يضع الصين أمام تحدٍ مزدوج

( خسارة حليف سياسي وفّر لها مظلة مريحة، مقابل احتفاظها بأدوات نفوذ قوية عبر الديون والعقود) ومن

غير المرجح أن تنخرط بكين في مواجهة علنية أو خطاب تصعيدي، إذ تميل تاريخيًا إلى العمل الهادئ

والبراغماتي.

الهدف الصيني سيكون واضحًا، وهو حماية الاستثمارات، ضمان استمرار تدفق النفط، وفرض نفسها طرفًا لا

يمكن تجاوزه في أي إعادة هيكلة للديون أو ترتيب سياسي جديد. وقد تقبل الصين بالتعامل مع سلطة جديدة،

حتى لو كانت أقل أيديولوجيًا، ما دامت لا تمس جوهر المصالح الاقتصادية.

روسيا (خسارة سياسية تفوق الحسابات المالية):

في المقابل، تبدو روسيا الخاسر الأكثر حساسية من سقوط مادورو. فموسكو لم تنظر إلى فنزويلا فقط كسوق

نفط أو سلاح، بل كمنصة رمزية لتحدي النفوذ الأمريكي في “الفناء الخلفي” لواشنطن. لقد مثّلت فنزويلا بالنسبة

لروسيا رسالة سياسية بقدر ما كانت شراكة اقتصادية.

وفّرت كراكاس لموسكو موطئ قدم دبلوماسيًا، وحضورًا عسكريًا رمزيًا، وسوقًا للسلاح والخدمات، إضافة إلى

فرص في قطاعي النفط والذهب. ومع اعتقال مادورو، تتعرض هذه المكاسب لهزة قوية، وتواجه روسيا خطر

تآكل نفوذها في منطقة بعيدة جغرافيًا عنها، وفي وقت تنشغل فيه بجبهات أخرى أكثر إلحاحًا.

قد تحاول موسكو استخدام أدواتها الدبلوماسية أو دعم قوى داخلية للحفاظ على موطئ قدم، لكن قدرتها على

فرض معادلة جديدة تبدو محدودة مقارنة بما كانت عليه في السابق.

الولايات المتحدة (انتصار سريع أم مأزق طويل؟):

في واشنطن، يُنظر إلى اعتقال مادورو بوصفه اختراقًا استراتيجيًا طال انتظاره. غير أن التجارب السابقة تُظهر

أن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار. فالولايات المتحدة تواجه تحديات معقدة في إدارة

المرحلة التالية، من بينها خطر الفوضى، وأزمة الديون، واحتمال تصاعد الهجرة وعدم الاستقرار الإقليمي.

كما أن التعامل مع الصين، بوصفها الدائن الأكبر، سيكون اختبارًا دقيقًا، إذ يصعب إعادة دمج فنزويلا في

النظام المالي العالمي دون تفاهمات مع بكين. وعليه، فإن النجاح الأمريكي الحقيقي لن يُقاس بلحظة الاعتقال،

بل بقدرة واشنطن على إدارة توازنات اليوم التالي.

فنزويلا (ساحة صراع لا دولة خارجة من أزمة):

تكشف هذه التطورات أن فنزويلا تحولت إلى مختبر حيّ لصراع النماذج في النظام الدولي. الهيمنة الغربية،

النفوذ الصيني الهادئ، والطموح الروسي لإثبات الحضور العالمي. وفي هذا السياق، يصبح النفط ليس مجرد

مورد، بل أداة صراع، وتتحول الديون إلى سلاح نفوذ.

الخلاصة

باعتقال نيكولاس مادورو، تعود فنزويلا إلى واجهة الصراع الدولي، لا بوصفها دولة استعادت سيادتها، بل

كساحة تتنازعها القوى الكبرى. الحدث ليس نهاية رجل، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، تُختبر فيها حدود النفوذ

الأمريكي، وصبر الصين، وقدرة روسيا على الاحتفاظ بدور عالمي.

في عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة، تبدو فنزويلا اليوم مثالًا صارخًا على كيف تتحول الدول الهشّة

إلى مسارح مفتوحة لصراع الكبار، حيث يُطرح السؤال الأهم: من يربح النفط، ومن يخسر النفوذ؟