رغم أن الإمساك والإسهال يبدوان مشكلتين متعاكستين، فإنهما في الواقع يعتمدان على العامل الأساسي نفسه:
كمية السوائل التي تنتقل إلى داخل الأمعاء.
تؤثر هاتان الحالتان على ملايين الأشخاص سنويا في الولايات المتحدة، ورغم شيوعهما، لم يكن العلماء يفهمون بشكل كامل ما الذي ينظم توازن السوائل المعوية.
مفتاح جزيئي يتحكم بتدفق الماء في الأمعاء
في دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة نورث وسترن، تمكن العلماء من اكتشاف مفتاح جزيئي رئيسي يعمل كصمام يتحكم بما يشبه «صنبور الماء» داخل الجهاز الهضمي.
ومن خلال دراسة البيساكوديل، وهو أحد أكثر أدوية الإمساك استخداما في العالم، اكتشف الفريق أن قناة أيونية تُعرف باسم TRPM4 تعمل كمفتاح تحكم رئيسي في تدفق السوائل داخل الأمعاء.
لماذا يُعد هذا الاكتشاف مهما طبيا؟
لا يحل هذا الاكتشاف لغزا طبيا قديما فحسب، بل:
يفتح الطريق أمام تصميم علاجات أكثر دقة
يتيح تطوير أدوية:
تنشّط القناة لزيادة السوائل لعلاج الإمساك المزمن
أو تثبط المسار لتقليل فقدان السوائل في حالات الإسهال
بيساكوديل: دواء قديم بآلية جديدة مكتشفة
قال خوان دو، الأستاذ في جامعة نورث وسترن والمؤلف المشارك في الدراسة:
«على الرغم من استخدام البيساكوديل سريريا لأكثر من 60 عاما، فإن هدفه الجزيئي الدقيق لم يكن معروفا».
وأضاف:
«من خلال الجمع بين علم الأحياء البنيوي، والفيزيولوجيا الكهربائية، والتجارب الخلوية، والنماذج الحيوانية، تمكنا من بناء صورة شاملة نادرة لآلية عمل الدواء، بدءا من التفاعلات الذرية وصولا إلى فسيولوجيا الجسم بالكامل».
كيف يعمل صمام TRPM4 داخل الأمعاء؟
يعتمد الهضم الصحي على توازن دقيق للسوائل داخل الأمعاء، وتتحكم به خلايا طلائية تبطن جدار الأمعاء، وتنظم انتقال الأملاح والماء.
اكتشف الباحثون أن الشكل النشط من البيساكوديل (دي أسيتيـل بيساكوديل):
ينشّط قناة TRPM4
يسمح بدخول أيونات الصوديوم إلى الخلايا
يُحدث تغيرا كهربائيا داخل الخلية
يؤدي إلى تدفق الكالسيوم
ينشّط قناة للكلور
تُفرَز أيونات الكلور إلى الأمعاء
ويتبعها الماء تلقائيا
والنتيجة النهائية: تأثير مُلين واضح.
آلية جديدة لا تعتمد على الكالسيوم
كان معروفا سابقا أن قناة TRPM4 تستجيب لإشارات الكالسيوم داخل الخلايا، لكن المفاجأة أن:
البيساكوديل ينشّط القناة بطريقة مختلفة تماما
لا تتطلب وجود الكالسيوم
وباستخدام المجهر الإلكتروني فائق البرودة (Cryo-EM)، تمكن الفريق من تصوير القناة على المستوى الذري، واكتشف:
جيبا جزيئيا جديدا لم يكن معروفا من قبل
يرتبط به ناتج البيساكوديل النشط
فيحوّل القناة مباشرة إلى وضعية نشطة
دليل حاسم من التجارب على الفئران
لتأكيد الدور المحوري لقناة TRPM4، اختبر الباحثون البيساكوديل على:
فئران طبيعية
وفئران معدلة وراثيا تفتقر إلى قناة TRPM4
النتائج كانت واضحة:
في الفئران الطبيعية، زاد محتوى الماء في الأمعاء ولانت الفضلات
في الفئران التي لا تملك قناة TRPM4، لم يكن للدواء أي تأثير
إطار جديد لفهم توازن السوائل المعوية
قال خوان دو:
«اكتشفنا مسارا إشاريا طلائيا جديدا ينسق عمل عدة قنوات أيونية لتنظيم حركة السوائل داخل الأمعاء. هذا الإطار الجديد يساعدنا على فهم كيفية الحفاظ على التوازن في الحالة الصحية، وكيف يختل في حالات المرض».
سنوات من البحث في قناة TRPM4
يُعد هذا الاكتشاف تتويجا لسنوات من العمل البحثي في مختبرات وي لو وخوان دو، حيث:
نُشرت أول بنية ذرية لقناة TRPM4 عام 2017 في مجلة Nature
وفي عام 2024، أظهرت الدراسات أن دراسة القناة في درجة حرارة الجسم تكشف شكلا «دافئا» أساسيا لعملها الطبيعي
أكدت هذه الأبحاث أن الحرارة تؤثر بشدة على بنية القناة واستجابتها للأدوية